‘الحياة الأكثر سلاما واطمئنانا هي غير بعيدة عنا بل ملتصقة بنا وليس علينا سوى أن نُضيء المشكاة ونتقدم’. على هذه الفكرة تنهض رواية ‘فراشات الروحاني’ للقاص والروائي محمود الرحبي التي صدرت مؤخرا عن دار فضاءات للنشر والتوزيع. تدور أحداثها حول معالج روحاني هو سعيد هاشم، الذي تجرأ على دخول عوالم وحكايات بشر من مستويات ثقافية واجتماعية مختلفة عبر مدخل واحد هو ‘الروح’.
سعيد هاشم المعالج الروحاني ‘رجل يعيش بصحبة أفكاره’، هكذا يُعرف لنا بنفسه، بدأت علاقته مع علم الروحانيات كوسيلة للترفيه عن الذات، ثم ما لبثت أن احتلت جلّ حياته. يستعمل أداة التماس مع ذرات الكون التي تتنادى بصورة نشطة لتلبية الرغبات الصادقة ويشير إلى أمر في غاية الأهمية عندما يقول: ‘الصدق وحده لا يكفي. يجب ان يكون هنالك شغف أيضا’. لم يكمل سعيد هاشم دراسته، لكنه قرأ كثيرا في علوم النفس والروحانيات وعلم الطاقة وقانون الجذب الكوني والتصوف والاديان والادب والفلسفة.
على الطرف الآخر من الحكاية كانت ‘كرمة’، بصحبة كُتاب مبتدئين تمت استضافتهم لتطوير كتاباتهم في أبوظبي. تعيش كرمة في لبنان بصحبة أخيها الفار من العدالة. يشرب كثيرا، ويزعجها عندما يشرب إذ يراها جسد امرأة أكثر مما يراها أختا له. شاءت الأقدار في ذات مُصادفة أن يلتقيا سعيد هاشم وكرمة في بهو فندق قصر السراب في أبوظبي. لم يكن بينهما سوى لقاء عابر، إلا أنّ سعيد هاشم تعلق بها بشكل جنوني، ‘لم يظن سعيد هاشم الذي تعبر سنوات حياته في بحر الستين لحظة، بأن موقفا عابرا كهذا لا يزن سوى ثوانٍ في قياسات الزمن الواسعة التي مرّت بها أطوار حياته، يمكن أن يُعكر صفو تأمله إلى هذا الحد. حيث اعتاد الدخول في رحلة تأمل قصيرة يخوضها استعدادا لوجبة الغداء، بل مما زاد الأمر غرابة، هو تحريكه لرقبته باحثا عن الفتاة بين كراسي البهو’. وأكثر من ذلك فقد غيّر نوع سجائره لأجلها من الدفدوف ذي النيكونين الخفيف إلى الكانت البيضاء.
حصل سعيد هاشم على رقم هاتفها، لكنه وجد تجاوبها هادئا وضعيفا وبطيئا ونظرا لأنه شعر بذنب تطفله عليها، فقد قام بالتخلص من شريحة الهاتف ومن رقم هاتفها أيضا وبالتالي منها ومن التفكير بها.
وكما يبدو اهتمامه بـ’كرمة’ لم يكن حبّ رجل بامرأة، بقدر ما كان محاولة جادة من سعيد هاشم للالتصاق بأعوامه الهاربة من حياته، تلك التي لم يعد لعودتها أدنى أمل. فقد تعلقت أمه به كثيرا لدرجة أنها تأخرت في تختينه خوفا عليه، وذلك بعد أن جربت أمه فقد زوجها وكان فقد سعيد هاشم لأمه لاحقا كارثة أعظم، عطلت عمله وحياته ودراسته، إذ لم يحتمل أن تمر الأيام من دون أن يسمع صوتها أكثر من مرة في اليوم الواحد. وتتلخص حياة أمه في جملة واحدة قالتها له أم غريب، ‘لم يكن أحد يشتكي منها’.
تسأل كرمة لنفسها: ‘ما الذي جذبه فيك يا كرمة؟ هل رأى فيّ شيئا لا يمكن أن يراه غيره، ثم اختلطت صورتها المنعكسة في الزجاج والمتحدة بصورتها وهو يتقدم ناحيتها وكأنما يدفع الصورتين معا باتجاهها’.
تعلقه الغريب بـ ‘كرمة’ كإنسانة وروح أكثر منها كجسد، كان أشبه بتعلقه بأمه. كان محاولة لترميم الفقد العميق بداخله، وليت محمود الرحبي استثمر هذا التفصيل في هذه العلاقة الشائكة والمرتبكة، من أجل تفتيح الشخصية بدلا من أن نراها من الخارج ومن ممارساتها اليومية، لنتمكن من رؤيتها من الداخل، لنرى هذا الإنسان الذي يحل مشاكل الآخرين بلمسة سحرية، ماذا يكابد ويحس ويشعر، بدلا من الاسترسال الطويل مع حكايات كثيرة مع المرضى الذين يعبرون العيادة بمشاكل عديدة.
فالحيز الأكبر من الرواية يُعنى بقصص مرتادي عيادة الروحاني التي تقدم استشارات لأولئك الباحثين عن المال والنحافة أو الذين يعانون من سرعة الغضب، أو أولئك الذين يفقدون قدرتهم على الاستمتاع بالحياة باكرا. يقترب سعيد هاشم من العالم الداخلي لمراجعيه، من مشاعرهم ونوازعهم وأحاسيسهم، في محاولة جيدة لإرسال سحابة من شحنات الحب وامتصاص الطاقات السلبية. يُسدد سعيد نصائحه بذكاء وبخبرة معرفية مقنعة، ينصح بالرياضة لا لأجل النحافة ولكن لأجل ان يوجد أحدنا علاقة حب مع جسده. ينصح بالتريض لاستقبال النوم لمن يكابدون الأرق. فهو مؤمن ومقتنع بهذه الفكرة: ‘كل شعور في هذا الوجود ينبع من الداخل من اعماقك. حتى امراضك الظاهرة فإن مصدرها الداخل. علينا أن ننظف بيوتنا من الداخل حتى نستطيع أن نعيش بصحة عالية في الحياة. الفوضى التي بداخلك هي سبب ما أنت عليه من عذاب’. ويقول أيضا لمعاود آخر إلى عيادته: ‘لكي تُغير ما حولك، عليك ان تبدأ بذاتك أولا فكل العالم يتحرك من الداخل. من سجن قفصك الصدري’.
وإن كان ثمة ما يؤخذ على الرواية فهو اعتناؤها بمشاكل جميع المراجعين والذهاب إلى عمقها السحيق لتفتيتها وإعادة تفكيكها لتبدو أسهل مما تبدو عليه، عبر إخفاء المشكلة أو تجميلها أو تبسيطها في عين المريض الذي يراها ضخمة، بل ربما لا يرى شيئا غيرها. فيما يختبئ سعيد هاشم وراء المرضى فلا نراه، لا نعرفه جيدا. فقط رجل حاضر لتقديم النصيحة التي تُسعد قلب المرضى، وغالبا ما ينجح في امتصاص طاقتهم السلبية.
كنا كقراء ندخل العيادة مع كل مريض ونخرج معه، حتى بدت قصة كل مريض منهم أشبه بقصة قصيرة مستقلة، يمكن نزعها من سياقها لتبدو مكتملة في ذاتها، ومنبتة عن جسد الرواية.
سعيد هاشم رجل يقضي حياته في المغطس متوحدا مع ذاته. يستدعي سرب الفراشات. منذ أن كان صغيرا، تربطه أمه في شجرة الغاف بخيط لكي لا يؤذي نفسه. وفي هذا الوقت يتسلى سعيد بالفراشات حول وجهه، ‘رفرف الصغير بيديه ورجله الحرة، ونادى بكلمات عابثة الفراشات المندسة على حواف الدغل وهي تغازله من بعيد وحين اختفى سرب الفراشات إلى غير رجعة أطلق صياحه’.كرمة امرأة متوترة مضغوطة، كثيرة ال نسيان ودائمة الأرق. تعمل في مطبعة. والدها لديه مطاعم. اختلفت معه عندما أراد تزويجها بصديق له يكبرها بثلاثين عاما. تركت تركيا وهربت إلى بيروت.
يشترك سعيد وكرمة في أمر، أنّ كليهما يكتب. يكتب سعيد في دفتره ما يستخلصه من معاودة مرضاه، فيما تكتب كرمة كل ما يعتري يومها من تفاصيل صغرت أم كبرت في رسائلها إلى ‘أبيض’ أو ‘بيوض’ أو ‘بيوضي’ وكلها إشارات إلى فضاء البياض الذي تكتب فيه.
الفضاءات الحية التي تدور فيها أحداث الرواية هي، أبوظبي والبحرين وبيروت، أما عُمان فغير واردة إلا عبر تذكار عابر لأم غريب، وغريب هو مساعد سعيد هاشم في العيادة الذي ينظم له مواعيده. عائلة غريب جاءت في الخمسينات من عُمان الداخل إلى البحرين، طلبا للعلم. الأب لم يجد سوى وظيفة طباخ في إحدى السفن ولم يكن يجيد السباحة، وعندما غرق المركب سبح الجميع وبقي يتلبط في مكانه. طلبت أم غريب من سعيد أن يسمح لغريب بالعمل معه، فوافق على ذلك.
شخصية غريب هي الأخرى تكابد فقد الأب، والغربة، وبقاء الأم إلى جواره بصبر، ولكننا أيضا نخسر فرصة أن نرى هذه الشخصية إلا من خلال إشارات طفيفة. فهو ليس أكثر من منفذ للأوامر.
يحاول الروحاني أن يقنعنا ويقنع مرضاه، بأن كل واحد منا يمكنه أن يرسم صفحة بيضاء في ذهنه وأنّ جزءا من الشفاء متعلق بالنسيان. يطلب من الزوج الغاضب من زوجته أن يُسجل خمس حسنات لزوجته قبل النوم. يفسر الحسد على انه طاقة سوداء يصعب رؤيتها ولكن مفعولها كمفعول النار. ويخبرنا سعيد هاشم بأنه ليس هنالك ما يجعلنا ضئيلين أمام أنفسنا أكثر من كوننا بعيدين عن الارض.
تنتهي الرواية بالطريقة نفسها التي بدأت بها. عاد سعيد هاشم طفلا في الثالثة من عمره يُداعب فراشات تغازله من بعيد. وأظن أنّ الرحبي لو اعتنى أكثر بفكرة الفراشات التي تُلاحق سعيد هاشم منذ الطفولة الأولى، منذ أن كان مربوطا في شجرة الغاف والتي تشير إلى انقطاع سعيد هاشم عن الحياة وغرفه في رحلاته التأملية، لكان أغنى الرواية بكثير من السحرية اللافتة، كما أغنى شخصية البطل التي ظلت إلى آخر صفحة من الرواية عصية على الفهم. تذهب إليها، فتخرج من دون أن تتكون لديك مشاعر تجاهها من التعاطف أو الكراهية. تشعر وأنت تقرأها أنك على مسافة حذرة منها.
ومن يدري، ربما يكون الرحبي عبر لغته السلسة، ونقلاته الرشيقة، قد تقصد كل ذلك، لتبقى شخصية المعالج الروحاني في مساحتها المغلقة على نفسها، في مساحة المستور الذي لا يعطيك إلا القليل، والباقي عليك أن تكشفه بواسطة روحك.
الجدير بالذكر أنّ الرحبي حاز على جائزة ووسام السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب عام 2012 عن مجموعته القصصية الأخيرة ‘ساعة زوال’، إلى جوار العديد من الجوائز الأخرى. حيث يعد محمود الرحبي من الأصوات القصصية المهمة في سلطنة عمان. صدرت له عدّة مجموعات قصصية هي ‘اللون البني’ عن منشورات دار المدى السورية عام 1998 و’بركة النسيان’ عن وزارة الثقافة العمانية عام 2006، وعن دار أزمنة للنشر والتوزيع في الأردن صدرت مجموعة قصصية بعنوان’ لماذا لا تمزح معي’، تلتها ‘أرجوحة فوق زمنين’ التي حازت على المركز الأول في مسابقة دبي الثقافية. وله من الروايات رواية ‘درب المسحورة’ وهي عبارة عن مداورة سردية لقصيدة عمانية قديمة صدرت عن مؤسسة الانتشار العربي، ورواية أخرى بعنوان ‘خريطة الحالم’ صدرت عن منشورات الجمل.
كاتبة عمانية