تمر بالطريق، تحاول ان تتجنب رؤية المارة، فتقع عينك على طفل يبيع الجرائد على اشارة المرور، تحزن، وتدفعك رجلاك بسرعة، وتقصد ان تكون عيناك في الشارع، فتصحو على جعجعة سيارة قديمة توقظك من سهوة عقلك فجأة بصوت زامـــــورها القــــوي، تنظر يمنة ويسرة، تخاف ان يكــــون السائق قـــد فقد فرامله وتسير، وترى امرأة متقدمة بالسن تضع النعنع والميرمية على ضفة الطريق، تدلل عليها وتلمع بذهنـــك فكرة، تحاول ان تقدر القيــــمة المــادية لما تعرضه هذه المراة فتجدها تعمل برأسمال يومي مع الارباح لا تتجاوز العشرة دولارات . تصل بيتك بكل صعوبة وتعقيد، فترى اصوات تنبعث من جيران فجرهم ضغط اليوم الثقيل، فينفجرون بانفسهم، وتدفع باب بيتك وتدخل وتحاول ان تأخذ شهيقا طويلا تظن نفسك قد تجاوزت مصادر الالم المتناثر في واقعك المحدود لتقع مرة اخرى بما هو اصعب . تطرح رأسك على وسادة النوم وتفكر في الذهاب الى قريتك كي تريح اعصابك من كل هذه التوترات، فتفكر في اشياء تكون بانتظارك على مرمى الخيال، تصعد الى مركبة الباص، وتنطلق بصعوبة بالغة كأنها جاءت من المصنع الذي زارته للمرة الاخيرة في العام 1950 ويصبح لديك شعور بانك انت الذي تحمل المركبة وليس العكس، وتسير قليلاً فيطالعك برج مراقبة اسرائيلية له فتحات سوداء، تخاف ان تنطلق منه رصاصة طائشة وتكون انت ضحية هذه الرصاصة، يبطىء الباص اكثر كلما جاء على نقطة عسكرية حتى يصل الحاجز الاول، يا لها من رحلة، تسمع فيها قرقعة مزعجة لعجلات الباص وهو يسير على الخطوط التي حفرها الاسرائيليون في الشارع بالقرب من الحواجز العسكرية، تحس معها بامعائك تقفز من حنجرتك ثم يعيدها التفاتك لممر للمستوطنين يأخذون سوالفهم على جوانب رقابهم كأنها كلبشات جاءت من وراء الكون. وكذا يحصل مع الحاجز الثاني فالثالث فالرابع فالخامس فالعشرين، حتى تصل الى مدخل مدينتك لتنقلب معها الصورة الى ما يشبه بقايا الحرب الطاحنة، انها الحفر المزمنة في مدخل المدينة والشوارع المأكولة والتي تصطف عليها السيارات الخاصة والحكومية، واشجار الزينة فيها تراها مغبرة كأنها بدوي خرج لتوه من قلب الطوز في الصحراء فتنقبض قليلا قليلا ويضيق بك المكان مرة اخرى . انها رحلة البحث عن الراحة وليست رحلة البحث عن الاستجمام، تلك التي تأخذك من مكان عملك في مدينة يأكلها واقعها الى طريق تعج بالمستوطنيـــن والحواجز العسكرية وابراج المراقبة الاسرائيلية، يجعلون منك صيداً سهلا لمن يعتمرون قبعاتهــــم ولمن يـــزدرون الانسان ثم يحاولون ان يلقوا به في الريح، فترتمي او تكاد! خليل العانيني ـ رام الله فلسطين