لعبة التعاشيق والمجاورة.. في روائح الزمن الجميل
مني عارف تغازل الإبيجراما :حسن حامدلعبة التعاشيق والمجاورة.. في روائح الزمن الجميل وكأنها تقوم ـ عن عمد ـ بإجراء عملية جراحية لترميم الذاكرة التاريخية، سواء علي المستوي الخاص لذاتها، أو المستوي العام للوطن، تفتح الأديبة والكاتبة الصحافية مني عارف صندوق الدنيا، في مجموعتها القصصية روائح الزمن الجميل ، لتستدعي ذكريات الماضي، ذلك الصندوق الذي يشبه مغارة علي بابا، ما إن تلقي عليها كلمة السر حتي تفتح أبوابها علي كنوز العمر، ومقتنيات أهم وأغلي اللحظات.التيمة ـ بداية ـ تكاد تكون تقليدية في ظاهرها، بل هي وسيلة مباشرة للرجوع إلي الوراء، بكل ما يحمله من تفاصيل صغيرة، وبكل ما يثيره من مشاعر وهواجس وأحاسيس، ومواقف ربما شكلت أهم المحطات في الحياة، إذ ليس أسهل عندما نريد التحدث عن الماضي، من أن نلجأ إلي فتح السحارة ، والتقاط العلبة المغلقة المحفوظة بها، ثم نفتح هذه العلبة ونلتقط ما بها من أشياء، قد تكون صورا أو خطابات أو قصاصات ورقية أو كما تقول مني عارف: هذا صندوق الكنز، فيه كل ما خف حمله وغلا ثمنه، ابتسامات، ضحكات، آهات، أحلام، أمنيات، عبارات رقيقة كتبت علي أوراق الشجر، حروف أسماء حفرت علي قوالب من الطوب الرخامي، طوب السيجة، أشكال آلاف القلوب البريئة، وردة حمراء جفت أوراقها علي مر الزمن وإلي غير ذلك من محتويات هامة وثمينة، تفرد لها القصة الأولي من المجموعة، بعنوان صندوق الدنيا ، ذراعيها. سهولة المعالجة التي قام عليها البناء القصصي بهذه التيمة، تستند إلي أنه ليس منا من لم يقل أنا فتحت صندوق الذكريات، وأخرجت منه كذا وكذا، وتذكرت كذا وكذا ، ليس فحسب علي مستوي الكتابة الإبداعية الذكورية أو النسائية، بل ربما نجده أيضا علي مستوي الكلام الشفهي الذي يتناقله المبدعون والمثقفون وأيضا العامة، وهذا معناه بشكل سطحي، أن مني عارف لم تجهد نفسها في البحث عن معالجة جديدة لما تريد أن تفصح عنه أو تستدعيه علي لسان الماضي، ولم تبتكر نسقا فنيا جديدا لاستعراض ما سيقوم عليه البناء القصصي بأكمله فيما بعد.أقصر الطرقربما يري البعض أن الكاتبة اختارت أقصر الطرق، لكن هذا الاختيار في رأيي له دلالة إبداعية عميقة، تصب في صالح موهبة مني عارف وليس العكس، وتؤكد أنها موهبة فطرية أنثوية تؤول بنا من فكرة المعالجة المباشرة إلي معالجة إبداعية تتخذ نسقا مبتكرا، فتصبح جديرة بأن نحلل جوانبها ومبادئها وقوانينها الفنية. وأذكر أن الفكرة ذاتها، فكرة المعالجة المباشرة التي تتخذ نسقا إبداعيا مبتكرا، قد لجأ إليها الكاتب فتحي سلامة في روايته النيل يجري في دمي ـ ذكريات إنسان يتحدي المرض ، وفيها روي وهو علي سرير المرض ـ بتلقائية لافتة للنظر ـ تجربته مع المرض ورحلة علاجه بمستشفي الأولدكورت بلندن، وكنت أنا من أعدها للنشر ونقلها كتابة.وقد اعتمدت هذه الرواية في الأساس علي نقل تفاصيل التجربة بعشوائيتها وطبيعيتها، كما حدثت دون أدني تنقيح، بحيث تبدو هذه الطبيعية هي نسقها الابتكاري، بهدف أن يعيش القارئ التجربة وكأنه بطلها، ولنا أن نتخيل مريضا يتكلم ويروي، فنجد صوته أحيانا ينقطع، وأحيانا أخري يغيب، وأحيانا ثالثة يكرر ما رواه وهكذا، وكذلك قد لجأ إليها محمد جبريل في روايته الحياة ثانية ، والتي يروي فيها أيضا تجربة المرض التي مر بها وغاب فيها عن الحياة وعاد ثانية.اللافت أنه إذا كان المرض قد فرض علي مثل هذين التجربتين وغيرهما، نوعا من التسليم والانصياع لما يفرضه الواقع علي الخيال، من كسر وتحجيم وتضييق، وفي المرض لا مجال للبحث عن ابتكار إذ يتجلي الضعف الإنساني في مطلق مستوياته، عضويا وذهنيا وإبداعيا، بحيث يتحقق الإغراء السردي من خلال تقنيات وفنيات بعيدة تماما عن الخيال، ذلك الذي يعتبره النقاد والمبدعون معا ملاذا للعمل الجيد، فإن السؤال: لماذا اختارت مني عارف المعالجة المباشرة، كتقنية تقوم عليها مجموعتها القصصية التي تتناول ذكريات الطفولة والصبا والكبر، ورحلة العمر بما فيها من إضاءات، وهي تجربة مختزنة بمشاعرها الحية في النفس ولا علاقة لها بالمرض؟.الطزاجة الفنيةالسؤال يفضح عن سره حين نعود إلي جملة البداية وهي أن مني عارف تجري عملية ترميم للذاكرة الإنسانية داخلها، وهي في ذلك لا تحتاج إلي أكثر من أن تفتح هذه الذاكرة، بطريقة بسيطة ومباشرة، وبتلقائية ترتبط ارتباطا وثيقا بمخزونها الإنساني الذي يتدفق في سهولة ويسر بمجرد أن تستدعيه، كما أنها في ذلك لا تحتاج أيضا إلي استخدام تقنيات فنية غير تلك التي تحقق لها مستوي من البكارة والطزاجة الفنية لكتابتها الإبداعية. ولأن التجربة إنسانية تخص الذات بدرجة أكبر مما تخص العام أو الوطن، فقد ابتعدت عملية الترميم عن التاريخ العام، وإن كانت هناك إشارات ولمحات عن الحياة زمان، وكأننا نشاهد فيلما سينمائيا تم إنتاجه في الأربعينات أو الخمسينات، كيف كانت هذه الحياة وكيف أصبحت، بحيث يرتفع الوعي السياسي والوطني من خلال الذات فحسب، وليس من خلال المجموع، كما نجد في رواية وردة لصنع الله إبراهيم، أو لدي صبري موسي في فساد الأمكنة ، أو جمال الغيطاني في الزيني بركات ، أو سلوي بكر في كوكو سودان كباشي ، أو نجيب محفوظ ومحمد جلال ومحمد جبريل وغيرهم في كثير من رواياتهم التاريخية. ويمكن القول إن مني عارف عوضت تلك السهولة واليسر في عملية الترميم التي أجرتها لذاتها عبر المجموعة، بالإفادة من فن الإبيجراما لتحقق بكارتها وطزاجتها الفنية، وهو فن يعتمد في الأساس علي التعاشيق والمجاورة، لنصوص قصيرة مركزة العبارة ومكثفة المعني، بحيث تبدو وحدة النص بمفردها ومضة خاطفة، تكاد تماثل البرق الخاطف في بوحها وتنويرها وإضاءتها للذات نحو الخارج، وفي إضاءتها للخارج نحو الذات، وتتجلي عملية الإبراق في المفارقة واللفظ المحدد المعني، وفيما يسمي الصيرورة الزمنية، التي يتخذ فيها القص ترتيبا تصاعديا.ترصيف الوحداتوتستند التعاشيق إلي صورة تشكيلية مجزأة أو متناثرة، تتجمع في تتاليات مرتبة، أوفي وحدات حكائية مرصوفة بعناية، ويعتمد ترصيف الوحدات الحكائية علي إيقاعات التشكيل ذاته، للمشاهد واللوحات السردية، بما يحقق في النهاية ـ كما سبق وقلنا ـ الإغراء السردي في نصوص المجموعة، بما يتضمنه هذا الإغراء من إلغاز وتشويق أحيانا، ومن توجس وإرباك وتوقع ومعايشة من جانب آخر. وأما المجاورة، فهي تتمثل في مجاورة اللغة، لفظا وجملة وفقرة ونصا، وهي في ذلك تخلق أمامنا أربعة مستويات من السير والتوقف والارتفاع والانخفاض، تحقق للمجموعة في مجملها قوانين الصعود والهبوط الدرامي والفني، وعناصر الشدة والارتخاء في الحدوتة الدرامية.وهذه المستويات هي: 1 ـ مجاورة اللفظ للفظ، وتلك هي الأساس في تقديم الكتابة السردية المغايرة، وكلما كانت المجاورة اللفظية طازجة، اتخذ العمل شكلا أقرب إلي الكتابة الشعرية التي تقوم علي جماليات التوافق والمفارقة، وعلي الخبرة الخاصة في اللفظ الموحي والدال، ويتجلي ذلك في نصوص المجموعة، سواء من حيث الشكل، وفيه تتوالي الأسطر متوسطة الصفحات، لا حدود لها من البداية أو النهاية، أو من حيث البناء الذي يقوم علي التجزئة واللملمة. تقول مني عارف في قصة البنت علي سبيل المثال: صورته كانت من الأرض للسقف، كل ما كنت أشوفها، أفتكره لسه واقف قصادي، بالعصاية الأبنوس، وطقم التشريفة، والزراير المدهبة، والطربوش عالي الجبين .وفي هذا المستوي، تمكنت مني عارف من تحقيق نقلة نوعية هامة في الكتابة الإبداعية، إذ بمقارنة سريعة بين مجموعتها الأخيرة روائح الزمن الجميل ، وما سبقها من إنتاج، مثل ليالي القمر ، و أطواق الياسمين ، نجد نضجا في الاحتفاء باللغة، وحسب تعبير الناقد الدكتور صلاح رمضان فإن الاحتفاء باللغة هو وسيلة التعبير المثلي وغايتها السامية، ويجسد ذلك في تفاصيله الصغيرة، نضجا في توظيف الكلمة، ونضجا في توصيف الصورة، ونضجا أشمل وأعم في نسج التجربة الشعورية، فجاء التعبير عنها صادقا شفيفا.وبالمناسبة فإن ليالي القمر التي ناجت فيها مني عارف الطبيعة من حولها، الغروب والسماء وألوان الطيف والأشجار والشمس والبحر والأمواج والنخيل، وغير ذلك مما يمنح الفرصة للقلوب أن تهيم وللنفوس أن تحلق، في فضاء الأحلام والأمنيات، وللعقل أن يراجع محطات رحلة العمر، كانت هذه المجموعة أقرب في الشكل والبناء إلي روائح الزمن الجميل ، بينما اتخذت المجموعة الأخري أطواق الياسمين النسق الشعري، أو شكل الكتابة العمودية، معبرة عن هواجس وأمنيات الهروب من العالم الضيق، المزدحم بالأعباء، لتبدو في كليهما مثالا للروح المقهورة والجسد المطعون بالمعاناة والعذاب، اللذين نمثلهما جميعا.نبض اللحظةويلفت النظر في رحلة ما أنتجته مني عارف حتي الآن من كتابة إبداعية، هذا النسق التصاعدي أيضا، علي مستوي الأعمال الثلاثة، حيث جاء العمل الأول ليالي القمر الصادر في عام 2002، تجسيدا حيا للذات، وحسبما ورد في أحد حواراتها، أن القريبين منها كانوا ينادونها بدلا من مني بـ مون أي القمر بالإنكليزية، فاتخذت من المجموعة جسرا للتعبير عن ذاتها ووجدانها، واستمدت من اسمها عنوان المجموعة، ولم ينتبه أحد ممن تناولوها بالنقد إلي أن ليالي القمر هي لياليها، أما الثانية أطواق الياسمين ، الصادرة بعدها بعام، أي في 2003، فقد خرجت فيه إلي الآخر، إلي العالم الخارجي، بعيدا عن معاناتها الذاتية، أو حضورها الخاص، لتجسد ملامح عالم آخر نحتاج جميعنا إلي الهروب إليه، لنتحدث بلغة القلب ونبض اللحظة، كاشفة عن ظلال عالم تقيده الأعباء، وتطوق رقبته أطواق خانقة، وإن كانت من الياسمين.2 ـ مجاورة الجملة للجملة، وهي تلك التي تصنع ترصيف الوحدات الحكائية، والتجسيدات الذهنية الحادة، للبنية ذاتها، وفيها يتجلي المعني، حيث تحولات الحياة، وحراك البنية الاجتماعية، وحيث الإيماءات الدالة علي الإيحاء العام، ويتجلي ذلك كله من تجاور يبرز في النهاية كتلة درامية إن صح المعني، أو فقرة، تمثل لبنة في بناء العمل الإجمالي. والغريب أن مني عارف لم تعترف بهذا التركيب، إذ لا توجد فقرة أو كتلة درامية في تركيب النص داخل المجموعة، ليس فقط سوي تجاور للجمل المتعاقبة في تسلسل يسير، يفضي بنا من معني إلي آخر، في تصعيد درامي متشابك، وكأنها تقول إن الحياة التي تقوم علي الحركة الدائبة والاستمرار والسير إلي الأمام، هي نفسها التي يمكن أن تسير إلي الخلف، حين نستدعيها من الذاكرة، بمعني أن الإنسان هو أساس الحياة وهو المتحكم في حركة سيرها، سواء للخلف أو للأمام، وليس العكس، وهنا تمنحنا مني عارف إطلالة فلسفية علي الحياة التي تنهض علي ديمومة الحركة إلي الأمام وإلي الخلف معا. 3 ـ مجاورة النص للنص، وهنا نتجاوز مجاورة الفقرة للفقرة، حيث لا توجد فقرة كما ذكرنا، وتعني مجاورة النص للنص التشكيل الكلي الذي يقوم عليه البناء الفني للمجموعة، وهو بناء تصاعدي يتخذ زمنيا منحي رأسيا، يبدأ منذ الطفولة حتي الصبا والشباب والكبر، ويتخذ منحي أفقيا، يتضمن الأمكنة التي ارتحلت إليها وحلت بها البطلة، بما يكشف عن تفاصيل حياتها في صورة أقرب إلي السيرة الذاتية، غير أن البطلة لا تعتمد سيرتها بقدر ما تروي مقاطع من حياة، تصلح كل منها لأن تكون قصة مستقلة. وتلقائيا، فإن المحصلة الإجمالية لهذا التجاور والخلخلة، علي مستوي الكلمة والجملة والفقرة الملغاة في إطار الديمومة الحركية للنص، تشكل جسد ولحمة المجموعة بما فيها من مغايرات فنية، تقدم دلالتها اللغوية والدرامية، التي تتجاوز مفهوم المعادل الفني.ثلاثة مستوياتوالمتأمل لقصص المجموعة يجد ذلك واضحا، حيث تبدأ مني عارف في استدعاء مخزون الذاكرة من خلال المثير الشرطي الذي يذكرنا بنظرية بافلوف، تلك التي يرتبط فيها تناول الطعام بالضرب، والمثير الشرطي الخارجي هنا في حالة مني عارف، هو ما تلتقطه من داخل الصندوق، وهو ما يثير بدوره ذكري كانت قد مضت، تشق في حضورها ثلاثة مستويات من حركة الزمن، هي زمن التلفظ، وزمن الملفوظ، وزمن الحياة أو زمن الحدث، والمستويات الثلاثة موثوقة الرباط بالأمكنة والفواعل. وتكشف مني عارف عن ذلك في صراحة حين تقول في قصة الألبوم : وللصور حكايات ومواقف طريفة، أبدأ بأولها وأتمني أن تسعفني الذاكرة . أول الخيط هو قصة البنت ، والتي تجسد البداية، زمن الطفولة: بنت عمرها تقريبا سنة، كانت هي الأمل، الحلم بالاستقرار، بالتكرار، ببقاء القسمات وضحكات الوجنات، أول فرحة، الأثيرة، ما هي كانت البكرية . التمدد الأفقي والرأسي المتزامن هنا، يمثل مركز الحركة الدائرية للألفاظ، وهي ألفاظ لا علاقة لها بالمعاني المجردة التي قد يبحث عنها المتلقي فلا يجدها إلا بالإيحاء، ومن ثم تتحول وظيفة الإيحاء، من التشبيه اللغوي إلي التقريب المعنوي، ومن التصوير الخيالي للحالة الدرامية إلي تجسيدها الحسي. والحديث عن المفاهيم والمعاني المجردة يؤول بنا إلي الحديث عن المعاني المتحولة في نصوص المجموعة، وهي ملاحظة جديرة بالتأمل في أسلوب الكتابة الذي لا أقول تتميز به مني عارف، خاصة وأن الكتابة أسلوب كما يري ميخائيل باختين، وطرحه جيرار جينيت في كتابه خطاب الحكاية ـ بحث في المنهج ، إنما أقول اختارته ليكون بصمة لها وصوتا خاصا، ويبدو ذلك بشكل خاص عند المقارنة بين أسلوبها في الكتابة الصحافية وفي الكتابة الإبداعية، حيث تضفي الثانية علي الأولي ظلالا من حياة تحتضن كينونتها وخصوصيتها واستقلالها الإبداعي، الذي لا يقترب أو يتشابه مع أي صوت نسائي آخر. والمعروف أن الشفافية والصدق والعبوس والنبل والخيانة، هي جميعها معان مجردة، تصل للمتلقي بسهولة، ويراها في صورتها الحقيقية لا المزيفة كما يري الألوان الأصلية، الأزرق هو الأزرق وليس المركب من الأصفر والأخضر مثلا، والأخضر هو الأخضر وليس المركب من الأزرق والأصفر، حتي أن هذا المتلقي يمكنه أن يري اللون المركب دون أن يحتار في تحديده، كالزهري مثلا.دلالات جديدةأما المعاني المتحولة فهي مثل تلك التي تبذل مني عارف فيها جهدا لغويا لتأصيلها عبر هذا التحول، لتفيد من ذلك في استنبات معان جديدة ذات دلالات جديدة ومغايرة، وتبدو المفردات اللغوية هنا وكأنها عجينة لينة أو مولودا طيعا أو كيانا بكرا، تشكله كما تشاء، وهو ما يحقق فكرة توالد المعاني وتكاثرها ونموها من ألفاظ قليلة. في هذا الإطار يمكن تفسير التداخل الكبير الذي نجده واضحا بين الفصحي والعامية، في معظم نصوص المجموعة، خلاف المجموعتين السابقتين، فيبدو هناك مزج فني يعكس الرغبة المتعمدة في التأكيد علي هذا النسق أو هذا الأسلوب من الكتابة، تقول مني عارف مثلا في قصة أستاذ عبد الجليل : أحببناه جميعا لأنه بطيبة قلبه كان يسامحنا علي شقاوتنا، ويحزن لو وجدنا خارج الفصل متذنبين، ويشفع لنا عند باقي المدرسين، كان يفر من عينيه الدمع لو سمع خبرا يغم ويحمر وشه مثل الجمر، الناس، الأيام دكها، كانوا معجونين بالحنية، كانت تكفيهم لقمة عيش هنية، لا منح، لا هدايا، ولا حتي دروس خصوصية . هكذا يتجلي التداخل والمزج بين الفصحي والعامية ليكشف من باب خفي عن معان متحولة، ويمكن للمتأمل أن يكتشف ذلك، حيث تبدأ الفقرة في ذكر سمات ومميزات الأستاذ عبد الجليل، وهو أحد الذين قابلتهم البطلة في حياتها واستقرت ذكراهم في القلب، وهم عدد كبير من الشخوص الذين بقوا رغم مرور السنين والأيام، منهم عم حبيب، وقارئة الفنجان، وصاحب القمري، وفج النور، وغيرهم، ثم تتحول الحالة الفنية الخاصة التي ترتبط بالبطل عبد الجليل، إلي وضع عام عن الناس زمان، حيث اللقمة والعيشة الهنية والبساطة والرضا بالمقسوم، ثم يتحول الوضع العام القديم إلي حاضر حي بتفاصيله الصغيرة وبسلبياته وعيوبه، حيث التكالب علي الحياة الدنيا والجري وراء المادة والقفز فوق القيم والأخلاق. هذا الحال يعطي الانطباع بأن مني عارف تدرك جيدا ما تفعل، حيث تعرض عن تركيب لغوي سردي تقليدي، حتي مع بداية كل قصة، حين اختارت أن تبدأها بمقطع غنائي، وفي الوقت نفسه تعرض عن تزيين هذا التركيب السردي اللغوي، لصالح الصورة الدرامية، كتقنية فنية تمثل أحد عناصر التشكيل النهائي للنص، فتبدو وكأنها تكتب كما تتحدث، في فمها وفي يدها تختلط الألفاظ وتمتزج الفصحي بالعامية، وربما بكلمات من هنا وهناك من لغات أخري متعددة، فتنتج في النهاية تركيبا لغويا قائما في الأساس علي فكرة التحول المعنوي لصالح المشهد، الذي يفضي بنا ـ من جانب آخر ـ إلي قلم نسائي يتمتع بموهبة فنية طيعة وحقيقية، نأمل أن تحقق لنا المتعة والفائدة في أعمال قادمة. ولا يبقي سوي أن نؤكد أن مني عارف في هذه المجموعة القصصية التي تجذب الناقد المحايد إلي تأملها وتحليلها، أرادت أن يكون عملها أنيقا شكلا ومضمونا، فجاءت الطباعة فاخرة ومكلفة، وجاء المضمون جاذبا وليس طاردا، غير أنها لم تكن في حاجة إلي التقديم والتعليق اللذين شارك في كتابتهما اثنان من كبار مبدعينا هما الشاعر فاروق جويدة والكاتب عبد الله هاشم، وكلاهما كان ـ للأسف ـ كمن يجامل عن عدم بينة، حيث كتبا كلاما لا علاقة له بالتيمات والعناصر الفنية للمجموعة، ولا علاقة له بمضمونها، بل إن فاروق جويدة استغل مقدمة الكتاب والغلاف الأخير ليضع بعضا من شعره هو، وراح الثاني يبكي علي ماض ويحن إلي ذكريات فقدها، بلا مصداقية.كاتب من مصر0