ماذا يحدث في منطقة الخليج العربي؟ المتابع الجيد للتطور السريع لمواقف بعض دول الخليج لا يفهم خلفياتها وأسبابها العميقة..
فخلال أسبوع واحد أقدمت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين على سحب سفرائها من قطر، واتخذت السلطات السعودية قرارا غريبا باعتبار جماعة الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا إلى جانب تنظيمات معروفة بتوجهاتها الراديكالية والجهادية، كما أقدمت السلطات الإماراتية على تنظيم تجمع كبير لعدد من العلماء المسلمين لمباركة خطواتها المؤيدة لإفشال أي تحول ديمقراطي في المنطقة يحاول الجمع بين الإسلام والديمقراطية..
الغريب أن السلطات السعودية لم تتخذ نفس القرار بخصوص حزب الله رغم أن الخلاف الظاهر بين المملكة السعودية وإيران يدفع في هذا الاتجاه، ورغم أن قوات حزب الله تقاتل إلى جانب النظام السوري المعارض للتوجهات السياسية للسعودية.
تصنيف الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية جاء في سياق الدعم المباشر الذي تقدمه السعودية للجيش المصري الذي استولى على السلطة بعد الانقلاب العسكري لـ3 يوليو من السنة الماضية، لكن ما الغرض من هذا الدعم؟ وما هو الربح الاستراتيجي الذي ستجنيه المملكة من وراء هذا التصعيد مع جماعة دعوية عمرها أكثر من 80 سنة؟ ليس هناك من تفسير سوى الرغبة العارمة في إجهاض الثورات العربية وتنظيم ثورات مضادة لإحباط أي تغيير سياسي في المنطقة العربية وخاصة إذا حاول إجراء مصالحة تاريخية بين الإسلام والديمقراطية..
بعض دول الخليج تعتبر نجاح الثورات العربية بمثابة تهديد استراتيجي لأنظمتها المعادية لقيم الحرية والديمقراطية، تفوق التهديد الاستراتيجي لبعض الدول المجاورة.
القضاء المصري بدوره أصدر حكما غريبا باعتبار حركة المقاومة الإسلامية حماس تنظيما إرهابيا، وهو حكم ظالم في حق حركة مقاومة لا تعرف طريقا للسلاح إلا العدو الصهيوني وظلت دائما بعيدة عن سياسة المحاور العربية التي أفرغت النظام الإقليمي العربي من محتواه.
هذا القرار هو في الواقع تتويج لمسلسل من القرارات العقابية في حق الشعب الفلسطيني فقد دمرت السلطات المصرية حتى اليوم 1370 نفقاً كانت تربط قطاع غزة بمصر، وهو ما كان يمثل شريان الحياة الأساسي بالنسبة لسكان القطاع في ظل الحصار الإسرائيلي لغزة..
اليوم يعاني سكان غزة من نقص حاد في الغذاء والدواء والوقود، كما أن محطة الكهرباء الوحيدة مهددة بالتوقف عن العمل..
الرابح الأكبر من وراء هذه القرارات هو العدو الصهيوني..
في نقاش مع أحد الأصدقاء المصريين الموالين لتدخل الجيش في الحياة السياسية، والمؤيد لخارطة الطريق، سألته عن رأيه في القرار القاضي باعتبار حماس منظمة إرهابية، فأجابني بأنه مقتنع بنزاهة القضاء المصري واستقلاليته، ولكنه مصدوم بهذا القرار..مضيفا بأنه ليس مقتنعا باعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية وأن قرار السلطات الجديدة تقليم أظافر الجماعة وإرجاعها إلى حجم متحكم فيه حتى يسهل الحوار معها في المستقبل، سألته: ولماذا تم تحريك القضية بالضبط في هذا الوقت؟ أليس في ذلك خدمة مجانية لأعداء القضية الفلسطينية وإضعاف للموقف الفلسطيني؟ أجابني بنبرة حزينة: الخاسر الأكبر في هذا الموضوع هو المواطن الفلسطيني، وكنا نتمنى من الإخوان المسلمين أن لا يساهموا في تأزيم الوضع إلى هذه الدرجة.
نعم، من المؤكد أن كل من يمارس السلطة سيقع في أخطاء وسيرتكب العديد من الأخطاء، لكن ألم يكن هناك أسلوب آخر لمعالجة أخطاء الجماعة سوى اللجوء إلى لغة القمع والقتل ونحن في القرن 21؟ أعتقد أن المعطيات الدولية والإقليمية أكبر من النوايا الحسنة للبعض، ومن المؤكد أن ثروات الشعوب في العالم العربي أصابت بعض دول الخليج بالرعب، وقررت تحطيم رأس الأفعى في مهده.
لقد اعتبرت العربية السعودية شرارة الثورة التي انطلقت من تونس موجهة ضدها، واحتضنت الرئيس الهارب بن علي وعرضت استضافة الرئيس حسني مبارك وقررت تنظيم ثورة مضادة بمعية الإمارات العربية المتحدة.
علينا أن نتذكر بأن الأوضاع السياسية والاجتماعية في بعض دول الخليج تؤشر على تحولات جوهرية، كما علينا أن نتذكر بأن السعودية وقفت ضد تنظيم مجموعة من الفعاليات الشعبية المساندة للثورة السورية داخل المملكة ورفضت تأييد الثورة بضعة شهور قبل أن تقرر دعم بعض الجماعات بعينها ضد النظام السوري…
النظام السعودي والإماراتي لا يخفيان دعمهما لتدخل الجيش في السياسة لإجهاض التحولات التي جرت في مصر، ولا يخفيان كراهيتهما للتنظيمات الإسلامية ذات التوجه الإخواني، بالمقابل هناك دعم لبعض الاتجاهات السلفية التي تشارك في العملية السياسية لكنها تنظيمات تابعة ولا تملك استقلالية قراراتها الحزبية..
هناك خوف كبير من أن تنتقل هذه العدوى إلى دول عربية أخرى التي تحاول أن تجرب وصفة الديمقراطية بتدرج وهدوء ومنها المغرب والأردن…
السؤال الذي يفرضه نفسه هل يتعلق الأمر بسياسة استراتيجية نهائية، أم إن الموضوع خاضع لتقلبات السياسة الدولية والإقليمية؟
في السياسة ليست هناك مصالح دائمة ولا عداوات دائمة ولكن هناك مصالح دائمة، ومصالحة الأنظمة العربية هي مع شعوبها التواقة إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.