وفقا للمتغيرات الراهنة التي يشهدها الوطن العربي، بل ومنطقة الشرق الاوسط عموما في اطار الربيع العربي واختلاط الاوراق السياسية والدينية والاستخباراتية المحلية بالخارجية، تعرضت دول الخليج، خاصة السعودية، لاثار ارتداد قوية وهي ارتدادات بدأ ظهورها بعد احداث سبتمبر/ايلول 2001 وما تلاها من متغيرات وسياسات وما رافق المشروع النووي الايراني والصراع مع امريكا، وهنا ظهرت اهتزازات داخل المجتـــمع السعودي وفــــق تفاعل الشعب والشباب مع المتغيرات الخارجية، بمحددات وانتماءات مذهبـــية وثقافــــية ووفق الاصولية بمسارها الوهابي الذي نشرته المملكة ذاتها. واليوم تدرك السعودية انها في مأزق كبير، فالجماعات والاحزاب التي دعمتها لسنوات طويلة اصبحت اليوم ترتجع بالرماح من سهامها نحو المملكة، ولذا اتخذت قرارات باعتبارها جماعات محظورة وارهابية وبدأت تتعقب من ينتمي اليها. وهذه الامور كلها خطوات استباقية تستهدف تهيئة النظام – الاسرة المالكة والاسر الدينية المتحالفة معها – لمتغيرات تمس مرتكزات كانت في السابق من الاسس للدولة وللدعوة وتحظى بمباركة الاسرة الحاكمة وتمويلها. وهنا تستبق المملكة الهزات العنيفة القادمة نحوها من الخارج ومن الداخل على السواء. وهي تجدد في هذا المسار بعضا من ادواتها واجراءاتها وصورتها الاعلامية، الا ان المضمون والجوهر لأصل النظام لايزال بدون تغيير. لكنها- اي المملكة- ستسوق هذه الاجراءات اعلاميا، وهي تمتلك اعلاما قويا، بانها متغيرات تستهدف حماية البلاد والشرعية وحماية الاسلام من المتطرفين والغلو. وكما تعمل امريكا والرأسمالية العالمية من حيث تجديد نفسها عبر آليات اجرائية اقتصاديا وسياسيا، واعادة صياغة في العلاقات الخارجية وجعل الداخل الامريكي والغربي ركنا اوليا في السياسات الخارجية وفي الاجراءات الاقتصادية العالمية. اخذت السعودية المظهر الخارجي من التجديد دون مضمونه ومحتواه. ومن هنا اتمنى ان يتجه التجديد السعودي الى المستقبل والى بلورة نظام دولة مؤسسية ذات دستور وقوانين تعتمد المواطنة مفهوما ومبدأ اساسيا، وتتراجع الاجراءات غير القانونية وغير المدنية بحق الشعب وبحق العمالة الاجنبية، وهنا لابد ان تتبنى صيغة مدنية في الخطاب السياسي حتى تخرج من الصفات السابقة المتوافقة مع ذات الجماعات والاحزاب التي حظرتها واعلنت انها ارهابية وتشوه صحيح الاسلام. لابد ان تتجه السعودية في اجراءاتها السياسية وفلسفتها ايضا نحو مملكة دستورية، ووفقا لهذا الامر سيتم حل كثير من المشكلات الاقليمية والعربية، ونحن في اليمن سينزاح عن كاهل المجتمع الكثير من السلبيات التي ارتبطت بالسعودية وادارتها السابقة لهذا التغيير.. ندعو مخلصين لدولة ملكية دستورية ذات نظام مدني.. ولست ممن ينادي بتغيير الملكية بل استمرارها وفق المنظور المدني الديمقراطي. وللعلم فان بيان السعودية نحو حظر بعض الجماعات مهم جدا ويشكل منعطفا مفصليا في ايديولوجية النظام الحاكم، خاصة ان قيادة الامن السعودي الجديدة يبدو انها ستعتمد منطق الامن ودلالاته السياسية والاستراتيجية، بدون الارتباط بالارشادات الوهابية التي كانت تجعل من الاخوان والسلفيين وكل الجماعات المماثلة تنظيمات صديقة وذات اولوية في التعاون معها وفي الدعم والمساندة. ولكن السؤال لايزال قائما.. كيف لجماعة واحزاب كالاخوان وقد تم الاعتراف بهم ودعمهم والتحالف معهم ولهم قاعدة اجتماعية واسعة في عموم المنطقة العربية، ومنها الخليج والمملكة، ان يقال انها جميعا محظورة وارهابية.. كيف سيتم قبول هذا الامر.. داخل المملكة وخارجها.. فالاخوان جماعة لهم حضور في مختلف الدول العربية والاسلامية وفي العالم الغربي وامريكا ذاتها. انا هنا احلل القرار فقط ولا اتدخل في حيثياته فهذا خاص بالمملكة وحقها السياسي. وللعلم هذه النقطة تستطع السعودية ان تستند اليها لتحدث تغيرا نوعيا في نظام المملكة ومرتكزها الاجتماعي والديني، من حيث تغيير نوعية الخطاب والمفاهيم السابقة التي يجب القول انها كانت من ضرورات التأسيس، واليوم بعد مرور عدة عقود وجب التجديد والتغيير للانطلاق لمرحلة متطورة في النظام وفي اسلوب الادارة، وفقا لحاجة المملكة وتطور مجتمعها وظهور طبقات وفئات متعددة حديثة التعليم والمهن، واتساع الطبقة الوسطى، ووفقا للتتغيرات العالمية والاقليمية في اطار دمقرطة النظم السياسية. وهنا لا يكفي ان يكون التغيير السعودي جزئيا ومحدودا في الجانب الامني، بل لا بد ان يمتد الى مجالات سياسية وتربوية واعلامية وثقافيـــة، خاصة في مجال الدعوة والخطاب الديني. هنا تخرج السعودية من أســـر تاريخي وضعت نفسها فيه منذ مرحلة الحرب الباردة ومقتضيات تحالفــاتها السابقة. فهذه المرحلة تم الخروج منها عالميــــا واقليمـــيا.. فلماذا تستمر السعودية بنفس ادوات الحـــرب البـــاردة، سياسيا وامنيا واداريا وثقافيا ودعويا. هنا تبــرز دلالات البيــان والقرار السابق من يومين بضم جماعات متعددة الى دائرة الحظر ووسمها بالارهاب، وهو مسلك اعتـــمدته سابقا الادارة الامريكية. ولا يكفي وصم تلك الجماعات والاحزاب بالارهابية والمحــــظورة بل باعتماد اجندة مضادة ثقافيا ودعويا وسياسيا، وخطاب ديني منفتح ومتجدد. وباعادة تحالفات مع قوى واحزاب وجماعات تتناسب والتحول السياسي والامني والدعوي الجديد. والسؤال هنا هل تعتمد المملكة اجندة دولية في التطبيق المحلي، أم ان لها اجندتها الخاصة ووفقا لظروفها وتعبيرا عن قدر من الاستقلالية عن المركز العالمي -الاطلسي تحديدا؟ اذا كان التحول وفقا لمنهج في اسلوب الادارة السياسية وادواتها الامنية، فلابد من الانفتاح داخليا على الشعب السعودي بمنح المجتمع حق تكوين مؤسسات المجتمع المدني بكل تعددها وتنوعها، وحق تكوين الاحزاب (مع العــــلم ان داخل المملكة جماعات متعددة في انتمائها الحزبي وان بشكل سري) والغاء هيئة المطاوعة التي تتبع سلوك الناس في الشوارع، والغاء اي هيـــئة تتقصى ضمائر وسلوك المواطنين، وهنا وجب التعامل مع الشعب كمواطنين احرار لهم عقول تفكر بدون وصاية وبدون تقييد لفضاءات التفكير والممارسات الا في اطار قانون مدني. وهنا لابد ان توقع المملكة وتصدق على الاعلانات والمعاهدات الخاصة بحقوق الانسان، والعهدين الدوليين واتفاقية منع التميز ضد المرأة وغيرها. اما اذا كان البيان وما سبقه من قرار بمنع مشاركة السعوديين بالحروب خارج المملكة، وفقـــا لاعادة ترتيــــب امريكي للشرق الاوسط ومقــــدمة لتسوية في سوريا واعتباره خطوة استباقية امنـــيا، لان هناك اكثر من عشرين الف جهادي وتكفيري في سوريا، ثلثهم سعوديون، فهذا حل امني محدود النتائج ولا يتضمن رؤية استراتيجــــية بالتحــــول السياسي والاداري والانفتاح داخل المملكة وخارجها، وربما لا تنجح المملكة في التعــــامل مع العائدين من سوريا، مثلما فشلت وكل الدول العربية في التعامل مع العائدين من افغانستان. صفوة القول.. اتمنى ان تجدد السعودية نظامها وفق ادوات الحكم الرشيد وفلسفته السياسية، وان تعتمد خطابا سياسيا ودينيا ذا مظهر مدني، وهنا لابد ان تعيد رسم تحالفاتها مع الدول ومع الاحزاب في عموم المنطقة العربية والاسلامية. وفي داخل المملكة لابد ان يتم ابراز عائلات وافراد ونخب وجماعات جديدة تكون مشاركة في بناء المرحلة الجديدة.. بدون هذا الامر هناك اختناقات وانسدادات كثيرة داخل مجتمع المملكة، اجتماعيا وثقافيا ومذهبيا، ناهيك عن تطلعات الشباب السعودي نحو المشاركة السياسية والمدنية في مختلف المجالات، اضافة الى مشكلات العمالة الوافدة وبعض هذه الازمات تشكل قنابل موقوتة ستبرز بطريقة انفجارية وتحدث اضطرابات كثيرة في الدولة والمجتمع، وعليه لابد من الان اعتماد رؤية تجديدية للنظام وادواته واعتماد مرونة وانفتاح اكثر داخل المجتمع يسمح بانتخابات للبلدية وللمحافظين وعضوية مجلس الشورى وتمكين المرأة، ثم تعقبه تغييرات تدريجية لا يترتب عليها اهتزاز للنظام، ثم لابد ان يترافق مع هذه التغييرات ويصاحبها تجديد في الخطاب الديني والاعلامي والسياسي، يعكس الهوية السياسية الجديدة للنظام الملكي بأفقه المدني والديمقراطي، واذا كان العالم كله دخل الى الموجة الثالثة من التحول الديمقراطي عام 90 مع انهيار الثنائية القطبية وبروز اكثر من مئة وثلاثين دولة في اطار المسار الديمقراطي، فلماذا تتأخر السعودية وفيها امكانيات اقتصادية تسمح لها بالتحول السياسي وتجديد النظام دونما اهتزازات او اضطرابات مجتمعية؟ استاذ علم الاجتماع السياسي ـ اليمن