الغرب في أحدث عنصرية مفهومية : سلطة الثقافة القاتلة للثقافة؟
مطاع صفديالغرب في أحدث عنصرية مفهومية : سلطة الثقافة القاتلة للثقافة؟ينبغي ألا تشغلنا التحولات السياسية العائمة علي سطح العالم الراهن، عن البحث في عمق الصورة قليلاً حيثما يقبع كل من التاريخ والمجتمع والعقل. هذا الثلاثي ليس موضوعاً للفلسفة ومميزاً بها وحدها. إن له سلطته الثقافية التي لا تكتفي بمراقبة الأفكار والتلاعب بها حسب ظروف العملاء السريين الموزعين عادة وراء واجهات الأحداث، بل هي التي تجعل من نفسها ما يشبه الحدث كذلك غير الاستثنائي، بقدر ما هو قرين شبه دائم للحدث الآخر الموصوف بالعادي أو الطارئ المتكرر.لا تعني سلطة الثقافة أية ممارسات مادّوية مباشرة. وليست متمثلة في مؤسسات قائمة معينة، ولا هي منوطة بفُعلاء يمكن تسميتهم وكشف هوياتهم الاجتماعية أو السياسية.سلطة الثقافة قد يُعبر عنها أحياناً بالمزاج العام لأنها تعكس جواً نفسياً شاملاً لما يسمي بالفئات المتحركة من المجتمع. غير أن سلطة الثقافة لا تتحدد عبر أحوال عامة خاضعة لمتغيرات شتي في ذاتها، أو من حولها. إن لها طابعاً من الديمومة والتبعثر تارة، والتكثف تارة أخري، بما يجعلُ كل محاولة لتأطيرها تحت عنوان جامع مانع كما يقال، نوعاً من الابتسار والاختزال. ذلك أن الخاصية الرئيسية لسلطة الثقافة، هو أنها عاصية علي التصنيف، وبالتالي علي طرق التحليل والتركيب المعتادة. أي أنها تظل طافحة خارج الحدود، حسب الاصطلاح المنطقي. إنها خارجة عن حكم الوجود، كما عن حكم القيمة. لا يمكن أن تؤشر علي مفاعيلها، فتقول هذه هي! ولا أن تربط أياً من مفاعيلها تلك بآل التعريف. في هذه الحالة لن يقع التأشير إلا علي أشباح أو أصداء الشيء منها. لا يمكن القول عن سلطة الثقافة إنها سلطة المعرفة. فالأولي قد تضم الثانية، تكبتها أو تتجاهلها أو تستثمرها، لكنها لن تكون مطابقة لها. هناك من المفكرين من يميل إلي اعتبار سلطة الثقافة هي الأقوي والأفعل لأنها الأقرب إلي ما يسمي عادة بطبائع الأشياء، في حين أن سلطة المعرفة قد تتبع مكتسبات الجماعة التاريخية، والموصوفة بالعلمية، علي وجه الخصوص. فقد جري التوحيد غالباً بين الثقافة والحضارة في اللغات الغربية تحديداً. بينما تظل ثمة فوارق نوعية بين اللفظين في العربية ـ وإنني شخصياً أجد الحفاظ علي هذه اللونيات الفارقية فلسفياً، لكن ليس هنا مجال التفصيل فيها ـ.مثلاً، حين يصرح مثقفون وعلماء أن العنصرية في الغرب تكاد لا تكون انحرافاً اجتماعياً طارئاً، وإنه بالتالي يمكن تصحيحها تربوياً واقتصادياً، بل ربما كانت طبيعة راسخة، فكيف تكون المقاربة السليمة بين هذين القولين أو الحكمين بالأحري؟ هاهنا قد يفيدنا مفهوم (سلطة الثقافة) في تفسير هذا التلازم المضطرد بين التقدم (الحضاري) والتعصب الإثني أو العرقي. إذ أن التعارض الوجودي لا يمكن فهمه إلا كواحد من دينامية ـ حركية ـ لسلطة الثقافة التي لا يمكنها أن تفصل تماماً بين الأنطولوجي والمعياري. أي أنه ما ان يقوم الشيء حتي يفرض ما هو عليه. والغرب الذي هو صناعةُ نفسِه كما يعتقد أيديولوجياً، فإنه لم يعد يميز في ذاته، وفي فن هذه الصناعة، ما هو طبيعي فطري فيه، وما صار مكتسباً. هذا الغرب لن يكون سوي نفسه عندما يتعامل مع ذاته أو مع الآخر، كما يتراءي له.قد لا يكون الغرب قادراً، ولا عازماً علي إعادة تكوين ذاته حسبما يطالبه به الآخر. وأنه علي الآخر وحده أن يتكيف معه، بالرغم من عدم امتلاكه أصلاً لإمكانية هذا التكيف. فالنتيجة إذن هي إعادة تأكيد مسافات الإقصاء التقليدية، وإضافة مسافات أخري عليها؛ سوف تحبط فترات التفاؤل السياسوي العارضة، بقابلية التلاقي، ومدِّ الجسور الإرادوية الواعية. فالخيبة الجديدة قد تقلب وضع الآخر بالنسبة للغرب، من مجرد كونه مختلفاً، إلي كونه نقيضاً. هنا، وفي هذه اللحظة الحاسمة تلعب سلطة الثقافة أبرع أدوارها التضليلية، ولأصحابها أنفسهم. إنها تشتغل بسرعة فائقة علي ذخيرة الاختلافات والفوارق اللونية، وتحولها إلي ما يشبه ارتكابات الخطيئة الكبري. يغدو مرتكب الاختلاف خارجَ القانون أو خارجاً عليه. فعلُ الإقصاء يجد تسويغه الفوري كفعل إدانة. فالمختلف يحمل جريرته في ذاته. والإدانة هي حصيلة استحقاقه! هكذا يبّرئ العنصريُّ دائماً ساحته، ما دامت إدانة الآخر تسبق محاكمته، بل إن إنزال العقاب فيه يسبق كلاً من لحظتيْ المحاكمة والإدانة معاً. فعلُ الإقصاء لا تهدأ وتيرته إلا إذا أدي إلي فعل الإلغاء. غير أن سلطة الثقافة هي سيدة أولاً علي أصحابها شاؤوا أم أبوا. إنها تسخرهم لقضاء مقاصدها الأركيولوجية وتعزيز ديمومتها تحت متغيرات التاريخ كلها. إنها الوجه الآخر (المتمدْين) لذلك الأقنوم الخام: إرادة البقاء. كأنما إرادة البقاء لا تتسع لكل أحيائها. فلا بد لها من ممارسة قانون الاصطفاء فيما بينهم؛ فيصير البقاء ليس للأقوي، بل للقادر علي توظيف قوته تلك بصورة أنجع من سواه. هذه القدرة الأخري هي ذخيرة الحضارة وكنوزها المجهولة غير القابلة للنفاد، إلا عندما تسيطر سلطة الثقافة علي الثقافة نفسها كلياً. العنصرية ليست خياراً تقبله الحضارة أو ترفضه ساعة تشاء. قد يكون التلازم بينهما مفهومياً وليس مجرد انحراف اجتماعي أو عرض تاريخي. ذلك أن الحضارة هي نتاج أمة لا تستطيع إلا أن تعكس هوية صانعيها، وبطريقة تمييزية غالباً عن سواها. هذا التمييز ينبع عن الاختلاف الذي هو حالة طبيعية، لكنه سريعاً ما يتحول إلي تمايز متعصب للذات طارداً للذات الأخري. ويحدث هذا خاصةً عندما لا تعود الحضارة المتفوقة قانعة بمكتسباتها الذاتية التي تغذيها مواردها الخاصة. فيتعاظم الانقسام الطبقي داخل مجتمعها، ولا يلقي حلولاً إلا في الانهيار نحو هاوية الاقتتالات الأهلية، أو نقل مطامع الاستثمار الطبقي من ساحته القومية إلي أوسع ساحة عالمية. ما يحتِّم قلب صراع التنافس الحضاري بي الأمم إلي صراع الغَلبة بحسب قانون استئثار القوي بما يَسَعُهُ من خيرات الآخر المستضعف وحرمانه من أبسط حقوقه في تقرير مصيره السياسي والثقافي.لا حدود لسلطة الثقافة إذن ما دامت الحضارة متمكنة من توظيفها تحت طائلة إرادة البقاء لمجتمعاتها، كما تُصوّرها لها مطامعُها. وإن كانت تأتي ضداً علي مصالح المجتمعات الأخري، وهي لا بد لها أن يكون ذلك هو مؤداها المحسوم. فالحضارة والحرب توأمان. وهما معاً يستظلان بسلطة ثقافوية معينة اسمها الدين أو الإيديولوجيا. لذلك فالعنف مضطر إلي إخفاء وجهه بالكلمات الكبيرة والقيم المطلقة والاعتبارات الإنسانوية الشاملة. لا يجرؤ العنف علي التعامل مع ضحاياه، إلا مشفوعة أفعالُه بنقائضها من لغة التبرير والتسويغ الهادفة إلي شرعنة العدوان في عين أصحابه وقومه زوراً ونفاقاً عاماً، وبما يوهم باستحقاق الضحية لما ينزل بها من ظلم وغدر واستباحة.ذلك ما يمكن أن يعطي بعض تعليل لظاهرة التحول العميق والمخيف الذي راح ينتاب ملامح أساسية ومميزة في الشخصية المفهومية للغرب راهنياً، وفي هذه الحقبة الموصوفة بوعود المدنية الإنسية العادلة، التي كانت تتداولها نُخَب الفكر والإبداع والساسة التاريخيون، حتي كان يُظنُّ أنها ترسخت وتجذرت إلي حد أنها باتت أشبه بتقاليد حداثية لعملية تنوير للمنير مستديم، لا يفتأ يجدد أهدافه، ويعززها أكثر رغماً عن وعثاء السياسَوَة الدولية ومباذلها الدموية، عبر ارتكاباتها المستفحلة بحق الإنسانية، وعلي طريق استرداد سلطة الهمجية المطلقة. كأنما العالم أمسي مسوقاً وراء رهاناتٍ جنونية علي ابتداع نوع من جهنم ملعونة، مقنّعة دائماً ببهارج جنة ضائعة إلي الأبد من حظوظ الإنسان البائس الأخير.سلطة الثقافة هي سلطة الخداع الذاتي المعمم بقوة الأمر الواقع أولاً، التي تصور لفاعل الإثم المقصود أنه إنما يرعي أحد المثل العليا التي تخص فصيلته الإنسانية وحدها من دون البشر جميعاً. ليس نموذج الأمبطرة المتأمركة، علي طريقة بوش ومدرسته من مثقفي الشر المحض، المدعوين بالمحافظين الجدد، سوي أحد الرموز الدموية الفاقعة الدالة علي، والمنذرة بارتداد الغرب كله ربما، بما فيه قديمه العريق، القارة العجوز أوروبا، إلي عنصرية التفوق العرقي، بل الثقافوي، وهو الأخطر الذي يرفض تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية مصراً علي تأكيد فلسفة الخطأ كطريق وحيد نحو الصواب، وقد أضحي سراباً لا يعرفه أحد. الأيديولوجيا المعلنة سواء علي صعيد نظام الدولة نفسها، أو المنتشرة في الأوساط الاجتماعية المتحركة، ليست هي مجرد حالة طارئة. والمجتمعات المتقدمة نفسها لا يمكنها أن تتابع حياتها اليومية العادية بين أفرادها وفئاتها من دون انتماءاتها إلي أعراف ونظم وقيم تعكس في جملتها أنساقاً أيديولوجية معينة تمنحها بدورها شخصية مفهومية مميزة. إنها تحيا حياة ثقافوية معينة لا تستغني أبداً عن فرض معايير معينة، تقيس بها أحوالها الذاتية، وتدخل بها مع أفرادها من المجتمعات الأخري في أشكال من المضاهاة المتراوحة إيجاباً أو سلباً، وابتداءً من التنافس علي المستوي المدني حتي مستوي الصراع العسكري. فالعدوان الأمريكي المستديم علي العرب والإسلام موشح بأسطرات التدين تارة علي طريقة بوش وفريقه، وتارةً أخري بأسطرات الديمقراطية المفروضة بقوة أسلحة التدمير الشامل، حيثما تصير حصيلتها علي الأرض إلي مثال الجحيم العراقي. هنالك إذن حزمٌ من الأفكار وراء الكوارث الكبري. ولكن كل فكرة لا تؤخذ بمنطوقها الحقيقي، لا تُقبل أو تُرفض ببداهيتها الخاصة، بقدر ما يُحال بينها وبين الحقيقة التي تبتكرها أو تقدمها. وغالباً ما تنقلب حقائق الأفكار إلي نقائضها تحت طائلة الاستثمار المسيس والمصلحي. كل حروب الغرب مشفوعة بالأيديولوجيات. وليست الأيديولوجيا إلا ذلك النوع من الفكر الذي يُجبر علي خدمة أغراضها. والجيل الراهن من هذه الحروب التي لم تعد صراعاً بين دول الغرب، بل تحولت ضد العالم الثالث خاصةً بعد أن احتكرتها الأمركة لصالح بقائها وهيمنتها علي موارد الثروة عالمياً؛ هذا الجيل من الحروب، المستحدث نسبياً، ربما أمسي محتاجاً أكثر من سابقيه إلي عنصرة الثقافة، إلي توظيفها كأعلي جهاز فكروي مؤسطر، يغذي استراتيجيات الهيمنة ورديفها الطغيان المنظم. مثلاً عندما يتمّ حصرُ الهدف العدواني في الإسلام والمسلمين، فإن الحرب علي أفكاره، يتطلب الأمر حينئذٍ تصنيمها في تأويلات زائفة يجري إسقاطها علي هذه الأفكار المستهدفة، وإعادة إنتاجها بغير حمولاتها من حقائقها ومقاصدها الأصلية، بل إنها توضع سريعاً موضع الاتهام والإدانة بجريرة هذه الاسقاطات الأجنبية عنها، والتي تطمس مفاهيمها وظروف نشأتها الخاصة بها.إن تصنيم الأفكار العامة سواء لدي المدافع أو المهاجم، أو كما صارت إليه صراعات الأمم في ظل العولمة، والأمنية ـ البوليسية ـ منها تحديداً، التي دأبت علي احترافها الرئاسة الأمريكية الحالية، هذه العنصرة راحت تنتج أحدث جيل في سلالة العنصرية، المغرقة في القدم من عهد التشكيلات المجتمعية الأولي، والتي قد تكون العصبية ـ حسب المفهوم الخلدوني لها ـ إحدي أعلي مراحلها المؤدية، هي عينها إلي نشوء القوميات والأمم الحديثة. فالعنف الإنسانوي اكتشف منذ القديم القدرات السرية الفائقة التي تتمتع بها الأفكار، وخاصة منها الأخلاقوية والخلاصية؛ لكنها حتي لحظة الأمركة الراهنة، كان هذا العنف مقتصراً علي استثمار إيحاءات هذا الصنف من الأفكار في نطاق التبرير والتسويغ اللفظوي والتهويمي لإنتاجاته من الأهوال الجماعية، التي رسمت ملامح التاريخ الشامل لمعظم عائلات البشرية. أما عندما تمسي الفكرة نفسها موضوع الاستغلال المباشر لطاقتها البرهانية ـ مع تعليق التنفيذ إلا بما يضادها ـ فإنها تنقلب إلي أخطر سلاح في شبكية العلاقات الدولية. إذ تغدو المجتمعات هي المقصودة وليس دولها فحسب. ما يمنح العدو العدواني وقاحة التجرؤ علي عقل المجتمع وكيانه الإنساني. ليست الحروب الدينية هي العائدة إلي صميم التاريخ العالمي الراهن، بل هو الدين عائد إلي حروب العصر العولمي. لكنه منزاح عن معناه الأصلي إلي (التديّن) الآخر الذي تصير مهمته تصدير الذرائع كلها لاستباحة رصيد الإنسانية عن شرائعها المدنية. إنه الدال العصري الأوضح علي سلطة الثقافة التي تنتهي بتحريم الثقافة نفسها وقتلها كما لو لم تكن يوماً علامة الإنسان الفارقة عن توأمه الحيوان.9