هل سيكون البرلمان العراقي الضحية الاخيرة لاستبداد المالكي؟

حجم الخط
1

لا يمكن لاحد أن يعطي شهادة حسن سيرة وسلوك للبرلمان العراقي، بل حتى التسمية والوصف مختلف عليهما باختلاف النظرة الى طبيعة الولادة، فشركاء العملية السياسية يضعونه في مصاف برلمان ‘ويستمنستر’ البريطاني، الذي كان يوما ما يجتمع تحت وابل قصف الصواريخ الالمانية كي يقر قانون الضمان الاجتماعي حتى لا يجوع البشر في عز الحرب، ونظرتهم هذه متأتية من المصالح الشخصية التي درتها الامتيازات والحصانات التي يتمتعون بها في ظله، حتى باتت خزائنهم في الداخل والخارج مليئة بملايين الدولارات. أما المعارضون فينظرون الى البرلمان على أنه ولادة غير شرعية في زمن غير شرعي هو زمن الاحتلال، وفي مكان غير شرعي هو الوطن المغتصب، لذلك ولد فاقد الاهليتين القانونية والشرعية، وفقدانه لهذين العنصرين جعله عاجزا عن القيام بواجباته المنصوص عليها دستوريا.
وبما أنه مؤسسة مختلف عليها وطنيا فانه غير مأسوف عليه أن تدحرج تحت أقدام الحاكم بأمره، لان الكيانات الباطلة تأكل بعضها بعضا، بينما المؤسسات الشرعية تحترم وتعزز شرعية بعضها الاخر، كما يقول علم السياسة. لذلك فالصراع الدائر اليوم في الوطن والممتد منذ عام 2003 قائم على أساس واحد هو البحث عن تركيز السلطات في موقع واحد، لان المؤسسات القائمة شكلية المظهر والجوهر، والقائمين عليها لا يؤمنون أصلا بمبدأ فصل السلطات الذي تعتمده الديمقراطيات كأساس لتحقيق الحاكمية العادلة.
ولان رئيس السلطة التنفيذية صنف نادر من الزعامات السياسية، كما هو وحاشيته يظنون ذلك، وأن مؤهلاته المهنية وعبقريته السياسية قادرة على الاحاطة بمهمات رئاسة مجلس الوزراء ووزاتي الدفاع والداخلية وكل المؤسسات الامنية، فكيف له بعد ذلك أن يقبل شريكا في السلطة أو زعامة سياسية أخرى أعطاها الدستور المزيف صلاحيات موازية لصلاحياته، ولديها اعتبار معنوي رتب لها حقوقا وأعرافا وتقاليد تُؤخذ بنظر الاعتبار في الداخل والخارج؟ لكنه في المقابل ايضا، هل من حق البرلمان ورئاسته وأعضائه ولجانه منافسة السلطة التنفيذية ورئاستها، وهم الذين عجزوا عن أن يمارسوا سلطاتهم الدستورية على الحكومة؟ بل لم يستطيعوا رد الاعتبار لانفسهم عندما سحبت السلطة منهم حتى حق التشريع الذي هو الواجب الاساسي لكل البرلمانات الاصيلة والمزيفة في العالم.
لقد قبل البرلمان بأن يكون ذيلا للسلطة، بعد أن وجد أن السلطة تملك كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعندما وازن بين الخسائر التي تُجنى من الاعتراض على عملها وبين الارباح التي تجنى من مسايرتها، مال الى أن يكون ذيلا لها لانه فاقد للشرعية الشعبية التي تجعله رقيبا على السلطة، خاصة أن الغالبية العظمى من النواب لم يحصلوا الا على خمسة الاف صوت أو أكثر بقليل، لذلك رفض المالكي الحضور الى مجلس النواب للاجابة عن سبب سيل الدماء الذي يجري في العراق، ولماذا لازال الشعب يبحث عن طعامه في أماكن جمع القمامة، بينما قاربت كميات النفط المصدر ثلاثة ملايين برميل يوميا، ولماذا سُرقت مليارات الدولارات من دون حساب، ولماذا وجه قواته وأسلحته الى الانبار في أكبر مجزرة. نعم لم تحترم السلطة التنفيذية نفسها أمام الشعب، لانها تملك القوة العارية والقانون والتشريعات وكل صغيرة وكبيرة وتقتل وتعتقل وتكمم الافواه من دون رقابة، وهذه الوسائل يمكن استخدامها مع البرلمان أيضا بقوة القضاء المسييس، لكن ما هي قوة البرلمان المصطنع الذي لا يملك التمثيل الشعبي الحقيقي؟ يقينا أنه لا بد أن يتحول الى ناد لمجموعة من الوصوليين الانتهازيين الذين يتحلقون حول الكاميرات ليعلنوا ايداع استقالاتهم لدى رؤوساء كتلهم، ثم يعودوا بعد بضعة أيام معلنين سحبها وانتظامهم من جديد في عربات قطار العملية السياسية، ويهرول رئيسهم كي يمثل أمام أوباما وبايدن في البيت الابيض حين استدعائه. اقرأوا الخطاب الاخير للمالكي ورد النجيفي في المؤتمر الصحافي الذي عقده وستجدون المستوى الحقيقي للساسة العراقيين، وأي نمط من فن السياسة يتعاملون به، عندها سنعرف أي مستوى وصل اليه العراق، وكيف أن الدولة باتت مسرحا للخلافات والفساد والتناقضات، بينما السلطة موزعة في أكثر من مكان، ولكنها قطعا ليست موجودة لا في البرلمان ولا في السلطة التنفيذية، فالمالكي أداة والنجيفي اداة وكلاهما يبحث في كيفية الوصول الى أن يجعل الاخر ضحيته.
دورهما في صناعة سياسة البلد ليس مرتبطا اطلاقا بالامور الاساسية التي يرتبها المنصب الذي يتسنماه، بل بما يحملان من عقد التسلط وصناعة التفوق المزعوم على الاخر، وكسب أوراق الضغط والحاشية والتابعين والطائفيين. اذن هنالك انفصام حقيقي بين حقيقة ممارسة السلطة، التي ليست موجودة في الدولة، وبين الشكل العام للدولة، مما أدى الى نشوء تحد سببه الانقسام الجوهري ذو الطابع الطائفي، وبالتالي سوف يبقى رئيس الوزراء دمية ورئيس البرلمان دمية أيضا مقارنة مع الدور الحقيقي الذي يجب أن يقوما به، ولن يعيد هذا الوضع السلطة الى عموم الدولة، بل ستبقى موزعة في أكثر من مكان وجهة. اننا أمام أزمة نظام وأزمة حكم وأزمة زعامات سياسية طائفية، وكل ذلك أدى الى اختزال العمل السياسي بالحصول على منصب والتقاتل من أجل أن يكون هذا المنصب على حساب المنصب الاخر، فافرغت المناصب من مضامينها الخدمية، لذلك لا يشعر بالحرج أولائك النواب الذين اُنتخبوا بينما المنتخبون لهم يُهجّرون ويُقتلون ويُعتقلون ولا صوت يعلو من أجلهم، ولا يشعر بالذنب ذلك الوزير الذي تقلصت حدود الخدمة التي تقدمها وزارته، فاقتصرت على خدمة الاهل والاقارب والحاشية والحزب، بل لا يحس بتأنيب الضمير رئيس الوزراء ولا رئيس البرلمان أمام كل الفشل الذريع الذي جناه العراق من سياساتهم الفاشلة، فما زالا يبحثان عن ولاية أخرى كي يرتفع منسوب القمامة السياسية التي خلفاها في ولايتهم الحالية.
باحث سياسي عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية