إرادة الحياة
رشاد أبوشاورإرادة الحياةبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، غابت أسماء أدبية كبيرة، قرأنا رواياتها مترجمة عن الروسية، بعربية جميلة .الروائي العراقي غائب طعمه فرمان الذي عاش ومات في (موسكو)، نقل بعض تلك الروائع، وأيضاً المصري أبوبكر يوسف .أحد أبرز الأسماء الذين قرأت لهم، الروائي (القرغيزي) جنكيز آيتماتوف، مبدع (وداعاً يا غولساري). أماغولساري هذا فهو جواد تم اخصاؤه بفضل الحزبيين البيروقراطيين في القرية التعاونية!واحدة من روائع جنكيز آيتماتوف هي القصة الطويلة (الكلب الأبلق الراكض بجوار البحر)، تلك القصة الطويلة صدرت في كتاب صغير، بالعربية قبل ثلاثين سنة، وتركناها مع كل ما تركناه في بيروت عندما رحلنا في السفن عام 82. هذه القصة الطويلة، أو الرواية القصيرة، يمكن اعتبارها أختاً غير شقيقة لرواية (الشيخ والبحر) للروائي الأمريكي الكبير آرنست همنغواي، رغم اختلاف حضارتي الكاتبين، ولغتيهما، وثقافتيهما.تلكما الروايتان تمجدان الحياة، وتكرمان الانسان بما يتميز به من شجاعة عقلية ونفسية في صراعه مع عوامل الطبيعة، وهو ما يمنح حياته معني وقيمة.اذا كانت رواية همنغواي تقوم علي حكاية بسيطة، تدور في البحر، أبطالها : العجوز سنتياغو، وسمكة (المارلين)، وذلك الطفل الذي يساعد العجوز علي الشاطئ، فان أبطال قصة آيتماتوف هم: الأب، وصديقه، والطفل، والبحر، حيث تجري أحداث قصة الصيادين البسطاء.قصة الشيخ والبحر نقلت الي السينما في فيلم من بطولة (سبنسر تراسي) الممثل الأمريكي فائق الشهرة في الأربعينات، والخمسينات، مما زاد القصة شعبيةً، وقربها لجمهور عريض. الكلب الأبلق بحسب علمي، لم تنقل الي السينما، وجنكيز آيتماتوف أحد من يستحقون (نوبل) راحت عليه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فلغته الأم غير معروفة عالمياً، واللغة الروسية لم تعد في خدمته، والدنيا باتت غير الدنيا، وحسابات ( نوبل ) تغيرت.ما الذي أعاد الي ذاكرتي قصة آيتماتوف؟حكاية وقعت قبل أيام، هي في الجوهر، والمعني، نفسها، وان اختلفت التفاصيل.أحسب أن كل عربي اكتوي قلبه بالحسرة علي مأساة عبارة (السلام) المصرية، علي من ماتوا اهمالاً، وعلي ذويهم المفجوعين، فالحدث الجسيم كان يمكن تلافيه، وعودة مئات المواطنين المصريين الي نجوعهم، وكفورهم، وهم يغنون:سالمة يا سلامة رحنا وجينا بالسلامة علي عبارة (السلام) وقعت حادثة، كان بودي لو أتوجه الي مصر المحروسة لأتابعها، وأكتبها، وأقدمها للقراء العرب في كل أقطارهم، فهي حكاية الأبوة الحقة، والتضحية، وتوريث الحياة، لا توريث الحكم المغتصب، والمال المنهوب!تلك الحادثة تشبه كما أسلفت، وقائع قصة (الكلب الأبلق …)، أي أن الحياة تقلد الكتابة!(الكلب الأبلق) في القصة هو جبل يجثم بجوار شاطيء البحر، وله شكل كلب، والصيادون اعتادوا أن يجعلوه علامة ثابتة، فأينما توجهوا في البحر تبقي عيونهم ثابتة النظر الي الجبل ـ الكلب، لأنهم به يهتدون، ويعودون سالمين.ذات يوم يتوجه ثلاثة أشخاص للصيد ،في زورقهم المتواضع ، أب يصطحب ابنه لتلقينه مبادئ الصيد والابحار، والتعود علي التعامل مع الجبل ـ الكلب، الذي يهتدي به الصيادون، وصديق الأب وشريكه.البحر الهادئ ثار فجأةً، والعاصفة شردت الزورق، وبعد مكابدة، وقلق، وخوف، انحسرت العاصفة، وعاد البحر هادئاً، ولكن بعد أن قذفت الأمواج والعاصفة بالزورق بعيداً في عمق البحر، بحيث لم يعد الجبل ـ الكلب يري.ماء الشرب قليل، والأجساد أنهكت، ولكن لا بد من العودة الي القرية، لذا جدف الرجلان بقوة، ولكن الجبل الكلب لم يعد يلوح في الأفق.قنن الرجلان شرب الماء، واذ أدرك الصديق أن الماء لن يكفي، وأنهم سيموتون مع الطفل، أسلم نفسه للبحر، واذ استيقظ الرجل وابنه من غفوتهما لم يجدا (الصديق) ففهم الأب الرسالة، وواصل الابحار مع ابنه الي أن يئس من امكانية النجاة، فالماء لم يعد يكفي، وقواه خارت، وهو يدخر جرع الماء القليلة من أجل الابن.عندما استيقظ الطفل لم يجد أباه، فقد لحق بصديقه الذي اختار أن يضحي بنفسه. كان وعاء الماء، بما بقي فيه قربه، وكان عليه أن يبحر، أن يعيش، وهذا ما فعله. بكل جسارة واصل الطفل التجديف، مكتفياً بتبليل شفتيه بالماء القليل، الي أن رأي وهو يفقد وعيه، في البعيد، من بين الضباب، ذلك الجبل ـ الكلب، بشارة الحياة… الارادة، وتمجيد التضحية حباً بالحياة، تلك هي المعاني التي تشع من (الكلب الأبلق).. احدي روائع جنكيز آيتماتوف، صاحب (السفينة البيضاء) و(جميلة) و(شجيرتي في منديل أحمر) ولست ادري ماذا كتب بعد عام 85، وما جري له من تحولات بعد الانهيارات التي طالت حتي الأفراد!علي عبارة ( السلام) المنكوبة، فعل أب مصري ما قرأناه في رواية آيتماتوف. ألبس الأب طفله، ابن الثانية عشرة، سترة الانقاذ، ودفع به الي البحر، حيث صارع الأمواج طيلة 30 ساعة، الي أن تم انقاذه …والده ووالدته لقيا حتفهما، والطفل نقل الي أحد المستشفيات، وآخر ما سمعته عنه، هو تصريح لاعب الكرة المصري الشهير أحمد حسام (ميدو)، الذي أعلن تبرعه له بنصف دخله من مشاركته في بطولة أفريقيا ـ مبروك لمصر البطولة ـ وطلب دعوة الطفل محمد أحمد ليحضر لقاء القمة مع (الكوت ديفوار) مفاجأة البطولة، لمساعدته علي تحمل المصيبة التي وقعت له.من هو ذلك الأب الرائع الذي كان همـــــه انقاذ ابنه ليعيـــــش؟ من هي أمه؟ من هي العائلة المصرية تلك؟ ماذا كانت تفـــعل في السعودية؟ أسئلة كثيرة خطرت ببالي، وتمنيت لو أنني أستطيع (دخول) مصر لأكتب حكاية ذلك الطفل، وأسرته، ورحلة الموت والحياة.لكنني والحق يقال خشيت التوجه الي مصر، فلست أضمن أن لا يحدث لي ما حدث للنائب البريطاني صديق العرب (جورج غالوي) الذي حضر الي مصر للمشاركة في (المحكـــــمة) التي عقدت في القاهرة برئاسة الشجاع محاضر محمد، فكان أن أوقف وتبهدل في المطار، وأهين جزاءً وفاقاً علي مواقفه مع العرب في فلسطين والعراق.0