المحرّم في الديمقراطية

حجم الخط
0

المحرّم في الديمقراطية

صبحي حديديالمحرّم في الديمقراطيةفي قلب الديمقراطية الالمانية، وتحديداً في معرض فرانكفورت للكتاب، توفرت رقابة ألمانية من طراز خاص بالفعل، لا ينفّذه الرقيب بالمقصّ الشهير المعتاد، بل تنفذه مفارز الشرطة بالأسلوب الوحيد اللائق بأفراد هذا السلك: المداهمة، بقصد المصادرة الفورية! هذا ما جري في جناح المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، التي يديرها ويسهر علي رصانة إصداراتها صديقنا الناشر ماهر كيالي، بسبب إخبارية ـ إذْ هكذا ينبغي للمرء أن يقول، في اتكاء مشروع علي مصطلحات الاستخبار والعسس في أنظمتنا الاستبدادية ـ عن كتابين قيل إنهما معاديان للسامية. وإذا كان الكتاب الأول فكري المحتوي علي نحو أو آخر، فإنّ الكتاب الثاني مجموعة قصصية وهو بالتالي عمل إبداعي، وممارسة الرقابة علي الإبداع الإنساني جريمة لا تغتفر في الديمقراطيات الغربية.ولا يظنن أحد أنّ هذه سابقة، إذْ قبل سنوات معدودات وضع رجالات وزارة الخارجية الفرنسية أنفسهم في موقف لا يُحسدون عليه حقاً، شبيه تماماً بحال وزارة الداخلية الألمانية، حين اتخذوا قرار منع الكتب العراقية من المشاركة في معرض الكتاب الدوري الذي يقيمه معهد العالم العربي في باريس. لقد كان دفاعهم عن القرار أكثر من ركيك، بل كان أقلّ ذكاءً من تلك الدفاعات الكلاسيكية الشهيرة التي اعتدنا سماعها علي ألسنة الناطقين الرسميين باسم الدكتاتوريات العسكرية، وليس باسم ديمقراطية غربية عريقة يحدث أيضاً أنها بلد الأنوار وحقوق الإنسان.كان منع الكتب العراقية قراراً أخرق تماماً، ولكنّ القرار الثاني الذي جاء لتعديل عواقب المنع وقضي بالإفراج عن الكتب كان بدوره قراراً أخرق، وأكثر من الأوّل ربما. السلطات الفرنسية اشترطت أن تعود الكتب إلي المطار كما دخلت، أي أنها سمحت بمشاركة الكتب في المعرض (وهو يوشك علي إغلاق أبوابه في الواقع)، شريطة أن تظلّ النُسخ للعرض فقط، وطالبت إدارة معهد العالم العربي بتقديم تعهّد بعدم بيع أو منح أيّ كتاب. في عبارة أخري، كانت الكتب ممنوعة علي مستوي الإقتناء والقراءة، ومسموحاً بها علي مستوي الديكور والفرجة!ماذا كسبت فرنسا؟ تطبيق حيثيات قرارات الحصار الذي كان مفروضاً علي العراق آنذاك، بحذافيرها. وماذا خسرت؟ الكثير بالطبع، وليس علي صعيد السمعة الفكرية والحقوقية والأخلاقية وحدها، بل علي صعيد سياسي مباشر وبسيط. لقد ظهرت بمظهر الموظف البيروقراطي، السائر كالأعمي في ركاب التعنّت الأمريكي ـ البريطاني إزاء قضية الحصار. وتصرّفت وكأنّها جزء لا يتجزأ من ذلك الفريق الغربي البربري الذي كان يتبنّي تأويلاً للعقوبات يمنع المواد التالية عن التلميذ العراقي: الحبر السائل أو المضغوط في خرطوشة، الألوان المائية والزيتية، ورق الرسم علي اختلاف أنواعه وسماكاته، ألواح الأردواز، الطباشير، أقلام الرصاص والحبر الجاف، الممحاة والمسطرة والمبراة، الورق اللاصق، الصمغ، الحاسبات اليدوية، العدسات المكبّرة والميكروسكوبات التعليمية، والحقائب المدرسية…وفي منعها للكتب، ثمّ اشتراط عرضها برسم الفرجة فقط، انخرطت فرنسا الأنوار والتنوير وحقوق الإنسان في صفّ البرابرة الذين كانوا يعتبرون أنّ العراق يمكن أن يصنع أسلحة الدمار الشامل من الموادّ التالية: الساعات اليدوية، الآلات الكاتبة (نعم، إذْ لا أحد كان يجرؤ علي الحديث عن الكومبيوتر!)، أشرطة الكاسيت والفيديو، غسّالات الصحون والثياب، سيارات الإسعاف، الباصات، الدراجات الهوائية والنارية، وسائل تقوية السمع، السلال والحقائب، البطاريات، الخَرَز، الأحزمة الجلدية، الخشب، الصوف، الزجاج، الزجاجات والقوارير، الجلد، الدبابيس، المطارق، خراطيم المياه، السجاد، أدوات المطبخ والطعام من سكين وشوكة وملعقة، غلايات الشاي والقهوة، مصابيح الضوء، المسامير، الدهانات والمعاجين، الإسفنج، البلاستيك، المطاط، الخيام، ورق الجدران، محافظ الجيب، الشمع الخام، الشموع وحاملات الشموع، الدواليب…أكثر دلالة، ولكن ليس أكثر إدهاشاً للأسف، ذلك التجاهل التامّ الذي خيّم علي كبريات الصحف الفرنسية بصدد حكاية منع الكتب العراقية هذه. وكان الموضوع جديراً بالمعالجة الصحفية، إنْ لم يكن بسبب الإنحياز إلي مبدأ حرّية التعبير ومناهضة قرارات منع الكتب، فعلي الأقلّ بسبب تلك الدربكة الإدارية والبيروقراطية التي جعلت وزارة الخارجية الفرنسية تغنّي في وادٍ غير ذاك الذي غنّت فيه إدارة الجمارك الفرنسية. لا الأقلام الليبرالية تحرّكت، ولا تلك اليمينية أو اليسارية انتفض فيها عرق حياء واحد، فكتبت ترفض أو تحتجّ أو حتي تستغرب القرار، ليس أكثر.واليوم تبدو مداهمة الشرطة الألمانية لجناح المؤسسة العربية خطوة في صالح الدار حتماً، التي نشرت الكتابين دون أن تمارس رقابة ذاتية علي موضوع مثل النفوذ الإسرائيلي في أمريكا، حساس ومتفجر وشبه محرّم لأنه صار يُترجم آلياً إلي فزاعة كبري: العداء للسامية. ولست متأكداً من أنّ نشر الكتابين ليس كذلك في صالح الرقيب الأردني (حيث مقرّ الدار)، الذي أجاز الكتابين رغم ما يُعرف عن هذا الرقيب من شراسة قياسية، في مراقبة الإبداع علي نحو خاص. ومن نافل القول إنّ الإجراء وصمة عار ينبغي أن تلطخ طويلاً سمعة ديمقراطية غربية تحفظ عن ظهر قلب مفردات تصدير مفاهيم حرّية التعبير وحقوق الإنسان إلي عوالمنا وشعوبنا، لكنها تأبي علينا ممارسة أيّ من هذه الحقوق البسيطة إذا مسّت المحرّم.المحرّم الصهيوني حصراً، وليس أيّ محرّم ديني أو سياسي أو فكري أو أخلاقي!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية