عن الثورات المغشوشة والشعراء الغشّاشين

حجم الخط
1

(1) ‘الأزرقُ طرودٌ بريدية ملئ بأرقام الظلال.
صوتُ الشجرة الذي حين لم نكن نعرف ما هو اضطرّنا خواءُ اللغة إلى استدراجه بالنعاس لوصفه في المنام.
الأزرقُ أشباحُ الرجال الذين كلّما تهجّيتُ أسماءهم تراكضوا في دهاليز الكلام دافعين النقطة التي في آخر السطر كمن يدفع بابًا ثقيلا من خشب الصنوبر الاسكتلندي.
لا أنامُ لأحلم. أنامُ لأحمل عصري فوق ظهري وأمشي به وسط الحجيج الذين سيحملونه متناوبين، قاطعين به البراري وصاعدين به الجبالَ’.
صباحَ الثالث والعشرين من تشرين الأول من العام 2011 كتبتُ هذا، دقائقَ بعد غمس سبّابتي، لأوّل مرّةٍ، في حبر الانتخاب.
ممسوسًا بنفحةٍ وطنيةٍ غير مسبوقةٍ، كأغلب التونسيين، كتبتُ هذا على صفحتي.
بعد أعوام ثلاثٍ، ككبير فيَلةٍ قلعوا أنيابه العاجَ، أخفض رأسي من المهانة معترفا لكم بما يلي: ما غمستُ فيه سبّابتي لم يكن حبرًا أزرقا. اسمعوني جيّدًا:
كان وحلاً.
(2)
كنّا قطيعَ فِيلةٍ لكنّ من وثقنا بهم كانوا صيّادي عاج محترفين.
لا أظن أنّ ثمة كائنًا في وسعه أن يحدّثنا عن علاقة الفيل بنابه، اللّهمّ إلاّ يكون الفيلَ نفسه أو الملكَ سليمان. بوسعي إذن أن أعرف مكمن الاغراء في الحديث عن الفيلةِ، فلطالما رأيتُ في بَكم الحيوان برهانًا واضحا على أنه حيث لا ينمو الكلام تنتصبُ الآلام العظيمة.
جرّد الفيلَ من نابه فيغدو مجرّد كتلةٍ خرقاءَ. الحذرُ الذي طالما ضمن له البقاء في الأدغال يُفقد. مجموعة الاشارات والمهارات التي طوّرتها الغريزة تُنسى. للدقة، لا يتعلّق الأمر بنسيان مهارات التخفي وفقدان حسّ الحذر، إنما بالرغبة في فقدانها. من بين الجميع، من فقدوا ساقا أو ذراعًا سيفهمون مغزى الحكاية. أتحدّث عن فجيعةِ النقصان حال يستيقظ المبتور من بُنجه.
تخبرنا الطبيعة عن كثير من الكائنات التي طوّرت، غريزيّا، نظام مناعةٍ يتيح لها امتصاص صدمة الدقائق الأولى ومن ثمّ التكيّف مع نقصانها. الفيلُ ليس من بينها.
لكان سيظفر بميدالية الذهب لأسرع من يموت قهرًا.
(3)
الصيادون الذين احتملوا العاجَ الثمين كانوا سريعين جدّا ومهَرة، بالنظر إلى رجال غادروا السّجون لتوّهم. زعيمُ الصيادين أشار جهة الفيل الطريح كسمكة الشابل في قصة ‘أجمل غريق في العالم’:
‘أنظرُوا إلى هذا الأبله. بشكله الكرويّ وجلده الأزرق الرصاصيّ ألا يبدو شديد الشبه بمحبرةٍ ضخمةٍ؟’
كانت الشمسُ قد غابت تمامًا عندما فرغ الجميعُ من غمس سبّاباتهم. الفيلُ بدا منهكًا ومشوّشا. على تلك الحال نام مهشّما كبلّور رخيص. لكن فيلا محبَطا لا ينام إلاّ ليركض في المنام باتجاه قمة جبلية قبل أن يرمي بنفسه إلى قاع دوفر صخري، مدوّيًا بقوّة مرساةٍ ضخمةٍ تسقط في مياه متجمّدةٍ.
صباح اليوم الموالي استيقظ التونسيون منهكين ومكدّرين بمزاج أقرب إلى مزاج من رأوا كابوسًا جماعيّا، حيثٌ فيلٌ رضّه الألم يقفز في المنام إلى هوّةٍ صخريةٍ، فيما صوتُ ارتطامه بالصخور يُدوّي بشكل يسمح بسماعه في اليقظة بدون أيّ مشقةٍ.
11,5 مليون تونسي استيقظوا صباحَ الرابع والعشرين من تشرين الأوّل من العام 2011 فاقدي أنيابهم. أمّا بخصوص الصيادين، فعلاوة عمّا غنموه من عاج ثمين فقد باتوا يتحدّثون باسم الفيلةِ لقاءَ 3000 دينار، شهريّا، لكلّ صيّادٍ.
(4)
سأفترض أنه لم يسبق لك أن سمعت بقصة الدمى نازعة الأحزان:
في بعض القرى المنسية في جبال غواتيمالا تُصنع دمى صغيرة مقدّسة. مدسوسةً تحت الوسادة، يُفترض بالدمية أن تمتصّ حيرة النائم، قلقه، شكوكَه وآلامه. وحتى ديونه إن كان ثمّة من ديون وحملها بعيدًا جدّا.
على هذا نكونُ غواتيماليين أكثر منّا تونسيين. فقد صنعوا لنا دمى في وقتٍ وجيز. دمى صغيرة إسمها صناديقُ الانتخاب موزعة على مئات مكاتب الاقتراع. لكنّ الدمى التي أوهمونا بأنّ لها مطلق القدرة على مصّ أحزاننا فعلت بنا الأفاعيل. فقد سمّمت نومنا حتى دُمّرت في أحلامنا مساحاتٌ شاسعة من الغاباتِ الخضراء. الأشجارُ صارت تيبس وتموتُ وماءُ المنام بات ملوّثا بالأكاذيب. أمّا الكائناتُ التي طالما تنفست من خلالنا فقد هجرت مناماتنا إلى الأبد.
(5)
‘ذلك القطيعُ الحذرُ
سوف يخرج عاجلا أم آجلا.
الدخانُ الذي أطلقته المسرّاتُ
لابدّ أن يصيبه بالعمى والجنون.
آنها سيندفع الزيفُ في الينابيع
ويشربُ الجميعُ، ملائكة وشياطين، من النبع ذاتهِ’.
(6)
الحق أقول لكم، حيثما تكون الثورات المغشوشة تزدهر تجارة العاج. ذلك أنّ دخان المسرّة لا يفوّت أحدًا إلاّ وأغواه بالخروج من مكمنه. شعبٌ كامل أعمته الغواية عن ملازمة الحذر، فالماءُ على مقربةٍ والخبزُ أيضا. الحرية والكرامة…
لكنّ الدخان تبدّد في الهواء. في الأثناء، الفيلة التي تدافعت معلّقة أبصارها إلى السماء حيث غيماتُ المسرّة تمضي مبدَّدة، تنبّهت، إنما بعد فوات الأوان، إلى كونها صارت في العراء.
فيلة كثيرة سقطت من الاعياء، وأخرى حالفها الحظ بالوصول إلى حيث طمحت دائمًا. أمّا تلك التي طالما أثارت الرعب بنهيمها وخبط أقدامها، فقد انتهت مقلوعة الأنياب في دور ثقافةٍ مهجروةٍ واتحادات كتّاب مشبوهةٍ ونقاباتٍ مغشوشةٍ.
الحق أقول لكم، هؤلاء الذين قايضوا أنيابهم بالطعام والشراب هم شرّ البريّة. إنما ليسوا أشرّ من أولئك الذين، لقاء دنانير زهيدة، يحبّرون قصائد عن ثورةٍ هم أوّل العرفين كونها مغشوشة.
النائمُ وحدهُ ‘انزلق بنظره فوق هؤلاء جميعا مثل كلب يسرح بنظره بعيدًا من فوق الظهور المتلاصقة لقطيع من الغنم’.
في النهاية ما الذي يرجوه فيلٌ داجنٌ من نفسه؟ ما الذي يرجوه وطن؟ ما الذي يرجوه فكرٌ؟
‘ شاعر تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية