اعلان مدفوع الثمن: الطائفية علي القنوات الفضائية العراقية
حسني أبو المعالياعلان مدفوع الثمن: الطائفية علي القنوات الفضائية العراقيةانسحب الوضع الطائفي والعنصري في العراق علي القنوات الفضائية العراقية فلونت كل قناة سياستها بأحد ألوان الطيف الذي تنتمي إليه وختمت برامجها بطابع لون طائفتها، ربما باستثناء قناة الشرقية التي حاولت جاهدة أن تتحدث بلسان كافة العراقيين وأن تكون عراقية صافية ونقية من كل الشوائب الطائفية والعرقية، فدأبت منذ إطلالتها الأولي علي الوقوف جنبا الي جنب مع الشعب العراقي في محنه وهمومه، واحتلت مكانتها المتميزة في قلوب الملايين من العراقيين عبر برامجها المتنوعة والهادفة، مثل برنامج كرسته وعمل، والبطاقة التموينية، فطوركم علينا، عيديتكم علينا، شمة هوا، البيت بيتك، شايف خير ومستاهلها، وأخيرا وليس آخرا برنامج صاية وصرماية. وليس خافيا علي أحد بأن تلك البرامج قدمت دعما ماديا الي مجموعة معينة من العائلات العراقية المنكوبة، وأنقذت ما يمكن إنقاذه من أجل عودة الأمل إلي شريحة واسعة من أفرادها.لقد عاش الشعب العراقي وما يزال ظروفا مادية واجتماعية قاسية علي مدي عقود من الزمن، خاصة العقد الأخير الذي تزامن مع ليل الحصار الظالم الذي فرضته قوي الشر في العالم وعلي رأسها الولايات المتحدة الامريكية، ناهيك عن معاناته بسبب استبداد النظام الدكتاتوري المقبور والعاري من أبسط المبادئ المتمثلة في الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الانسان، لهذا كان موقف قناة الشرقية له حمولته الإيجابية ومنطلقه الإنساني النبيل عندما بادرت وخططت ونفذت تلك البرنامج التي ساهمت بلا ريب في رسم الإبتسامة علي شفاه مجموعة كبيرة من المحتاجين والمتضررين العراقيين.لقد تابعنا جميعا تلك البرامج وشاهدنا تفاصيل عرضها وإخراجها وتعاطف معظمنا معها من حيث الفكرة والهدف الوطني الذي يخدم مجموعة كبيرة من المواطنين، إلا إنني أعتقد بأن الطريقة التي قدمت بها قناة الشرقية تلك البرامج لا ترقي إلي مستوي احترام الإنسان العراقي، فقد سيطر قاسم مشترك احتل موقعه في جميع البرامج الخيرية، وإن كانت تلك البرامج تخدم فعلا المواطن الـــعراقي ماديا، إلا أنها كانت تسيء إليه في ذات الوقت معــنويا بالرغم من توفر حسن النوايا، بيد أن المسؤولية الكبري في هذا الإشكال تقع علي عاتق المخرجين أكثر مما تقع علي مقدمي البرامج أو علي المشرفين علي القناة نفسها. فأسلوب البرامج يقوم مبدئيا علي انتزاع الشكر من قبل المحتاج والمعوز، ووجـــــوب اعتـــــرافه بمكرمة قناة الشرقية بشكــــل أقرب إلي الإذلال منه إلي التكريم، فالعراقي اليوم يحتاج إلي الدعم المادي بموازاة الدعم المعنــــــوي الذي يحفـــــظ كرامته، وأعتقد بأن هــــــناك تفاصيل دقيقـة في تلك البرامج لا مبرر لعرضها كالذهــــــاب إلي السوق لشراء ملابس العروسين في شايف خير ومستاهلها وكذلك الرحلة الطــــــويلة للوصول إلي الفائز بالبطاقة التموينية، ومشهد إحراجه وهو يذرف الدموع أمام الملأ، ويدعو للشرقية خيرا لما قدمت له من دعم مادي متواضع قياسا إلي خيرات العراق الضائعة. إنها مشاهد أليمة حقا وتصويرها وعرضها بهذه الطريقة المشحونة بالعواطف يزيد من البؤس العراقي بؤسا أكبر، ويضع المشاهد العربي في حسرة وحيرة.إن الكثيرين من المحسنين الذين يتبـــــرعون بأموالهم للفقراء والمحتاجين إذ يتعففون عن المنة ويأبون إلا أن يكونوا في الظل بعيدا عن الإشهار والتشهير أو التعريف حتي بشخصياتهم، عملا بقوله تعالي إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا .فلماذا لا تقدم قناة الشرقية برامجها الداعمة للعراقيين بصورة تليق بمقام المواطن العراقي؟ أعتقد بأن القناة تحتاج إلي أن تغير من أسلوب وطريقة برامجها الخيرية، أو أن تجد بدائل للعمل الإنساني من خلال إنشاء مصانع منتجة ومشاريع عمل توظف فيها آلاف العمال والعاطلين والموظفين وذلك باسم الشرقية.وفي الختام أتساءل: ما الذي يدفع بعض القنوات العراقية أن تضع عبارة إعلان مدفوع الثمن علي الإعلانات التي تدين الإرهاب؟ في الوقت الذي لا نجد تلك العبارة علي إعلاناتها التجارية، علما بأن معاناة الشعب العراقي اليوم سببها الإرهاب والإرهاب ثم الاحتلال، فهل يحتاج العمل الوطني في هذا الزمن إلي مقابل؟ وبماذا سنجازي مئات الآلاف من الشهداء، الشرفاء والمخلصين الذين قدموا أنفسهم قرابين من أجل الوطن؟ناقد وفنان تشكيلي من تونس2