لا شك اننا نعيش في زمن تختلط فيه الأمور بشكل عجيب، وتقدم المسائل بصفتها احداثا جزئية لا رابط يجمعها، علما ان هذه الأعاجيب هي جزء من كل واحد يجعل من المشرق العربي ساحة انفجارات يختلط فيها صديد الماضي الذي يمضي، بضوء افق لا يزال بعيدا رغم انه على مرمى حجر.
القاضي الشهيد
قتلوا القاضي الأردني الفلسطيني رائد زعيتر امام كل الناس، لا لشيء الا لأن الرجل رد على صلف الجندي الاسرائيلي على معبر الكرامة بحركة من يده او بكلمة خرجت من بين شفتيه. لا ندري ماذا قال القاضي كي يستحق الاعدام. من المؤكد ان الجندي الاسرائيلي الذي أطلق الرصاص على صدر القاضي الفلسطيني كان ممتلئا بحس العدالة العنصرية، الذي يخوله ان يفعل ما يشاء بالفلسطينيين.
عدالة الجلاد الاسرائيلي تقتل القاضي الفلسطيني! مفارقة كبرى تشكل جوهر المشروع الصهيوني.
من المرجح أن يكون هذا الجندي القاتل، الذي لا نعرف اسمه، ممتلئا بشعور حاد بأنه لم يرتكب اثما، منذ متى كان قتل الفلسطينيين العزل جريمة في اسرائيل؟ لكن المفارقة الجديدة التي بدأنا نكتشفها مع احتلال عام 1967، هو ان الجندي الاسرائيلي يملك الى جانب التفوق العسكري، شعورا مروعا بالخوف من الآخر. وهو خوف مركّب ناجم عن ذاكرة قديمة تحمل معها الارث العنصري الاوروبي، وذاكرة حديثة آتية من قدرة الفلسطينيين والعرب على الصمود، وامتلاكهم لذاكرة المأساة المتجددة التي لا تمحوها الأعوام.
دولة مدججة بالسلاح، وتمتلك الترسانة النووية الوحيدة في المنطقة، وتخاف من ضحاياها في الوقت نفسه.
عنصرية وخوف، تفوق عسكري ساحق وخوف، عناصر متى اجتمعت حولت الانسان وحشا.
هذه هي الطبيعة العميقة لدولة الاحتلال، يطلبون من الضحية التي تقتل تحت سكاكينهم ان تطمئنهم؟ وهم لا يطمئنون الى شيء.
اصيب الجــندي بالرعب لأن القاضي تصــــرف كانسان يمتــــلك كــــرامة. كرامتنا سبب كاف لقتلـــنا، ومع ذلك يحدثونك عن عملية السلام!
علاء عبد الفتاح
رأيت على اليوتيوب، الفيديو حيث وقفت الكاتبة المصرية اهداف سويف ومعها مجموعة صغيرة من الناس، مطالبين باطلاق سراح علاء عبد الفتاح، احد المع المناضلين المصريين من اجل الحرية، واحد صانعي فجر ثورة 25 يناير.
لن اتكلم عن شعوري بالمهانة امام الحشد الذي وقف في مواجهة اهداف سويف شاتما مهددا ومتهما خيرة المناضلين المصريين ضد الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، بالعمالة لاسرائيل.
يا للعار، ابطال ثورة 25 يناير في السجن: احمد ماهر ومحمد عادل واحمد دوما وعلاء عبد الفتاح وآخرون في السجون، يعانون ‘التوحّد’ كما كتب عبدالفتاح في مقال رائع، بينما يخرج ملك الفساد والافساد احمد العز من السجن.
عجبي! كما كتب صلاح جاهين مرة.
هل نحن امام منعطف الفاشية العسكرية في الثورة المصرية؟
الاخوان خرّبوا نصف الثورة، والآن تأتي المؤسسة العسكرية لتخريب نصفها الثاني.
لكن احمد ماهر يقول لنا من سجنه ان نصبر، لأن هذا الليل لن يكون طويلا.
راهبات معلولا
جاء الافراج عن راهبات معلولا كجزء من صفقة بين جبهة النصرة من جهة وقطر والأمن العام اللبناني والنظام السوري من جهة ثانية.
يحق للراهبات ان يفرحن، فهن ضحايا بريئة في حقول القتل السورية.
لكن السؤال الذي لم يطرحه احد هو لماذا تم خطف الراهبات؟ ضمن اي منطق تستطيع جبهة النصرة تبرير فعلتها الشنعاء؟
ثم ما هذا الفرح الذي اصيب به الوسطاء، هل تشترى الحرية بالمال؟ وهل سيستمر مسلسل اذلال الشعب السوري، وتحويله الى سلعة؟
لا يملك مسلسل الخطف السوري سوى اسم واحد هو الانحطاط. خاطفو الأب باولو ورزان وسميرة ورفاقهما لا علاقة لهم بالثورة. الثورة لا تخطف الشعب، وهذه اللعبة الدموية لا تجعل من مدّعي الثورة سوى وجه آخر للنظام. لا يمكن تسمية خطف الراهبات سوى باسمه، انه العار، والعار لا تستطيع كل اموال الدنيا محوه.
يرموك
شاهدت الشريط القصير الذي اخرجه الفنان الفلسطيني الكبير محمد بكري تحت عنوان: ‘يرموك’، واصبت بالحزن.
خطأ فنان كبير، يصيب المرء بالأسى. لا ادري كيف نصنف هذا الشريط؟ لكن من المؤكد انه لا يتناسب مع رؤيا ‘المتشائل’، التي جسدها محمد بكري على خشبة المسرح، او مع نضالية فيلم ‘جنين جنين’.
كنت ضد توقيع عرائض ضد الشريط، لأن توقيع هذا النوع من العرائض هو دعوة الى تبني الرقابة، التي هي احد اشكال القمع، لكنني لم استطع تفهم الاطار الذي صنعه بكري لفيلمه. هل يمكن تلخيص مأساة اليرموك بهذه التبسيطية التي تتجاهل جرائم النظام الاستبدادي في سوريا؟ هل نسي صديقنا محمد بكري ان مأساة اليرموك هي امتداد لمآسي شاتيلا وصبرا وتل الزعتر وجسر الباشا… التي يتناوب في تحمل مسؤولياتها النظام الاستبدادي في سوريا والاحتلال الاسرائيلي؟
لا يا عزيزي، لا يستحق اهل اليرموك، كغيرهم من ضحايا الاستبداد، سوى وقفة تضامن وموقف تماهٍ.
تصويب
في مقال الاسبوع الماضي ورد خطأ مطبعي، فمؤلف كتاب ‘البداية والنهاية’، هو ابن كثير وليس ابن الأثير، كما ورد في المقال، فاقتضى التنويه والإعتذار.