فيلم ‘كبير الخدم’ للمخرج لي دانيلز: رصد العبودية في وطن تمثال الحرية

حجم الخط
0

برلين ـ من إدريس الجاي: ‘الظلام لا يمكن ان يزيح الظلام، وحده الضوء يستطيع ذلك’
مارتن لوثر كينغ
إذا كان فيلم ’12 سنة من العبودية’ للمخرج ذي الاصول الافريقية ستيف ماكوين قد توج في الدورة الاخيرة لجوائز اوسكار بافضل فيلم، عن قصة المواطن الامريكي الاسود سليمان نورثوب، الذي ثم استدراجه كعازف كمان من نيو يورك الى واشنطن بدعوى العمل في السرك ثم بيعه عبدا في نيو اورليانس وهي قصة واقعية سجلها نورتن في كتابه الصادر سنة 1853، تحت عنوان ‘اثنتي عشرة سنة من العبودية ـ حكاية سليمان نورثوب’، فأن فيلم ‘كبير الخدم’ Batler للمخرج ذي الاصول الافريقية هو الاخر لي دانيلز، حتى وان لم يحصل على اي جائزة اسكار، يمكن تصنيفه كفيلم روائي ـ تسجيلي يرصد تاريخ العبودية والتمييز العنصري في دولة اكبر واشهر تمثال للحرية فوق الارض. ففي الوقت، الذي يحكي فيه ستيف مكوين من خلال شخص نورتن مجريات حقبة مظلمة من تاريخ الولايات المتحدة في صيغة الفردي للتعبير عن الجماعي محددا خصوصية وضع الاقلية السوداء في الولايات المتحدة، فان لي دانيلز يروي التاريخ الأميركي السياسي من وجهة نظر الخدم السود في البيت الأبيض. يتناول فيلم ’12 سنة من العبودية’ وضع السود، كملكية خاصة ومطلقة التصرف لاصحاب المزارع في فترة منتصف القرن التاسع عشر، اي ما بين سنة بيع سليمان نورنوب 1841 وسنة تمكنه من ايصال رسالة الى عائلته وتحريره من الرق سنة 1853، على عكس ذلك يقوم فيلم ‘كبير الخدم’ بجرد ما يزيد عن ثلاثين سنة من تاريخ البيت الابيض من سنة 1957 1986 واكثر من نصف قرن من تاريخ العبودية في الولايات المتحدة الامريكية. لقد سبق للمخرج لي دانيالز واثار سنة 2009 الانتباه الى مأساة تعليم السود بفيلم ‘بريسيوز’، والان يثير بفيلم ‘كبير الخدم’، المستوحى هو الاخر من حياة النادل ‘أوكني الن’، الذي عمل كرئيس الخدم في البيت الابيض من سنة 1952 الى سنة 1986، موضوع معاناة السود ثم كفاحهم ضد العنصرية، مستندا في ذلك على وقائع تاريخية. فقد احدث الفيلم مفاجأة سينمائية غير متوقعة، كهجوم خاطف غزا السينما داخل امريكا وأيضا خارجها على سبيل المثال فرنسا. فقد تمكن الفيلم رغم انتاجه المتواضع، ثلاثون مليون دولار فقط، من تنحية افلام هوليوودية بمئات ملايينالدولارات عن اماكن الصدارة.

يوميات الموت العادي

سنة 1926 يرى الطفل سيسيل، حيث كان يعمل مع ابيه وامه عبيدا في احدى مزارع جورجيا، كيف ساق مالك المزرعة الابيض امه، التي سمع بعد ذلك صراخ اغتصابها في الحظيرة، ثم حين اراد والد سيسيل، امتثالا لطلب ابنه، الوقوف امام الرجل الابيض، سحب هذا الاخير مسدسه وأطلق عليه النار وسط الحقل بهدوء وببساطة وامام عين الابن وباقي جامعي القطن الاخرين، ‘توقف عن البكاء’، تقول له والدة القاتل، لان مثل هذا القتل كان في العشرينات يعد من يوميات حياة المزارع، ‘سوف اخذك الى البيت واجعك منك زنجي المنزل’. هكذا حولت هذه الجملة مصير حياة الطفل سيسيل الى هيئة خادم. فموت ابيه قتل فيه الى حد بعيد الشعور بحياة الحرية ما جعله يتكيف مع كل حالة جديدة، التي ستلاقينا لاحقا اثناء عمله في البيت الابيض. ويصبح الصغير سيسيل ‘زنجي البيت’، ويتعلم منذ البداية خدمة الناس البيض، ‘حين تكون في الخدمة يجب ان تكون الغرفة خالية منك، لا اريد ان اسمع حتى تنفسك’. تآمره سيدة البيت. هكذا يعيش سيسيل في البيت ويخدم قاتل ابيه: ‘حين كبرت، صار عندي واضحا، يجب ان ارحل قبل ان يقتلني انا الاخر’، يودع امه، التي منذ الحادث لم تنطق بكلمة، فاصبحت مجنونة بفعل العنف ويغادر اليافع سيسيل بتزكية من السيدة العجوز خائفا مرتبكا، لانه لا يعرف عالما غير المحيط، الذي الفه. كان العالم خارج المزرعة اقسى منه داخلها: ‘فلا احد منحني عملا او طعاما، فكل ابيض يمكنه في اي لحظة ان يقتل واحد منا دون ان يعاقب. فالقانون لم يكن بجانبها، بل كان ضدنا.’ كان سيسيل يفكر في ذلك وهو يرى كيف علق اثنان من السود مشنوقان على قارعة الطريق. وحيث انه اتقن حرفة خدمة البيض على يد احد اهالي كارولينا الشمالية السود، الذي لقنه: ‘نحن النُدُل لنا وجهان، وجه نحتفظ به لانفسنا ونظهر الاخر، الذي يريد البيض رؤيته’. فقد تمكن كنادل من الوصول الى أحد افخر فنادق واشنطن ومنه إلى البيت الأبيض.

العدم في كنه الوجود

فأول جملة ينطق بها رئيس الخدم الاسود في مقابلة تعيينه هي: ‘هل تهتم بالسياسة؟’ وعندما أجاب سيسيل بالنفي، يضيف الاخر بارتياح: ‘في البيت الأبيض، ليس لدينا أي اهتمام بالموظفين المهتمين بالسياسة’. هنا يبدأ سيسيل أداء وظيفته ضمن طاقم يكونه السود فقط او ‘الزنوج’ Negro، كما يطلق عليهم البيض وكذلك حتى رئيس الخدم الاسود. وظيفة اساسياتها الوجود الجسدي فقط والخلاء من العواطف، الاحاسيس كما أمره رئيسه الاسود: ‘انت لا تسمع ولا ترى، انت تخدم فقط’. وهو يؤدي وظيفته يتم الحديث في الجلسات عن ادق القضايا السياسية بحرية وبدون تحفظ، لان وجود سيسيل لا يعني اكثر من كائن حي، يسمع ولا يعي وإن سمع لا يستطيع كما لا يحق له التحدث بذلك. بل الى حد التجرد من التعبير عن عواطفه حتى امام جاكلين كنيدي حين قتل زوجها، وهو ما اثر لاحقا على احاسيسه اتجاه اسرته. انه شخص متجاهل الوجود، مع ذلك له ارائه الشخصية حول الاحداث السياسية غير انه لا يناقشها الا في ذكرته فقط ولا يحدث بها حتى اسرته. لقد اصبحت حياته ملكا للبيت الابيض كما كانت سابقا ملكا لمزرعة القطن في فرجينيا. فهذه العبودية الجديدة المنوطة بالعنصرية في البيت الابيض، حيث لا تتم فيه ترقية العمال السود كما انهم يتقاضون اربعين بالمئة اقل من البيض، عبر عنها المخرج لي دانيلز بشكل واضح مثلا في شخص وولر، المكلف باختيار النُدُل، الذي يعامل سيسيل كأنه غير موجود، حتى حين حاول شكره على منحه فرصة العمل في البيت الابيض. او حين طلب بعد عشرين سنة من العمل في البيت الابيض الرفع من مكانة السود المتدنية في البيت الابيض، هدد بالعزل من وطيفته، او الرئيس نيكسون، الذي يرافقه سيسيل حتى وهو جالس فوق المرحاض ليقدم له المناشف. ان فيلم ‘كبير الخدم’ هو أكثر من مجرد قصة خادمة منزل – إنه قصة بلد وتطوره السياسي يرويها لي دانيلز في اسلوب مزيج بين التسجيلي والروائي كوفاء للتاريخ. فحتى وان كان الفيلم يفيض بالمواقف العاطفية يضل فيه التمييزالعنصري هو المفهوم المركزي.
ففي الوقت الذي تغيب فيه اسرة سليمان نورثوب في فيلم ’12 سنة من العبودية’ عن الاحداث ويتم التركيز على مصير نورثوب وحده كحدث مستقل، تعكس أسرة سيسيل في ‘كبير الخدم’ مجموعة كبيرة من التجارب مع العنصرية، مجموعة متنوعة من المواقف السياسية، التحولات التاريخية، التي منحها المخرج لي دنيلز مصداقية عبر المواد الأرشيفية: بعض لقطات الافلام التسجيلية القديمة مثل هجوم منظمة كلو كلوكس العنصرية على حافلة الحرية الأسطورية للحقوق المدنية الأمريكية أو التجاوزات العنيفة للشرطة ضد المتظاهرين في برمنغهام، ألاباما وحرب فيتنام، التي اخذت من سيسيل ابنه الاصغر.

حياة أفضل

فإذا كان نورثوب كإنسان سلبت منه حريته، يحاول جاهدا كلما وجد الفرصة الى ذلك، استعادة هذه الحرية، فإن سيسيل يكتفي بالسلبية امام مجريات الاحداث، حيث انه لم يتخلص بعد من شعوره العبودي، الذي رافقه مدى حياته ويمنح نفسه معتقد، ان حياته افضل بكثير من حياة كثير من السود، ما جعل الصراع الاجتماعي بخلفياته السياسية ينفجر داخل اطار اسرته، فالاب يخدم السياسيين بينما انضم الابن الأكبر لويس الى حركة الحقوق المدنية، ما جعله يقف ببعض الكبرياء ضد مهنة الأب. فمنظور سيسيل، الذي يرى انه توصل الى حياة أفضل لنفسه وعائلته: آمن على النفس والحياة، دخل منتظم، ثروة معتدلة، التعليم لأطفاله وايمانه، أن الانسان الابيض (الرئيس) سيعمل من اجل تحسين وضعية السود، تناقضها رؤية إبنه لويس، الذي يحدد الحياة الأفضل، في المساواة السياسية بين الجماعات العرقية المختلفة، تمتع السود بحقوق المواطنة كامريكيين حقيقيين وأن حقوق السود لا يمكن ان يحققها الا السود انفسهم. وهو ما أدى إلى شقاق بين الابن المتطرف على نحو متزايد والده المتكيف. لقد اعتمد لي دانيلز فنيا اسلوب المقابلة في المواقف، بين نضال السود والحياة السياسية في البيت الابيض. ففي الوقت الذي يستعد فيه الاب ضمن طاقمه لخدمة الانسان الابيض، يتوجه الابن ضمن مجموعته النضالية الى استفزاز البيض في المقاهي كخطوة اولى لتحقيق المساواة عن طريق هزم الخوف. وحين يضرب السود ويتم نقل ذلك على شاشة التلفزة، يصفق المدعوون لدخول الرئيس الى القاعة.

اندحار الوهم

إن قصة سيسيل تحكي في نهاية المطاف دراما رجل، يتكيف وتقدمه الاجتماعي المتواضع، بينما هو بالنسبة لحركة السود المتمردين، الفهود السود، منافق، وبالنسبة للبيض هو أسود لا اكثر، إن لم يكن غير مرئي. مع ذلك فالمشاهد يلمس معاناة سيسيل الذاتية من خلال صمته ككبير الخدم. لقد استطاع لي دانيلز في فيلمه الجديد لمس الواقع او ما يسمى الإنسانية العالمية، داعما طروحاته من خلال الاعتماد على التسجيلات القديمة لجملة من الاحداث الساخنة، التي عرفها المجتمع الامريكي وعلى مدى اكثر من ثلث قرن من الزمن. مشيرا الى رموز حركة تحرر السود مثل مارتن لوثر كنغ او مالكوم إكس. لقد انتهت مأساة نورثوب في فيلم ستيف مكوين بعودة نورتوب الى اسرته وبذلك طوت صفحة من مأساة رجل اسود بالنهاية السعيدة، لكن في فيلم لي دنيلز يتواصل هذا النظال بالاعتصام امام سفارة جنوب افريقيا. فسيسيل يستقيل من وظيفته، لانه فهم اخيرا على لسان الرئيس رونلد ريكن ان الدولة لا يهمها السود الا كاصوات انتخابية، كما انه لم يحصل على مساوات في الاجر مثل البيض، فينظم الى الابن كمصالحة بين الطرفين ويهتفان معا ضمن المعتصمين باطلاق صراح نيلسون مانديلا. في مركز الشرطة يشعر سيسيل الى جانب ابنه لاول مرة انه حر. في النهاية يعبر عن سعادته، لانه لم يكن يوما ما يتصور، ان يصل رجل أسود الى رئاسة البيت الابيض الامريكي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية