انحياز للإنسان والحلم بغد أفضل..لم يأت بعد!

حجم الخط
0

انحياز للإنسان والحلم بغد أفضل..لم يأت بعد!

رحيل فنان الكاريكاتير المصري رؤوف عياد:انحياز للإنسان والحلم بغد أفضل..لم يأت بعد!القاهرة ـ القدس العربي : رحل عن عالمنا قبل حوالي أسبوعين فنان الكاريكاتير المعروف رؤوف عياد عن عمر يناهز الخامسة والستين وذلك بعد أن أثري حياتنا الصحافية بالعديد من رسومه التي قادت طليعة شعبية ومثقفة تقف إلي جانب قضايا الحرية والعدل والمساواة، ولم يكن عياد في ذلك سوي واحد ممن ينتظمهم عقد فريد في تاريخ الكاريكاتير المصري منذ الفنان طوغان واللباد، والسلمي وجمعة وحاكم. وقد أصدرت دار ميريت للنشر والتوزيع كتابا عن الراحل تحت عنوان عالم رؤوف عياد ، ويري الكاتب الراحل سيد خميس في مقدمة الكتاب أن المتابع سيلاحظ غيابا واضحا للرسوم الكاريكاتيرية المؤثرة التي ظلت ملمحا وعلامة مميزة لتلك الصحافة وخاصة المصرية، علي مدار ثلاثة عقود، ويضيف أنه لا يعني بالرسوم الكاريكاتيرية تلك الرسوم والمجلات والتي لا تقل رداءة وتخلفا عن تلك الرسوم، ولكنه يعني الرسوم الكاريكاتيرية التي عرفها المصريون القدماء وبقي لنا بعض ما سجلوه منها علي جدران معابدهم ومقابرهم منذ آلاف السنين، والتي ظلت تختفي وتتحول لتظهر في أشكال أخري كالرسوم الشعبية والأدب الساخر.. والنكتة والأمثال حتي عادت مع صحافة يعقوب صنوع أبو نضارة في نهاية القرن التاسع عشر، ليتم تمصيرها مع نهاية النصف الأول للقرن العشرين في أعمال صاروخان، رخا، زهدي، طوغان.. ولتنطلق انطلاقتها الكبري مع المد التحرري الثوري ومع التطور الصحفي الكبير في الخمسينيات والستينيات التي شهدت عصرها الذهبي فنيا وفكريا وسياسيا، ليصبح تأثير رسامي الكاريكاتير صلاح جاهين، رجائي ونيس، جورج البهجوري، بهجت عثمان، حجازي، مصطفي حسين، حسن حاكم، صلاح الليثي تأثيرا لا يقل عن تأثير كتابات كبار الكتاب والصحافيين المعاصرين. ويضيف سيد خميس أن هؤلاء كانوا يشاركون برسومهم في صناعة الرأي العام والوعي العام، وتتحول الشخصيات الكاريكاتيرية التي أبدعها صلاح جاهين أو بهجت إلي كائنات فنية تكاد تخرج من الورق لتشارك الناس حياتهم الصاخبة، ويقول خميس أنه تكاد بعض تعليقات حجازي الموجزة جدا والمصاحبة لبعض رسومه أن تقول للقارئ ما يستطيع قوله مقال كامل، ويضيف: تجذب نداهة الكاريكاتير سماء أخري مثل محيي الدين اللباد، رؤوف عياد، نبيل السلمي، جمعة، البطراوي، محسن جابر، وتلمع في الصحافة العربية أسماء كبيرة وموهوبة مثل ناجي العلي والسوري علي فرزات، واللبناني حبيب، والليبي الزواوي. ويتساءل خميس: أين ذهبت كل تلك المواهب الكبيرة؟ ولماذا لم يفرز هذا الازدهار الكاريكاتيري أجيالا جديدة؟ وهل هناك علاقة بين غياب فن الكاريكاتير الحقيقي وبين انحطاط فنون الكوميديا في السينما والمسرح والتليفزيون؟ أم أن ازدهار هذه الفنون مرتبط بعصور التمرد والرفض ونحن نعيش زمنا لا أجمل ولا أبدع. أسئلة تتري يطرحها سيد خميس يقول في نهايتها أن رؤية الطبقة السائدة التي تتحكم في مصائرنا، بفظاظتها وغلظتها وعدائها لكل ما هو جيد وحقيقي وموهوب، قد فرضت سيادة ثقافتها الخاصة علي التعليم والثقافة والإعلام، وروجت بما تملك من مال ونفوذ لذوقها العشوائي، فلم يعد متاحا للمواهب الحقيقية في كل المجالات أن تنمو وتزدهر إلا بمعجزات فردية والمعجزات لا تتكرر كثيرا.ويضيف سيد خميس قائلا: لقد غابت المرجعية الفنية والفكرية عن حياتنا الثقافية والإعلامية ونظرة واحدة علي ما تنشره الصحف والمجلات تحت اسم الكاريكاتير كفيلة بملء النفس بالهم والغم، الذي يتطلب أن يقدم مرتكبوه إلي المحاكمة بتهمة العدوان علي عيون وذوق القراء ولا أحد من المسؤولين عن الصحف والمجلات يقول لهؤلاء المعتدين: كفي! لأن هؤلاء المسؤولين ليسوا أسعد حالا منهم، ويردف خميس قائلا: لم يبق لنا من زمن الكاريكاتير الجميل إلا القلة القليلة التي يأتي في مقدمته الفنان المخضرم رؤوف عياد الذي ينشر في هذا الكتاب بعض رسومه.ويضيف خميس: أعمال رؤوف عياد تحت المفهوم الذي أرساه في صحافتنا رعيل الموهوبين الكبار من رسامي الكاريكاتير، حيث هو رأي ورؤية، رأي نقدي في الأحداث والوقائع وظواهر الحياة المتعددة التي تعبر عنها رؤية فنية تتجسد في طريقة اللقطة والكادر والشخصية النمطية والتعليق الذي يلعب دورا في خطة التنوير.ويضيف خميس أنه رغم أن رؤوف بدأ من مدرسة جاهين وحجازي إلا أنه أسس لنفسه شخصية مستقلة تتجسد في شخصيات رسومه، وفي طريقة رسمهم، وفي اهتماماتهم الأثيرة، الإنسان الهامشي الصغير، ضعيف البنية الذي يعوض ضعفه بذكائه ورفضه لكل ما يستحق أن يرفض في السياسة والحياة، الذي تنحصر طموحاته في الستر والمتع البسيطة، والذي قد لا يأبه به الكبار لكنه يعرف كيف يسخر من سوءاتهم.أما الكاتب محمد الرفاعي الذي كتب المقدمة الثانية للكتاب تحت عنوان أزواج وزوجات رؤوف عياد.. من عصر الحريم لعصر العولمة! فيقول إن العلاقة بين الرجل والمرأة.. علاقة شائكة منذ بدء الخليقة، أشبه بالبهلوان الذي يتأرجح فوق سلك رفيع، محاذرا السقوط حتي لا تنكسر رقبته، علاقة تبدأ بالحب واللوعة وسهر الليالي، حيث يبدو الطرفان مثل مريض العناية المركزة، لا شيء غير عينين مفتوحتين وابتسامة بلهاء بلا معني، ثم تتحول هذه العلاقة ـ بعد المرور علي المأذون أو عشماوي ـ إلي النكد والرذالة، و كان يوم أسود يوم ما شفتك ، ويحصل الزوج علي عدة ألقاب محترمة مثل: الكبة، الرزية، الفالح ابن الفالح، كما تحصل الزوجة علي رتبة: أم قويق، والبومة، واللي ما تتسماش، وينتهي الأمر باللجوء إلي المحاكم والقضايا.. والملاجئ، وتصبح ولا سيرة بني هلال يحكيها الرواة علي المقاهي.ويضيف الرفاعي أن هذه العلاقة ظلت مادة خصبة لرسامي الكاريكاتير الذين رصدوا ملامحها بداية من العصر الحجري حيث يجر الرجل الذي يقترب من ملامح القردة وفي يده شومة المرأة من شعرها، وهي تبدو مسكينة، وربما سعيدة علي أساس أن ضرب الحبيب زي أكل الزبيب، مرورا بعصر الحريم، والذي تحولت فيه المرأة إلي مجرد كتلة سوداء، لا يبدو منها غير عينين خائفتين حذرتين من شوارب سي السيد، دون أن تسمع لها صوتا علي اعتبار أنه عورة. ويقول محمد الرفاعي إن هذه الثنائية الزوجية في شكلها الأحادي تتفجر بريشة رؤوف عياد لتدخل مناطق مفخخة أو تستدعي تلك المناطق بشجاعة ووعي لتضعها في مواجهتنا مباشرة، ولا مفر.. أنه يسحب ذلك الواقع الذي يعلقنا علي حوائط رد الفعل السلبي علي شخوصه، ليدفعنا إلي منطقة الفعل الإيجابي، فتلك الشخوص التي تواجهنا، هي نحن في مواجهة الآخرين، شخوص لها ملامحنا، وتعيش نفس ظروفنا، ومن ثم تكتسب مصداقيتها، وتعاطفنا معها ليس تعاطفا ظاهريا سلبيا، ولكنه تعاطف يمتلك بجدية الوعي والمعرفة، ومحاولة القدر علي الفعل، فمثلا التحالف التركي الإسرائيلي يصبح هو نفسه تحالف الزوجة وأمها ضد الزوج، والزوج الواقع تحت قهر الزوجة المفترية، يقف رافعا شعار السلام الآن، وزوجة أخري تطالب بترسيم الحدود الدولية بينها وبين زوجها.ويختتم محمد الرفاعي مقدمته عن رؤوف عياد قائلا: إن رؤوف يقف دائما في المقدمة يصرح قبل أن يجرفنا الطوفان أو قبل أن يأكلنا الجراد القادم من الجهات الأربع، يقف مدافعا عن الإنسان البسيط، إنه من النبلاء الحالمين بغد أكثر إنسانية وأكثر احتراما.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية