‘سلم إلى دمشق’ شغف السينما يحاور شغف الحرية

حجم الخط
0

باريس ـ ‘القدس العربي’ ـ من احمد صلال: قلة هي الإنتاجات السينمائية السورية خلال السنوات القليلة الفائتة، أفلام اشتغلت على إبراز وجهة نظر النظام في الفضاء الكلي، موظفة اللغة البصرية والشخوص والصورة في إطار سياسي صرف، أساس هذا الإنتاج إنتاج سينمائي سلطوي، ويحمل بصمات النظام في كافة النواحي.
الموضوع في الجانب المؤيد للثورة السورية كان الطاغي على باقي الجوانب، وذهبت فرصة إنتاج سينمائي جديد أدراج الرياح نتيجة غياب التأليف السينمائي لصالح حضور الخطاب الأيديولوجي بغية التأثير على المتلقي، ويبدو الأمر مشرعناً، ولكن ما يفقد هذه الشعرية غياب الفن لصالح غلبة الأيديولوجي.
هذا الحوار والتحاور بين ضفة مؤيدة وأخرى معارضة، وغياب الفرادة الفنية لصالح صعود الأيديولوجي وإن كان غير أخلاقي بالأول وأخلاقياً بالثاني، بين هذا وذاك أعلنت بعض الأفلام عن وجودها الفني المتحيز للأخلاقي بلغة سينمائية متفردة، واشتغل مخرجو هذه الأعمال على التوفيق بين الموقف السياسي والفني الجمالي في محاولة لخلق بيئة فنية تقارب ما تعيشه البلاد، وهذا ما منحها وجودها القوي عبر المزاوجة بين التأليف السينمائي الفني والجمالي من دون التفريط بموقفها السياسي، وقد حقق هذا النوع ترحيباً خاصاً سواء عبر النقد التخصصي وصفحات الصحف والتلقي النقدي الاجتماعي والمهرجانات العربية منها وحتى الدولية، وهذا دليل على صحة المنتج الفني، باستدلالات أقل ما يقال عنها أنها مؤشرات واضحة.
الفنان السينمائي السوري محمد ملص وعبر فيلمه’سلم إلى دمشق’، الفيلم الذي طاف في عديد المهرجانات وعرض في صالات خاصة، ولاقى حفلة نقدية، بين مؤيد وآخر معارض، من الممكن أن نقول عنه انه من أروع ما أنتجته السينما السورية في الآونة الأخيرة، حيث عناصر التألق تبدأ من الموضوعة السينمائية المطروحة ولا تنتهي مع تأليف سينمائي لا يقل روعة عن روعة الطرح.
البيت الدمشقي المغلق ينفتح على حدث تشهده البلاد، بيت للطلبة القادمين من كل أنحاء التنوع الحضاري في سوريا، يقطنون هذا البيت حيث تتناهى إلى مسامعهم هتافات الحرية الصادحة في الخارج ويرد عليها النظام رصاصاً، المشهد الأكثر إرباكاً في الفيلم يبدأ مع قصة غالية، الشابة التي تتقمص شخصية صديقتها زينة التي يعتقل والدها نتيجة آرائه السياسية، الشابة التي تتقمص شخصيتها تغرق في البحر، على خشبة مسرح وهي ملتفة بالأبيض، تنجح في أداء المشهد بمنتهى الورعة، مما يدفع فؤاد الملقب بسينما لملاحقتها أملاً في إنتاج فيلم عن هذا التقمص النادر.
الكاميرا تنتقل إلى مدينة طرطوس، حيث تقصد زينة مسقط رأسها، والدها العسكري المتقاعد قسراً، يجلس أمام التلفزيون يتابع خطابا للرئيس المنتفض ضده بشار الأسد، هنا وبلهجة أبناء الساحل يصاب الأب بالملل والسأم، ويلقي عبارة مكثفة ومختزلة تظهر كذب النظام وأذيته للكل، وبلهجة الطائفة التي ينتمي لها الرئيس.
حسين وفؤاد ورينا ولارا ونوار وزياد، القادمون من الساحل والجولان والسويداء وفلسطين وينتمون لطوائف متعددة، يقطنون بيت أم سامي الدمشقية، ويشتغلون بين نحات وصحافي وشاعر وملاكم ومصممة إعلانات.
هذه الأجواء البصرية هي الأجواء التي يعالج عبرها ملص الأحداث التي تعيشها البلاد عقب اندلاع الثورة، من خلال تأن موضوعي وانتقاء بصري شاعري، ليس غريباً عن صاحب السرديات البصرية في السينما السورية، حيث أن حيوات مجموعة من الشبان السوريين من مختلف الانتماءات في بيت دمشقي، سيناريو مثالي لمقاربة اللحظة الأحرج في التحولات السورية، وكل ذلك عبر مونتاج فني جميل.
‘سلم إلى دمشق’يفرد الثورة السورية على تفصيلات فنية قوية ومتكاملة، همها المعيشي والسياسي والاجتماعي في حياة شباب الثورة السورية، وكل شخصيات العمل تتحاور بغض النظر عن مواقفها، والسلم الفني يصعده الكل من أجل حياة أفضل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية