ثلاثة أعمار من الثورة السورية

حجم الخط
0

في ذكراها الثالثة، تتدافع صورها في الذاكرة كأنها حكاية ألف جيل. تصطف ألوانها، وأصواتها، كعراضة من الفرسان تهب مع ريح الصباح محملة بالفخر والبهجة، بالنشوة والثقة، قبل أن يقترب الركب كاشفاً عن عرش من دماء، وعن قوافل الشهداء تمر ههنا على ضفاف القلب محملة بجرار المآسي، وبجواهر الحلم الثمينة. ما أعظمكِ وما أبشعكِ.. يا ثورة للحياة غصت جيوبها بالموتى.
* * *
قبل دهر، كان العمر مسقوفاً بطين الذل، وكان القهر يتمشى في البلاد كأنه سيد الحكاية، وكنا نلمل نثرات الضوء من فم العتمة، ونمضغ علف العيش كي لا تكسر قبضة الطاغوت وجه رضانا. لا مصير بين يدينا، لا عز فوق أكتافنا، لا بصيص حلم يغمز لنا في بيادر المستقبل، لا شيء سوى ابتسامة الطاغية ترمي صدقتها علينا أن لا تجزعوا فالجلد ليس لكم اليوم، وأن لا تفرحوا فالجلد سيأتي في أي حين.
كان علينا أن ننتظر فتنة البراءة، أن تركض أقدام الطفولة العابثة في دهاليز الليل، وتلطخ حائط هزيمتنا بالكلمة الساطعة: ‘الشعب يريد إسقاط النظام’. الكلمة الدين، الكلمة الأمانة التي سافرت بين مزارع القهر، وحملتها شعوب فأنّت من ثقلها. حملتها الأكتاف الصغيرة، وصبّتها فوق رماد صمتنا، فاشتعلت الحكاية ‘ومن حوران هلّت البشاير.. لعيونك يا شعب يا ثاير’.
تفجر الصوت المخنوق منذ ولادته، زوابع من الصراخ تصاعدت من كل فج عميق. وكأن ذاكرة الولادة صحت مرة واحدة ليكتشف المطمورون في قبو الهامش أن الموت لم يحن بعد، وأن أجسادهم المكبلة مازالت عامرة بالوجود. نهض الهتاف في اللاذقية وبانياس وجبلة ودير الزور والقامشلي وحماه وحمص وريف دمشق ودمشق، غير أن قلب القيامة كان ينبض بقوة في سهول حوران، القلب الذي حملته بعد ذلك حماه ودير الزور، وزرعته حمص في صدرها، قبل أن يتناثر قلوباً صغيرة من الشمال إلى الجنوب.
هل كانت ساعة رعب للمعتوه في قصره حين سمع بأن القطيع الذي ورثه عن أبيه نطق رفضاً! هل أشعلت زمجرات ضباعه الخائفة ذاكرة القتل فيه، أم أن دماء الجريمة كانت تعربد في عروقه بانتظار لحظة السفح، بانتظار لحظة يثبت فيها أن صمت القبور الذي أطبقه والده فوق البلاد والذي نال تحت عباءته بلداً وشعباً كاملين بلا نقص، لا يقلل من لياقة الذبح لديه، ولا يجعله أقل أنياباً من عظام أبيه التي مازالت تحكم من تحت التراب. هكذا من بطن رعبه ونقمته أخرج جراب الطاغوت وأطلق منه كل ما كان قد كدّسه أبوه من شعوذات. خلائط من العنف والخبث والكذب والسادية والاحتيال والترهيب حملها زبانيته من خفافيش الظلام وطاروا لينشروا كحل لؤمهم فوق البلاد.
* * *
رغم جنون السفاح وزبانيته، لم تكترث الحشود الهادرة بالحب والأمل. محاصرة في درعا، ومكبلة في حمص، ومقصوفة في حماه واللاذقية ودير الزور، ومجتاحة في ريف دمشق، ومستباحة في جبلة وبانياس ودمشق وحلب. لم تكن الحشود تكترث باللحظة القادمة، فحكاية المجد باتت ابنة الحاضر، والحرية التي ظلت غصة في حلق الحكايات المكتومة تناثرت قصائد من ياسمين وفرح.
غير أن عباءة الموت التي غطت شعباً بأسره لم تكن تتسع للعقل، وسيف الجلاد الذي راح يقطع أعناق الورود المنتشية بالفرح بتر شريان السلام. لم تكن البراءة لتهز عفن الضمائر، وما كانت ضحكة الأطفال ترعب الرصاصة الراكضة من فوهة البندقية لاختراق الروح. هل كان عيباً على الورد أن يخرج شوكه ليحمي رحيقه؟ هل كان على الآباء والأمهات أن يشهدوا انطفاء بهجة أيامهم بيدين مكبلتين؟ وهل كان على البيوت أن تنتظر دخول ذئاب القرون الوسطى لتنتهك كل ما قدسته البشرية مذ كانت؟ وأي حقيقة تلك التي تسأل الأحياء أن يقبلوا بالموت بعيون مغمضة، وأي ثائر ذاك الذي يريد أن يكون قديساً مُسَلّماً بحكمة الشر المنتصر؟
لكن صبراً أيتها الثورة، فالجالسون على ضفاف خيالهم سيرونك مزيفة، والغارقون بأيامك الأولى سيرونك منحرفة، واللاحقون بركبك بعد الدمار سيقولون عنك كافرة، والبائعون لألم أهاليهم سيسمونك مغارة علي بابا، أما الحاقدون على رجفة العشق في حشودك فلن يوقفوا ثعابين كيدهم عن نهش الصباح. صبراً أيتها الثورة وإن لم تتركي إلا الصبر لنا، لم تتركي لنا إلا دخان النار الأولى، وقلوباً ملوعة بالشهادة والجراح والتشرد والاعتقال، وعقولاً تسأل عمن أتى بك إلينا، ومضى بالعالم بعيداً عنا.
* * *
يا أيتها الثورة الراقصة فوق الخراب، كيف يموت الناس ولا تموتين، ويخاف الناس ولا تخافين، ويُهزم الناس ولا تُهزمين، يا أيتها الثورة المبللة بدموع الأمهات، المجلجلة بعذابات الأطفال، المنتهكة بصراخ المغتصبات، المفجوعة بقهر المعتقلين واللاجئين والجائعين، كيف لك أن تسحبي في ركابك كل زجاج أرواحنا ولا تُكسرين! وكيف يا أيتها الثورة، فقط لو تخبرينني، كيف خلقك الناس فأعدتي خلقهم من جديد، وكيف نفخوا فيك الروح فمنحتهم روحاً جديدة، وكيف تجاوزتِ نفسك وتجاوزتِ ناسكِ حتى كان لك أن تستمري بعد أن دق اليأس إسفينه في قلب الأمل!
* * *
لا برد يقترب من هذا الوطيس، لا ابتسامة تخالج وجه طفولة الخيام، لا عمر يتسع للحزن على الراحلين، لكن بشاعة السفاح مازالت جديرة بكسر الرأس كي يكون للطفولة أن تفتح أبواب الجمال، وظلام السجون مازال جديراً بمغامرة إشعال الشموع، وأحلام الشهداء مازالت جديرة بمستقبل يمتد بساطاً أحمر لأمجادها وبطولاتها، للوصية المعلقة في عيونهم عند شهقة النزع الأخير، حتى وإن كان طال احتدام الوجع، وحتى وإن ظل البكاء على رحيلهم سكابا.. ‘سكابايا دموع العين سكابا.. على شهدا سوريا وشبابا’.
كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية