توني بن: إقدام عمرو في سماحة حاتم!

حظيت بلقاء السياسي البريطاني الراحل توني بن مرتين. الثانية في إطار العمل الصحافي، حيث كان من أشجع مناهضي غزو العراق ومن أنفذ الأصوات في انتقاد تبعية توني بلير لجورج بوش، فضلا عن ثباته على الحق بشأن القضية الفلسطينية. أما المرة الأولى فقد كانت بمحض الصدفة. وذلك أن دعوة أتتني لحفل استقبال أقامته جريدة ‘الغارديان’ بمناسبة اختتام دورة تدريب كانت قد نظمتها لمجموعة من الصحافيين الشباب من مختلف البلاد العربية.
أعرف مقر ‘الغارديان’ منذ زمن طويل. ولكن الصدفة شاءت أن أخطىء يومها فأخرج من محطة قطار أنفاق غير التي تعودت عليها. وإذا بي فجأة في منطقة لم أعهدها، فأنّى لي الآن أن أعرف الطريق! سرت على غير هدى، مترددا بين الاحتمالات. وبينما أنا كذلك، إذ بشيخ نيّر الوجه يبتدرني سائلا: ‘سيدي، هل لك أن ترشدني إلى مقر الغارديان؟’ كان يرتدي معطفا داكن الزرقة ومحفظته معلقة بكتفه. قلت: ‘تلك هي وجهتي يا مستر بن، فأنا قاصد إلى هناك أيضا ولكني ضللت الطريق’. سرنا قليلا ثم قرر أن الأفضل أن نسترشد. دخلنا إلى فندق. دلّنا الساعي (لم يكن موظف استقبال) كيف ندرك غايتنا، ثم قال: ‘إني أحترمك يا مستر بن ولكني أعارض مواقفك السياسية’. شكره توني بن، ثم أجاب:’ما عليك، فما أكثر معارضيّ!’.
لما علم أنني صحافي عربي، رحب وقال إن من محاسن عصرنا أن الإعلام الغربي لم يعد يحتكر الكلمة والصورة، ولهذا السبب صار الرأي العام العالمي أكثر استنارة. أخبرته، ونحن نسير، أني واظبت على الإنصات لمذكراته التي كان راديو بي بي سي 4 قد بث مختارات منها. كان من مميزات توني بن أنه سياسي مجتهد في التوثيق والتحقيق، حيث دأب على تسجيل مذكراته يوميا على آلة التسجيل الصوتي، بحيث تجمع لديه أوائل هذا القرن أكثر من خمسين سنة من التأريخ اليومي لأحداث السياسة البريطانية والدولية. نصحني بأن أدون مذكراتي قائلا إن عليك أن تأخذ نفسك بهذا النظام اليومي، وإلا غابت عنك أشياء وتفاصيل هي مادة التقاطع بين التاريخ الشخصي والعام.لهذا فإني أستغرب قول بعض المعلقين، عقب وفاته الأسبوع الماضي، إنه كان يسجل كل شيء لأنه كان مهووسا بتخليد ذكره في التاريخ!
أثناء الحفل، حاور الجميع ولاطفهم وجدد الحمل على حكومة بلير. كان فريد جيله السياسي ووحيد طبقته الاجتماعية. سليل أسرة نبيلة يرث مقعدا في مجلس اللوردات، فيتنازل عام 1950 عن هذا الامتياز، بل وعن اللقب الأرستقراطي أصلا، ويؤثر خوض معركة الانتخابات لمجلس العموم مرشحا عن حزب العمال! ظل يفوز في الانتخابات طيلة نصف قرن حتى تقاعد. رجل مفرد بلا سلاح سوى الحجة المقنعة، واللسان البليغ والعض بالنواجذ على قيم ‘اليسار الأخلاقي’. ولهذا بلغ مرتبة المؤسسة في الحياة العامة في بريطانيا، حيث كان اسمه يضاهي شهرة مارغرت ثاتشر، نقيضه الشخصي والسياسي.
إنسان نبيل لست أرى ما ينطبق عليه أفضل من كلمات أبي تمام الشهيرة:’إقدام عمرو في سماحة حاتم’: أي شجاعة المجاهرة بالحق في وجه سلطان الغرب الجائر؛ مع أريحية آسرة وثبات على المبادىء سوف يبقى درسا في الفروسية السياسية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية