حوار الدم!
علي كنعانحوار الدم!صادفت شاعرا منهمكا بكتابة مسرحية بعنوان: ذئبة وثلاثة خنازير برية . وعصابة الأربعة هذه، لا علاقة لها بالرباعي الصيني طيب الذكر، إنما هي تسعي بشتي الوسائل الجهنمية للسيطرة علي ثروات الزيت في العالم، بدءا من العراق وليس انتهاء بأمريكا اللاتينية. وشاعرنا يري أن كل ما يجري في عالم اليوم خاضع لقانون مسرح العبث أو اللامعقول في صيغته الدموية العظمي. فالدراما الإنسانية القائمة علي الصراع غير المتكافئ تؤكد أن المسرح أبو الفنون ومحرك الأحداث منذ أيام بابل والإغريق ومواسم الحصاد والأعراس.. إلي آخر الحالمين باستعمار الفضاء واحتلال الكواكب المحيطة بهذا الكوكب البشري المسكين. والفاجع في الأمر أن عنصر السخرية المرة، إلي حد النزف، هو الغالب علي هذه الدراما. ويكفي أن نقتطف الأسماء والجمل والعبارات التي يكررها السيد بوش في خطاباته لنخرج بأبهي ألوان الكوميديا السوداء المنقوعة بالدم. إن تكرار كلمات إرهاب، صدام، ديموقراطية، حماس، سورية، إسلام.. تجعل هذا الرجل مهرجا من طراز نادر لم يبلغه أي مهرج سيرك عالمي من قبل. ولعل من حق المسرح الأميركي أن ينفرد بهذا النجم الأسطوري الفظيع، ولنا أن نتأمل شخصية أخري.ولا بأس هنا أن نتصور مشهدا بسيطا بين قطبين متنافرين أصبح اللقاء بينهما شبه مستحيل: في الطرف الأول شاعر وجداني يحلم بأن تظل الأرض واحة للعشاق الطيبين المسالمين، مفعمة بالشجن الأندلسي وأحلام الملايين (ولا بأس أن يكون اسمه لوركا، مثلا)، وفي الطرف الآخر جنرال حرب مولع بتجارة الدم، (ولا بأس أن نستعير له اسما منحوتا من رَمْس العربية و فيلد الإنكليزية فيكون رمس ـ فيلد، أي حقل القبور!…)ونسرح مع الخيال فنتصور أن الحوار يجري علي سطح بناء خماسي الأضلاع اسمه (البنتاغون)، ولا بأس أن يكون الوقت مساء والقمر يطل من سماء الشرق ويغسل وجه الشاعر المتسائل، بينما تغمر وجه الجنرال العتيد أشعة الليزر وتمتد وراءه غيمة تشبه الفطر الذي غشَّي أجواء هيروشيما قبل واحد وستين عاما إلا بضعة شهور: سؤال: لماذا أنت مسكون بسعار الحرب بلا أي مبرر، يا جنرال؟ جواب: الحرب متعة روحية ومصلحة تجارية، ومجد تاريخي. أنت فتي غشيم شغلت نفسك بالقمر وبؤس نيو يورك وراية ماريانا ودم إغناثيو علي الرمل، ولا تعرف شيئا عن رائحة الدم المحترق ولا تشعر بلذاذات تلك الرائحة! لكن الحرب وسيلة وحشية عمياء تبيد ملايين الأزهار والأشجار وتقتل ألوف الأبرياء من الشيوخ والنساء والأطفال، فضلا عن الشباب المنفذين لأوامركم أو المدافعين عن أوطانهم، لماذا؟ أنت متخلف عن العصر ولا تعرف ما تفعله حضارتنا في فلسطين، كما أننا قضينا علي أكثر من مليون طفل عراقي خلال سنوات الحصار الماضية، وسوف نقضي علي ملايين أخري في إفريقيا بفضل الإيدز.. وبشائر أنفلونزا الطيور، وها هي واشنطن ما زالت عاصمة الدنيا الزاهية، وهذا مبني (البنتاغون) يعيد أمجاد روما بفضل عبقريتنا الحربية. لا أدري من أين تجلبون هذه العواطف الرومنسية المثقلة بالهشاشة البالية! أعرف أنك تعشق رائحة دم الأطفال، ولكن ما الفائدة؟ يبدو أن الشعراء لا يفهمون بالصناعة والاقتصاد والبورصة. إن تجارة الدم أغلي بضاعة في أسواق العالم. أنت قرأت تاريخ أمريكا، لكنك تنسي أن الأسباب الأساسية لازدهار بلادنا في فترة قياسية هي إبادة ملايين من سكان البلاد، فضلا عن شحنات العبيد الذين جئنا بهم من أفريقيا. إن الازدهار لا يتم إلا بإخلاء الأرض وتكثيف أعمال الزراعة وتشغيل مصانع السلاح، وهذه الأسلحة تحتاج إلي تصريف ولا يجوز أن تبقي مخزونة في عتمة المستودعات. والحروب وحدها القادرة علي ترويج الأسواق: سوق السلاح وسوق القطن وسوق الحبوب وسوق الأدوية والمخدرات وسوق السمسرة… إلخ. وهذه كلها تصب في البنوك، وأموال المصارف هي التي تحرك آلة المصانع وآلة الإعلام وتطور العلوم والتكنولوجيا وشتي وسائل التطهير والاتصال والتفوق.. وهكذا نحقق الازدهار الذي نحلم به. أنت تاجر دماء، إذن، تتسلي بعذابات البشر وأوجاعهم، ألا تجد مهنة أنظف؟ أنا أبني أمجاد أمريكا، وما عليك إلا أن تفتح ذهنك جيدا حتي تدرك أهمية ما أقوم به. بسفك الدم البريء ودمار المدن الجميلة وحرق المزارع وإتلاف الذاكرة؟أنت تعيش بالأحلام بعيدا عن الواقع، وعلي أن أوقظ ذاكرتك الغافلة. تذكر أننا لولا إتلاف الكثير من غلال القمح لصارت أسعاره في الحضيض. إذا كنا لا نتردد في إحراق قمحنا الغالي لكي نحافظ علي سعر لائق به، فلماذا تنزعج من إشعال الحروب؟ ولكن، لماذا؟ ما هو المكسب المرتجي، بعد الأهوال والضحايا؟ المكسب أن أكون بطل هذه الحرب، أن أكون هتلر جديدا، نيرون آخر… اختر ما شئت لي من رموز التاريخ، وبعد ذلك سأكون سيد البيت الأبيض في دورة قادمة، أعني سيد العالم، أما آن لك أن تفهم؟!(وانقطعت سلسلة الحوار من أضعف حلقاتها.. دوي رصاصة خاطف ويخرس الشاعر!)شاعر من سورية يقيم في ابوظبي0