إذا كان الجنس الأدبي المسمى بالسيرة الذاتية يشكل إحدى ركائز تكوين كل طالب أدب في أي مكان من العالم، فليس هذا راجعا للصدفة. فالسيرة الذاتية تجربة حياة تحفّز كل قارئ لتقاسم أجزاء من سيرة غيره، مهما اختلفت المسارات والميول والتوجهات.
أجل، فالسيرة الذاتية تجربة عالمية بامتياز، ولئن كان متاحا لي في هذه السطور سوق ما يسمّيه الفرنسيون شريحة حياة، فلا ريب في أن أكثر الشرائح تعبيرا عن العلامات الفارقة التي ميزت شبابي هي تلك التي حملتها إليّ الإذاعة، وكذلك التلفزيون أثناء إقامتي المبكرة في المغرب. وليس عسيرا ربط موضوع السيرة الذاتية بسلسلة صوت المذيعة التي جعلت منها موضوع مقالاتنا الراهنة.
ليس ذلك عسيرا إذا تذكرنا أنه رب مذيعة دغدغت شبابنا وطفولتنا لأنّ ذلك كان وظيفتها نعم يا عزيزي، وظيفتها. فمن منا لا يتذكر مذيعة التلفزيون، أيام القناة الأولى في المغرب، والقناة الأولى والثانية والثالثة بفرنسا. أيّنا من جيلي ومن جيل من سبقني ومن خلفني بقليل لا يتذكر مذيعات الربط؟ أجل، فمقال اليوم مناسبة لتذكر كلمة المذيعة بمعناها الأصلي، المعنى المتوخى أولا من وظيفة المذيعة، وظيفة الإعلان عن البرامج والربط في ما بينها، كما عرّفنا به واقع تاريخ المجال السمعي والبصري.
نعم، الكثير منا سيتذكر مذيعات ربط طفولتنا، زمن وجود فترة كانت لا تزال تترك للأطفال مجالا ليقرأوا الكتب ويمارسوا الرياضة، وهي فترة افتتاح الإرسال ونهايته. مذيعات ربط طفولتنا اللائي غالبا ما كنّ يفتتحن الإرسال بعرض لبرامج اليوم التلفزي، الذي كان يبدأ عند الساعة الثانية عشرة ظهرا بفرنسا، والذي كان يبدأ في المغرب، في الواقع، مساء.
آه لأيام مذيعات الربط التلفزيوني اللائي كنّ يفتتحن الإرسال على الرسم المتحرك ‘القرية الأليفة في المغرب’، وعلى نسخته الأصلية في فرنسا، ‘بوبا: الدبّ الصغير’.
آه على دونيز فابر ونادية فارس من القناة الأولى الفرنسية، وآه على فيروز القرواني، صاحبة أغنية يا تفّاحة، من القناة الأولى المغربية التي كانت تسمى إذ ذاك التلفزة المغربية، إذ لا ثانية ولا ثالثة بل ولا قناة بعدها.
ثم آه يا آه على مذيعات ربط الإذاعة، ولا تحضرني منها إلا المغربيات لأن مذيعات ربط الإذاعات الفرنسية كن قد اختفين عن المشهد الإعلامي قبل ولادتي. أستحضر كيف كنت أحاول معرفة اسم مذيعة الإذاعة من مجرد صوتها، منتظرا نهاية فترة عملها، وهي فترة عرفتها من كثرة الاستماع، التاسعة صباحا، السادسة بعد الظهر، والحادية عشرة ليلا.
ولم يكن غريبا عليّ أن ارفع سمّاعة هاتف الوالدين لمناداة الإذاعة المغربية، طالبا الأستوديو رقم أربعة… لمجرّد مخاطبة المذيعة.
وكثيرا منهن عرفن صوتي إذ ذاك، يسألنني عن أحوالي وصحتي، وعلى الطريقة المغربية المعروفة، عن أحوال أهلي ولو كنّ على غير معرفة بهم.
إذاعة المملكة المغربية من الرباط، عبارة كم سمعتها، بل وكم رددتها، لدرجة أنني رغبت في التفوه بها على الهواء، فاتخذت مناسبة المشاركة في برنامج اسمه مبادرات لأتّخذ بنفسي، من دون استشارة، مبادرة النطق بها في نهاية البرنامج.
آه لفاطمة رقيب، لخديجة شفيق، للمرحومة حياة بلعولة، لنوار الودغيري، لسعاد الغرملي.. آه لمذيعات المملكة المغربية إذاعة وتلفزيونا، اللائي صرن في الغالب مقدمات ومعدات برامج ناجحات، وقد كنّ أيضا مذيعات أحد المغتربين على أرضهنّ لسنوات.
آه لمذيعات صرن جزءا من حياتي وصرت جزءا من أثيرهنّ.
‘ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي