بعد مصادقة الأمم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين في العام 1947، وبعد انتهاء الانتداب البريطاني عليها في العام 1948، تم الإعلان عن قيام دولة إسرائيل جاثمة ورابضة على التراب الفلسطيني، لتبدأ سلسلة طويلة من واقع الصراع الوجودي وتنازع المصير، عناوينها الحروب المباشرة وغير المباشرة والاستنزاف، مرورا بمراحل المقاومة والكفاح المسلح لاستعادة الحقوق ونيل الكرامة المسلوبة، لتتوالى الإخفاقات الجيوسياسية على الأرض الفلسطينية، ثم لتبدأ مرحلة التنازلات الفلسطينية حتى الوصول إلى اتفاق إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي في أوسلو، لتتلو ذلك مراحل متأرجحة من التفاوض العقيم والانسداد السياسي، بينما سرطان الاستيطان وبكتيريا التهويد وفيروس الجدار العنصري الفاصل تشد أوتادها في فلسطين. لقد كان المواطن الفلسطيني كحال شقيقة العربي لا يتوقع من إسرائيل خيرا أو تنازلا، فقوافل مبعوثي السلام وخرائط الطرق قد غدت فصلا خريفيا يتكرر ويتقلص في كل دورة سياسية يصنعها الآخرون، فإسرائيل ليست في عجلة من أمرها لتحقيق السلام الشامل المزعوم، وعوامل الزمان والمكان والأرض والماء والهواء وغيرها قد أصبحت نزيفا من دماء وحقوق الفلسطينيين أينما حلوا وارتحلوا، فالقضايا المتبقية والعالقة، بما فيها القدس واللاجئون والمستوطنات والحدود والترتيبات الأمنية، لم يحلم أحد بأن القيادات الإسرائيلية المتعاقبة ستتعامل في دراستها بأرقى وأنبل الوسائل، فكان من المتوقع أن تطرح إسرائيل كيانا فلسطينيا متخيلا منقوص السيادة على حدوده ومعابره، وأن تدخل دول أخرى على منظومة تأمين إطار الدولة المنتظرة، وقد كان متوقعا تثبيت وشرعنة المستوطنات الكبرى كونها قد أصبحت أمرا واقعا وراسخا، وقد كان متوقعا أيضا حرق ملف اللاجئين فوق نيران التقليص والتشديد والتعويض والمساومة… أما ما لم يكن متوقعا هو أن تلبس الحلول أقنعة سحرية وتعيش وتطرح واقعا افتراضيا ووهميا، وتصبح الكارثة أكبر لو وجدت هذه الأشباح التفاوضية صدى وتقبلا لدى المفاوض الفلسطيني، فقد رشح من إحدى أكبر الصحف الأمريكية أن اتفاقية الإطار المقدمة من الرئيس الأمريكي أوباما إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تنص على اختيار بلدة (بيت حنينا)، تلك البلدة الفلسطينية الواقعة إلى الشمال الشرقي من مدينة القدس، والتي تعد اكبر بلدة في القدس من ناحية المساحة، أن يتم اختيارها لتكون عاصمة الدولة الفلسطينية المعجزة، وبعدئذ يمكن للفلسطينيين أن يسموها ما يشاؤون! وأن يطلقوا عليها من الأوصاف والكنى بما تجود به جعبتهم السياسية والوطنية، كل ذلك بالإضافة لجملة من مقايضة الأرض بالأرض وتبديل التراب الفلسطيني بالتراب الفلسطيني، مستخدمين (علم الفيزياء السياسية) عند النظر إلى استخدام مقاييس المساحة والمحيط والكتلة والحجم عند التعامل مع الشأن الفلسطيني. قد تنجح إسرائيل في تهويد الأرض كما تشاء، وقد تدفع بالسلطة الفلسطينية إلى زاوية العجز والجمود وانعدام الرؤية السياسية، وقد تبدل أسماء المدن والقرى والشوارع العربية الفلسطينية، لكنها أبدا لن تقتل أو تصادر حقا فلسطينيا يتوارثه ويعشقه الفلسطينيون، ولن تقدر يوما أن تقايض الدم والكرامة بالخبز، أو أن تبدل القدس بغيرها! . زيد عيسى العتوم جامعة اليرموك ـ الاردن- اربد