متلازمة الانسحاب الإبداعي

هناك في علم الطب ما يسمى ‘syndromeوهي الحالة المرضيّة التي لا يستطاع تفسيرها استناداً لعلامةٍ واحدة، أو عرَضٍ وحيد، إنما يجتمع في تكوين تلك الحالة أكثر من اختلال، المؤسف أنّ هذه الحالة نشطت في جسم الشعر والأدب، وعطّلت الكثير مما كان يعرف بالتجديد، والكتابة في حدود المستقبل.
لماذا كانت تلك المقدمة الطبية في معرض الكلام عن حال الشعر والأدب؟ سيكون هذا التساؤل مبرراً ومجاباً، حين نعيد النظر والتتبع ـ أقصد التتبّع الذاتيّ ـ لكثير من الأسماء التي سبقت المفترض الزمنيّ لنبوغها التصويريّ واللغوي، قياساً بعامل العمر، النشأة، والبيئة، والثبات المؤقّت حتى تحقيق القفزة القادمة، لنفاجأ بتوقف جميع علامات الحياة الكتابية، انفصال لم يكن ناتجاً عن حادث سير مؤسفٍ، أودى بحياة صاحبه، وبدّد طاقته المبدعة.
لم لا يكون المرض الذي لا يعجز عن الحدوث، قد طال تلك الأصوات المحفَّزة ذاتياً، قاذفاً بها إلى المناطق التي لا يطالها النظر، ولا يفيد فيها البحث عن جواب، حيث تتلازم مجموعة من الاختلالات، بدءاً من انصراف المجتمع عن سؤالِ كيف ينبغي لنا أن نحفظ الخطوات الكتابية الأولى، والأخرى العجائبية من الجمود والكسل والانسحاب.
إنّ المجتمع القرائيّ الذي لا تشكّل له القراءة أكثر من تسلية، يمكن لأي خطاب أن يحققها، ثم يبقى النوع الآخر من فصائل الذعر، أولئك الذين لا يكفّون عن مداهمة عقل ونفس المبدع، بالمزيد من عناصر الكآبة، والسؤال عن الجدوى العاجلة، ثمّ نسأل عن اختفاء تلك الأصوات الشعرية التي كانت تصلنا بعوالم الحسّ والجمال!
هناك من يريد للكاتب أن يقفز من شواهق، أن يثير الضحك دائما، أن يمتنع عن نقد القواطع التي لا تتوقّف عن الإضرار بعناصر الحياة، هذا المفهوم الزنزانيُّ يقاومه بعض الكتّاب المتوحّدون بمقولاتهم، المنجذبون لكل ما يتحرك في مجال أنظارهم، مثيراً لأعمال الوصف والقراءة، كأنّ الموجودات والكائنات تستدرج الشعر / الأدب، لإنجاز خلقها من جديد، ضمن عوالم موازية أكثر قدرة وكفاءة على تحقيق المتعة والقيمة، من واقع مقطوع الاتصال بالمشاعر.
أنظروا حولكم، محاولين البحث عن شاعر/ كاتبٍ تملّك انتباهكم لفترة زمنية محدودة، كأنه مرّ بكم في طريق مغادرته، لا تبحثوا جيداً، كما هي عادتكم، لقد اختار الانسحاب مطارَداً بأخيلةِ وأصواتِ اللاجدوى، منكَّداً من لغة الآلات، والحركات المحسوبة بدقة، بما لا يقبل الشكّ ولا الانفعال، ولا التجريب.
لم تكن الإشراقة مستعجلة، كما يعلن البعض حين يروون سِيَر الصامتين من الكتّاب، ليس على الأحاسيس أن تعمل ضمن قواعد ثابتة، كما أنّ الفنّ حينما يلمح الاحتمال الوحيد، لن يتراجع عن فكرة المشي حتى ولو على خيط رفيع، وهنا لن تكون الأنانية من نصيب الكاتب، إذ إنه ينقل الصورة التي التقطها لحياة أفضل، ولأعمال شغب تطال ما تمّت زراعته بعناء يوصف بالمعجزة.
إننا أمام متلازمة الانسحاب الإبداعيّ الى مناطق مجهولة، لا تصدر صوتاً، ولا تنقل كلاماً بالمشافهة حتى. ربما قلتم إنّ كل يد لم تصفّق لعبارة جميلة شاركت في كتم أنفاسها، وربما قلتم إنّ كل آلة كتابية خالية من الحسّ، اتخذت من مسامع الناس موقعاً للزيف وللتمتع بالبخس، أسهمت في إماتة الإثارة، كما أنه من غير الممكن أن نرمم للناس العناوين المريضة للأدب.
الكاتب: إنهم يلتفتون إلى الفراغ، بينما أتكبّد من أجل التقاطة جديدة، ما يمكن أن أبذل له وقتاً مقتطعا،ً من سيرة حياةٍ شخصية قصيرة، مهددةٍ بالعجز والأمراض.
القارىء: لن أجرّب قراءة الجديد، النصائح كانت واضحة ومحددة، إقرأ لهذا ولا تقرأ لذلك الكاتب، إنك لا تريد أن تهدر الوقت في التعرف على كائنات غريبة، وحوادث غير واقعية ومحتملة.
الكتابة: إنهم مخلوقات مكتوبة، أعني أولئك الكتّاب الذين يحادثونني، منهم من يخرج عن النهاية المرسومة له، متعايشاً مع الأصوات المثيرة للذعر، ومنهم من يتوقف عند العقدة التي لم تكن مقصودة، وهكذا وهكذا.
إنّ من يقتنع منا بأن العالم ساقط لا محالةـ قراء وكتّاباـ هو بالتأكيد ذاهب في طريق الانسحاب، ليس فقط من حدود الكتابة عن الجمال الذي نفتقد له، وعن الشرّ الذي يجدر القبض على يده الجانية، من يقتنع ويؤمن بعدم القدرة على تحرير ابتسامةٍ، من على وجه حجريّ الملامح، لن يكون منسحباً من الكتابة فحسب، بل من الحياة التي تتنفس رغم هذا القدر الكبير من السموم التي نعيش.
‘ شاعر اردني
[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية