عندما نعود… إذا عدنا!

حجم الخط
1

أجواءٌ عصيبة هي تلك التي تسود فلسطين هذه الأيام، ليس خوفاً من دبابات المحتل ومجنزراته المعتدية دائماً، ولا تصريحات حكومة الاحتلال المتغطرسة التي لا تريد أن ترى الشعب الفلسطيني إلا راكعاً، بل نتيجة توجه القيادة الفلسطينية إلى واشنطن للقاء الرئيس أوباما مع قرب انتهاء فترة التسعة أشهر المحددة لإنهاء التفاوض مع المحتلين.
تلك الأجواء شبيهة بتلك التي كانت قبيل توجه الرئيس أبو عمار إلى كامب ديفيد، وما رشح عن تلك اللقاءات من تطورات ميدانية أدت إلى ولادة الانتفاضة الثانية. لكن الغريب في الأمر أن الشعب الفلسطيني لا يبدو قلقاً من مواقف حكومة الصهاينة المستوطنين، ولا من تصرفاتها الاحتلالية المعتادة، ولا حتى من محاولتها لجر الفلسطينيين إلى مواجهة عسكرية توفر لها الذريعة للتهرب من الاستحقاقات الدولية، بل هو قلقٌ بفعل الخوف من أن ترضخ القيادة الفلسطينية للمطالب الإسرائيلية من قبولٍ بيهودية الدولة إلى التنازل عن حق العودة إلى انتقاص السيادة الفلسطينية، وصولاً إلى كل ما سمعناه من شروطٍ لإذلال الفلسطينيين واستسلامهم.
سقف المعادلة الحرجة التي تعيشها القيادة الفلسطينية خطه الرئيس الفلسطيني عندما قال لحركة فتح التي يرأسها وأمام مجلسها الثوري قبل أيام، بأنه قد بلغ من العمر تسعاً وسبعين عاماً لن يختمها ولن يختم حياته السياسية بالخيانة.
وقد عزز هذا الموقف إصراره أيضاً على استفتاء كل الفلسطينيين على أي معادلة أو صيغة مطروحة لإنهاء الصراع، كون هذه الصيغة لا تمس فصيلاً بعينه ولا منظمة بعينها، بل تمس كل الفلسطينيين وفي كل أرجاء الأرض.
ولهذا ولدت مع أجواء التوجس والترقب الحالية، التي كما قلت صاحبت ما سبق من تخوفات فلسطينية عشية محادثات كامب ديفيد، حالة موازية بأن أبومازن قد يلقى نفس المصير الذي واجهه الرئيس أبو عمار.
الرجل بات يتلمس ذلك، كما بدا في الخطاب المذكور نفسه أمام المجلس الثوري لفتح، عندما قال أكثر من مرة في تعليقه على قضايا يود متابعتها لاحقاً: عندما نعود من واشنطن.. إذا عدنا.. مشككاً وإن مازحاً باحتمالية عودته حياً. إذاً أبو مازن وأمام ما ينتظره من ضغوط بات مستعداً لكل الاحتمالات التي ستقابله في أوج الصمود أمام الضغوط.
لا قبول بيهودية الدولة لا من باب المبدأ ولا حتى من باب البحث عن حلولٍ وسط. ولا للتنازل عن حق العودة عملاً بالقرار الأممي 194 ولا لإطالة أمد المفاوضات ولا لاستمرار بناء المستوطنات ولا لبقاء جنديٍ إسرائيليٍ واحد في أرض الدولة الفلسطينية ولا للتنازل عن القدس عاصمة لفلسطين ولا للفصل بين غزة والضفة.
إذاً خطوط عريضة وضعها الشارع الفلسطيني الذي تقتل إسرائيل أبناءه اليوم وخطوط حمراء وضعتها القيادة الفلسطينية التي عاهدت الشعب ألا تخون وأن تستفتيه في ما تصل إليه.
شعورٌ عظيمٌ بأن تكون صامداً صلباً لكنه كان سيكون أكثر تميزاً لو كان الانقسام الفلسطيني قد قبر إلى غير عودة. الفرصة متاحة اليوم للمصالحة وستضفي أملاً أكبر إن هي تمت قبل لقاء أوباما ولو بخطوتين إجرائيتين ترتبطان بالإعلان عن موعدٍ للانتخابات العامة والإعلان عن الشروع بتشكيل حكومة التوافق الوطني.
وحدتنا ليست ترفاً وصمودنا ليس خياراً وإنما واجب وطني عمده شهداء وجرحى وأسرى بدمائهم وعرقهم. فإما أن نثبت جميعاً أو نموت جميعا.. وإذا ما كان للموت بدٌ فحتماً عارٌ أن نموت جبناء!

‘ كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية