الرباط ـ ‘القدس العربي’ : الكتابة لدى الأديب المغربي عبد الحميد سحبان ضرب من الاعتكاف، حيث يمارسها بتروٍّ وبحث في المبنى والمعنى، حريصاً على الابتعاد عن الأضواء وبهرجة التسويق الدعائي. ومن ثمرات اشتغاله الإبداعي نشر مجموعة قصصية موسومة بـ’التعويذة’ وأخرى عنوانها ‘الثعلب الذي خرج عن صمته البهيمي’، ورواية بعنوان ‘الهجرة المعكوسة’، ولديه مشاريع أخرى سترى النور قريبا. حول عوالمه الأدبية أجرت معه ‘القدس العربي’ الحوار التالي:
‘ كيف بدأت علاقتك بالكتابة؟
‘ لم تكن بداياتي الأولى كتابة، بل كانت حكيا شفويا. لقد أحسست منذ صغري بقدرة على الحكي، حتى إن الكثير من الأطفال من مختلف الأعمار، كانوا يتحلقون حولي للاستمتاع بقصص مثيرة من نسج خيالي. إن قدرتي على الحكي، كانت السبب الذي دفعني منذ سن مبكرة (أواخر السبعينيات)، إلى تدوين البعض من حكاياتي وأنا لا أزال في طور المستوى الإعدادي. ثم تطور الأمر مع مرور الأيام، إلى كتابة قائمة الذات بعد أن تمكنت من بعض آليات وأبجديات التحرير والتدوين.
إن الحكي هو الذي جرني إلى الكتابة جرا، لأنتقل بعد ذلك من الحكي الشفوي، إلى الحكي الكتابي المتمثل اليوم في نصوص إبداعية قصصية وروائية.
الكتابة المختزلة تناسب العصر
‘ يلاحظ في نصوصك القصصية ميلك إلى التكثيف والاختزال والتركيز على نصوص قصيرة جدا، لماذا هذا الاختيار؟
‘ من المعروف أن الكتابة المختزلة تتطلب مجهودا أكبر من الكتابة المرسلة، وتتطلب تطويعا للغة ومجاهدة في المحافظة على الرسالة المراد إيصالها كاملة، غير منقوصة بأقل ما يمكن من التعابير والكلمات. وللإشارة، فإن الكتابة المختزلة هي الكتابة التي تناسب هذا العصر المطبوع بالسرعة والهرولة.
وبصراحة، فإن التكثيف والاختزال ليس اختيارا، بل لقد مارسته منذ بداياتي الأولى في الكتابة، بحيث قمت بكتابة نصوص جد مختزلة، ولم أكن أعلم وقتها أنني أكتب فيما يسمى حاليا بالقص القصير جدا. فقصة ‘أمل ضائع’ المكتوبة خلال الثمانينيات والمنشورة ضمن مجموعتي القصصية الأولى بعنوان ‘التعويذة’، هي قصة قصيرة الحجم بالمقارنة مع النصوص الأخرى الواردة بنفس المجموعة. وبالمقارنة كذلك مع حجم القصة المتداولة خلال تلك الفترة على العموم.
‘ وماذا عن أسلوب السخرية الذي تعتمد عليه؟
‘ السخرية طريقتي في الكتابة، أختزل بها نظرتي للحياة التي لا تخلو من الموافق الساخرة مهما كانت الظروف والأحوال. واللافت في ذلك، أنني لا أتعمدها بل تأتي هكذا طوعا وبدون مقدمات. ومن المعلوم أن السخرية في الكتابة الأدبية عملة نادرة، وإنني سعيد بأن يصنف أسلوبي ضمن الأسلوب الساخر.
ومما لا شك فيه، أن السخرية أصبحت ضرورية في هذه الفترة العصيبة من تاريخ الإنسانية، المتميزة بطغيان الإجهاد وارتفاع نسبة الضغوط على النفس البشرية، الشيء الذي يخلف الكثير من الآثار السلبية. لذلك، لا بد ـ بنظري ـ أن يساهم الإبداع الأدبي في التخفيف من القلق النفسي المتزايد في المجتمعات، بدلا من أن يزيد من درجة الإجهاد الذي يخيم على النفوس.
إن السخرية أسلوب واقعي وقادر على معالجة المأساة التي نعيشها اليوم بكل مرارة، لكن من زاوية بعيدة عن الوجه القاتم لها. بمعنى أن السخرية قادرة على إبراز الصورة الكاريكاتورية والساخرة لما يتخبط فيه العالم؛ إنها قادرة على جعل الإنسان يضحك من بؤس واقعه ومرارته. وأتمنى لنصوصي القصصية والروائية، أن تقتلع لحظات من الترويح عن النفس الإنسانية المكلومة، لما يحدث حولها من مآس وأهوال. وهو ما يطرح السؤال العريض حول مآل الإنسانية التي تمادت في الهمجية تحت مسميات متعددة، سواء دينية عرقية أو سياسية، علماً أن الإنسان هو نفسه، وهذه التلوينات لا تغير من جوهره شيئا.
‘ من هم كتّاب القصة والرواية المغاربة والعرب الذين تأثرت بهم أو تعتبرهم قدوة لديك في هذا المجال؟
‘ كثيرون هم الكتاب الذين طبعوا تجربتي. ولا أخفيك أنني تأثرت في بداياتي بالمدرسة الروسية في الأدب، وهي كما تعلم مدرسة غنية عن التعريف. حاولت أن آخذ عن دوستوفيسكي وتولستوي تأملهما الفلسفي العميق وعن انطون تشيخوف روحه المرحة وأسلوبه الساخر. أما الكتاب المغاربة الذين تأثرت بهم فأذكر منهم على سبيل المثال الروائي محمد زفزاف الذي راقني سرده الواقعي في ميدان الرواية، وإدريس الصغير الذي سحرني بأسلوبه الرصين والأخاذ في باب القصة القصيرة. أما عن الكتاب العرب فأذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر توفيق الحكيم الذي طبعني أسلوبه السلس وبصمته الساخرة.
الكتاب الأدبي في خطر!
‘ وهل أنصف النقد تجربتك القصصية والروائية؟
‘ بالطبع لا، لأنني لم أحظ بالمتابعة النقدية التي كنت أنتظر لأعمالي المتنوعة في القصة والرواية والشعر، إلا من مقالات متفرقة من طرف أصدقاء تفاعلوا مع بعض أعمالي ونصوصي الإبداعية. أما أن يكون منتوجي الأدبي قد خضع لعملية تشريح نقدية متكاملة، فذلك ما لم أحظ به إلى الآن. ويؤسفني القول إن النقد الأدبي الذي من المفترض فيه أن يقوم باكتشاف القدرات الإبداعية ومتابعتها بغية تعميق الناجحة منها وتصحيح المتعثرة، لا يقوم بمهمته التاريخية المنوطة به كما يجب. إلا أنه في ظل الظرفية الراهنة لا يمكن أن نحمّل النقد لوحده مشكل التقصير في متابعة المنتوج الأدبي؛ إن المشكل في حقيقة الأمر أعمق من ذلك بكثير ويعود لاعتبارات متنوعة، تتلخص في مشكلة النشر والتوزيع كعائق حاسم أمام انتشار الكتاب الإبداعي، الذي لم تعد تعره دور النشر الاهتمام اللازم به. ولعل أخطر مشكل يتهدد الكتاب الأدبي، يكمن في تدني الإقبال عليه لدرجة تكون قاب قوسين أو أدنى من الصفر، وهو أمر ينذر بالكارثة، لأن العقول المتنورة هي التي تكون قد كسبت حظها من الكتاب الأدبي، لما له من دور عميق في التهذيب والتكوين ورفض المطلق، كنمط رهيب للتفكير يتهدد تطور الإنسانية ويغذي كل أشكال التطرف الدينية والعرقية و السياسية.
أرجو أن يفتح سؤالك هذا، الشهية النقدية على أطباقي الأدبية المتنوعة. هذا ما أطمح إليه، لأن النقد هو الصدى الذي يدفع الأديب إلى بذل المزيد من العطاء.
‘هل فكرت في الانضمام إلى إحدى الهيئات الثقافية المغربية المعنية بالإبداع كاتحاد كتاب المغرب ونادي القصة أو غيرهما؟
‘ بالفعل، إن الانخراط ضمن الهيئات الثقافية، في ظل الكساد الذي يعرفه سوق الكتاب الأدبي الإبداعي، أصبح ضرورة ملحة، لأن الدور الحقيقي لهذه الهيئات، هو معاضدة الكتاب منتجي مختلف المواد الثقافية المتنوعة، وذلك بالتفكير في حل معضلة اندحار الاستثمار الثقافي الذي يعتبر من أهم عناصر التنمية بمفهومها الحديث. فالتنمية البشرية لا يمكن لها أن تتحقق دون إرساء قواعد التطور الفكري والذهني للناس. ولا يمكن لنا الحديث عن التنمية ذات الطابع اللصيق بالأفراد، دون المرور بالأساس عبر معطى جوهري وهو الانفتاح على الكتاب الإبداعي الأدبي، الذي يمر بالضرورة عبر عملية القراءة.
أما من حيث العضوية في إحدى الهيئات الثقافية، فأنا اعتبر نفسي عضوا بفعل الواقع لأنني أقوم بالدور الذي من المفترض، أن يقوم به كل عضو من أعضاء هذه الاتحادات الأدبية ألا وهو ‘الكتابة’. وبدون شك فإنني سألتحق بأحدها قريبا.
‘ مشاريعك القادمة في مجال الكتابة؟
‘ لي عدة مشاريع، فعلى مستوى القصة القصيرة لي مجموعة أنا الآن بصدد إعدادها للطبع. تتصدرها قصة بعنوان ‘آخر قصيدة في القرن العشرين’، قد تكون العنوان الذي أختاره للمجموعة، لأدشن بها عنواني الثالث في هذا الصنف من الكتابة.
وفي ميدان الشعر أقوم هذه الأيام بالمراجعة النهائية، لقصيدة نثرية ذات نفس ملحمي وبعد غزلي، سترى النور قريبا لتكون ثاني إصدار لي في هذا الجنس الأدبي. أما في مجال الرواية، فإنني بصدد التفكير في إنهاء نصي الروائي الرابع، الذي شرعت في تحريره منذ أواسط التسعينيات ولم أتمكن من إنهائه بعد.