‘ما هي الحقيقة؟’.. عديدةٌ هي الأسئلة التي بقيت بدون إجاباتٍ في التاريخ، ولكن لعل ذلك السؤال الذي طرحه بيلاطس، ربما بدون اكتراثٍ، على المسيح حين مثل أمامه، هو أعقدها فوق كونه أحد أشهرها، على الرغم مما يبدو من بساطته واقتضابه للوهلة الأولى.. سؤالٌ يختزل مسيرة البشرية وبحثها الدائم عن إجابات لأسئلة جوهرية.. كثيرون يتبعون نموذج بيلاطس ويديرون ظهورهم للسؤال ناهيك عن محاولة إجابته، ومثله يغسلون أيديهم من دماء الكثير من الضحايا، خاصةً حين يتصورون أنهم لا يتحملون تبعة قتلهم بصورةٍ مباشرة، لكن في أحيانٍ أخرى، ربما تكون نادرة، يصبح ذلك السؤال ملحاً بصورةٍ يصعب معها تجاهله.. وليس كأزمنة الثورات والحراكات الشعبــية الضخمة مثالٌ على تلك الأحيان.
أزمنةٌ مضطربة.. يضطر الناس فيها اضطراراً للبحث عن إجابةٍ لهذا السؤال، ليس لأنهم يريدون ذلك، ولكن لأنه عالمهم بمفرداته وأفكاره وانطباعاته وقناعاته وأنماطه. ذلك التوازن وتلك المعادلة الخاصة جداً اللذان توصلت إليهما كل أسرة وكل فردٍ للتحايل على واقعٍ بليدٍ، كل ذلك تزلزل تماماً ولم يتبق منه الكثير.. كل ما بدا صلداً وصلباً ذاب في الهواء، على رأي الخواجة كارل ماركس، وكشفت الحراكات الثورية المذهل من الحقائق عن الثروات الأسطورية وكم الفساد والقبح والعوار..
في البداية استبشر الأغلب الأعم من الناس، ممن لم يستفيدوا من مبارك وعهده ولم تترابط مصالحهم بوجوده، حتى ظن الكثيرون من بساطتهم أن نصيباً عينياً سيصلهم حين تسترد تلك الأموال الطائلة المنهوبة، بل ظنوا أن نظام مبارك بانحيازاته وسياساته قد سقط وتهشم.. استسلموا للحلم، خاصةً أن العديد من وسائل الإعلام في ذلك الطور غيّرت جلدها بسرعة، لكي تبدو ساخنةً وثوريةً، محاولةً تغيير صورتها أمام الناس، علهم ينسون انحيازها المسف والإجرامي لمبارك قبل أن يسقط أخذت تطبل وتزمر للثورة والثوريين والشهداء والشبان الأبطال الذين فجروا هذه الثورة.. نفس الذين تتم شيطنتهم الآن وتنهال عليهم تهم الخيانة.. صدق الناس في البداية أن المستقبل يولد أمام أعينهم، جديداً ناصعاً متجرداً من أدران الماضي، ثم شيئاً فشيئاً تبدد ذلك التفاؤل وتبخرت تلك الأحلام.. وتم إطلاق كل ‘عناصر الطبيعة والخوف’على المصريين من وقف الأرزاق والفوضى الأمنية والبلطجة.. تحمسوا ومضوا في ‘مسيرة التحول الديمقراطي’ فإذا بهم يكتشفون أن الأمور ليست كما تصورا للوهلة الأولى، وأن كل الأطراف تلعب مع كل الأطراف من تحت الطاولة، في تبادل مصالح وتربيطات.. المجلس العسكري مع الإخوان.. ثم وعود الإخوان.. أمريكا الحاضر الغائب أبداً.. أزمات لا تنتهي من غلاء الأسعار إلى الكهرباء والوقود، وعلى رأسها الأزمة الوجودية الكبرى، أزمة سد النهضة. حل شعورٌ بالمرارة وإذا بقصةٍ جديدةٍ تتشكل.. سردية إذا أردنا التحذلق.. لعلها بدأت بحكاية الطرف الثالث وحديثٍ غامض بدأ همساً أو لغطاً متوارياً في الخلفية عن فتح السجون واختراق حماس المزعوم للحدود.. تمويل خارجي لأولئك الشباب الذين صفق لهم الإعلام والجمهور بالأمس، وإذا بنفس الإعلاميين يلوكون حديث المؤامرة.. ولا أبالغ مطلقاً إذا قلت ان الجمهور يراقب باهتمامٍ غير معهود ما تتناقله وسائل الإعلام (بغض النظر عن مدى دقته) عـــما يحدث في سوريا من داعش والغبراء بتخوفٍ شديد، حتى باتت تخشى نفس المصير ونفس التطاحن، بل تستدعي العنف ضد أي تهديد للدولة.
المحصلة لثلاث سنوات دولة عميقة خرجت متماسكةً بنفس انحيازاتها من زلزالٍ عصف بها.. لعله هزها بشدة، إلا أنها نجحت في النهاية ليس فقط في البقاء والتماسك، وإنما في تحقيق قدرٍ من الإجماع والتوافق على وجودها وضرورته، وبقايا أحلامٍ تتشبث بالبقاء معولةً على المزيد من الوعود.. وأقل ما يمكن أن يقال ان ما تم تحقيقه لا يقاس بحجم ذلك الحراك التاريخي.
يكفي أن تتأمل عناوين الأخبار.. رجال عهد مبارك، رجال كل العصور، يخرجون من السجون بمسوغاتٍ قانونيةٍ شتى، بينما يحاكم الشبان الذين تم تخوينهم على التظاهر، وإذا بكل من كان يعض أنامل الغيظ حقداً عليهم لتمكنهم من تحريك الجماهير لا يتوقف الآن عن انتقاد سطحيتهم وقلة خبرتهم في شتى المحافل ووسائل الإعلام، في حين أنه ربما لم يتطوع مرةً واحدة لتوجيههم وإسداء النصح لهم حين كانوا في أمس الحاجة لذلك وعلى استعدادٍ لقبوله.
يطلبون منا شد الحزام ثم يعدوننا بعد ذلك بمليون شقة لمحدودي الدخل.. هل نشد الحزام أم هم سيفكوه؟! احترنا والله!
حراك الجماهير صار مؤامرة.. الفلسطينيون العدو.. عهد مبارك جنة مفقودة.. أي بؤس!
والآن هناك بطلٌ شعبيٌ- مخلص ودستورٌ جديد يكفل حقوقاً وضماناتٍ اجتماعية، كأن المشكلة في النصوص!.. وقد يكونان كذلك، إلا أنني في فوضى التصريحات المتضاربة والقيل والقال والصيغ المتنافرة لكل حدثٍ وكل قصة بات من حقي أن أتساءل.. أن أتحفظ.. أن أتشكك.. وكذلك سائر الجمهور الذي كفر بالثورة وبات الكثيرون منه يتساءلون هم أيضاً:’ما الحقيقة؟’ فالوعود كثيرة، بوطنٍ مستقلٍ نامٍ عادلٍ حر، أي بكل ما لم يتحقق طيلة الأربعين عاماً الماضية وما لم ينجزه الحراك الثوري.. أسمع جعجعةً ولا أرى طحناً، كحالنا دائماً منذ وعينا في أوطاننا المعطاءة.
أدرك تماماً أن زخم الثورة الذي كان لم يعد.. تبدد، وقراءة التاريخ والتعقل يجعلانني أقتصد وأتريث في الرهان على موجةٍ ثوريةٍ قريبة، ولا أستطيع أن أطالب أو أنتظر من الجمهور المزيد، نظراً للإعياء والإحباط الذي تمكن منهم.. الثورة الآن في حالة انكفاء وترقبٍ وقد افلتت منها المبادرة، وليس أمام الكثيرين منا سوى التشبث بأمل الرئيس المنتظر الذي سيعدل الميزان المختل.
عن نفسي، لن أصفق أو أهلل أو أتحمس، فالحماسة أول الطريق للحماقة والحسابات الخاطئة.. سأوفر مجهودي وكفي وصوتي إلى أن أرى الطِحن!
كاتب مصري