د. ثائر دوري
1 ـكانت بضع كلمات نطق بها البرتو فرنانديز، الغني عن التعريف، علي قناة الجزيرة كافية لتنطلق مشاعر الحب المكتوم التي يكنها بعض المثقفين العرب له، فالرجل قضي جزءاً كبيراً من حياته في دمشق وعمان كملحق ثقافي وأشرف، علي ما يبدو، علي نسج علاقات واسعة في الأوساط الثقافية ومع المثقفين عبر الزيارات الدورية التي كان ينظمها لهم الي الولايات المتحدة تحت مسميات وحجج مختلفة. وقد رأينا نموذجاً من المديح الذي انهال علي الرجل في مقالين نشرتهما جريدة “القدس العربي” يوم 31/10/2006. فقد كتب الكاتب العراقي علاء الدين الأعرجي يتغزل بذكاء الرجل ويشيد بتعاطفه مع الهموم العربية، ويجد العذر له لأنه لا يستطيع أن يبوح بحبه للعرب، فيقول: ان هذا الرجل في غاية الذكاء، وهو بالاضافة الي ذلك، يتعاطف مع الهموم العربية ويقدرها حق قدرها، ولكنه لا يتمكن من البوح باكثر مما قال بحكم منصبه الحساس. هذا ما قلته لزملائي ونحن في طريق عودتنا الي نيويورك، معلقا علي المقابلة والحوار معك بعد ان تفضلت باستقبالنا في مكتبك في وزارة الخارجية الامريكية، في واشنطن مع الزميل عهد البكري، مدير صحيفة الشرق في الولايات المتحدة. لكن الصب تفضحه نظراته أو كلماته، وقد فضحت كلمات فرنانديز حبه لنا ولقضايانا، وكل ذلك حسب علاء الدين الأعرجي. لذلك لا يجد الأعرجي بداً من أن يهنئه من كل قلبه، ويعده بوصل قريب، ثم يخبره أن أرواح ستمائة وخمسين ألف عراقي قد ارتاحت لكلماته، لذلك فهي ترقد في قبورها راضية مرضية، فقد وصلها حقها، علي ما يقولون بالعامية الدارجة. يقول الأعرجي: لذلك أهنئك من اعماق قلبي بالنيابة عن الملايين الذين استمعوا اليك وصفقوا لك. اما الاعتذار فما هو الا شغاف شفاف وضعتـُه علي ذلك الجسد الرائع لتلك الغادة الحسناء المعروفة باسم الحقيقة، فزادها جمالا وسحرا وتألقا، فتضاعف شوق الملايين من ارواح القتلي الذين قضوا في هذه الحروب المدمرة، ومئات الملايين من البؤساء والمشردين والمظلومين والمحتقرين، التي رفعها علي الرؤوس، كآلهة تبجل بل تعبد. ثم يسهب الأعرجي بفضائل هذا الاعتراف الفرنانديزي، فيفحصه من كافة جوانبه النفسية والسياسية والاقتصادية حتي كاد أن يؤلف كتاباً حول ما قاله فرنانديز، وربما يفعل ذلك في المستقبل!
أما المقال الثاني فهو لكاتب أردني اسمه مالك العثامنة وقد نشرته “القدس العربي” في نفس اليوم 31/10/2006 في بريد القراء حتي أنه يجوز تسمية عدد “القدس العربي” لذلك اليوم بـ عدد فرنانديز! يقدم مقال العثامنة صورة كلوز آب، بالتعابير السينمائية، للسيد فرنانديز، لأن مالك العثامنة تربطه، علي ما يقول، صداقة بالسيد فرنانديز، فالرجل، حسب العثامنة، ولد في هافانا عاصمة الدكتاتوريات في العالم، ولأن المجرم كاسترو أعدم جده المفوض في جهاز البوليس الخاص بالحاكم الحداثي، الديمقراطي، الوطني باتيستا، فلم تعد الجزيرة التي حولها كاسترو الي سجن تتسع لعشق فرنانديز للديمقراطية، فهاجر الي فضاء الحرية والتعدد وحامية حمي الديمقراطية، نعني الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا هو سر عشق فرنانديز للديمقراطية وكرهه لأي نظام دكتاتوري، ومالك العثامنة للأسباب السابقة الذكر يصدق كل ما يقول فرنانديز (يجب أن نلاحظ هنا أن نظام باتيستا الذي كان جد فرنانديز يعمل بخدمته نظام ديمقراطي جداً، كما أن جيشه ومفوضي بوليسه لم يرتكبوا أي مجازر بحق الطلاب والفلاحين). ويتابع العثامنة رسم صورة فرنانديز، الي حد يصح معه أن نسمي المقال بورتريه شخصي لفرنانديز، فيقول: وكدارس للغة العربية، تبحر فرنانديز في تاريخ العصور الوسطي للعالم الاسلامي، وهو من المثقفين بكثافة فيما يتعلق بتاريخ الحروب الصليبية، وعصور المماليك، وقارئ جيد للتاريخ العربي، اضافة الي شغفه الآخر بالسينما الكلاسيكية الراقية، مما يعكس شخصية ذواقة للفن الرفيع. هذا ما يعمله فرنانديز في حياته الخاصة. أما ما يعمله في خدمة بلده فأمر آخر، ولحسن الحظ فان العثامنة كان صريحاً جداً، فيقول: لكن اكثر ما يميز البرتو فرنانديز كشخص، هو ايمانه المطلق بالتغيير الممكن، وتجاوزه لحدود ما يمكن اعتباره مستحيلا لفرض نظريته حول امكانية تغيير الافكار المتطرفة، ومواجهتها بذكاء انساني، لترتد الافكار المتطرفة علي ذاتها وبذاتها، فتتغير.
وبالطبع فان الأفكار المتطرفة التي يغيرها فرنانديز هي من نوع: التمسك بالحقوق الوطنية، رفض السياسة الأمريكية في فلسطين والعراق، دعم الفكر التحرري المقاوم، الدعوة الي مقاومة الهيمنة الأمريكية……. الخ، وكي لا يتركنا العثامنة نخمن يقدم مثالاً عملياً عن بعض ما أنجزه فرنانديز، فيقول: ذات مرة، ارسل البرتو شابا موهوبا، الي الولايات المتحدة في دورة دراسية، هذا الشاب، كان مرتبطا بحزب التحرير المتطـــــرف، وبوساطة مني وعلي غداء في عمان، قابل البرتو الشاب، وصمم علي ارساله الي امريكا (متشيغان)، واسر لي البرتو حينها ان الشاب موهوب ولامع وذكي، ومن الخسارة ان يبتلعه التطرف، ورؤيته تكمن في ان الشاب لا بد ان يـــــري الشيــــطان الاكبر كما هو، وهو متأكد ان قناعاته ستتغير لوحدها. هذا الشاب، عاد الي الاردن، وهو الآن من اهم كتابها الاسلاميين التنويريين والليبراليين.
وبعد خدمته في الاردن، تم نقل البرتو الي افغانستان، وما فعله هناك، كملحق اعلامي وثقافي، انه كان يرسل المتطرفين المقربين من طالبان الي امريكا نفسها في زيارات دولية، ليعودوا بنمطية جديدة في التفكير، اكثر عقلانية واكثر اتزانا.
أي أن ما يعمله فرنانديز في أوقات دوامه الرسمي ليس مشاهدة السينما، بل غسل أدمغة الشباب والمثقفين عبر الزيارات التي ينظمها لهم، وعبر المنح التي يمنحها لهم. وقد صدق العثامنة في كل ما قاله، ولا أظن أن صديقاً من أصدقاء فرنانديز في سورية ولبنان والأردن وأفغانستان يجرؤ علي كتابة ما كتبه. رغم أننا بحاجة لأمثال هذه الشهادات حتي نعرف عن الرجل أكثر، فنعرف أي دور أداه في التحولات الفكرية التي تشهدها أوساط المثقفين، وما هو حجم العلاقات التي نسجها في مجتمعنا، وكم من الأفكار المتطرفة تغيرت علي يديه، ومن هؤلاء الذين تغيروا، وماذا يفعلون الآن. هل تحولوا الي ليبراليين تنويريين، كما تحول الشاب الذي تحدث عنه العثامنة؟ ـ 2 ـلي صديق يعمل في مجال التسويق وقد سيطرت مهنته علي حياته فهو يعتقد أن كل ما يصرح به السياسيون الغربيون مستمد من مهنة التسويق، كما يعتقد أن كل ما نراه علي شريط الأنباء من أخبار هو من صناعة خبراء التسويق، وضرب لي مثلاً. قال: ـ عندما تريد أن تسوق منتجا، أو عندما تكون مندوب دعاية لمادة ما لا يجوز أن تعترض علي أي انتقاد يوجهه المستهلك لمنتجك، فان قال لك ان منتجك يعاني من مشاكل، لا يجوز أن تجيبه: لا ان منتجي جيد وخال من العيوب، وكلامك غير صحيح. فبهذه الطريقة ستنفر الزبون وتخسره، انما تجيبه بالقول: أنت محق. نقطة. لكن…. وبعدها تعود للحديث عن فضائل منتجك متجاهلاً كل ملاحظات المستهلك، وبهذه الطريقة تكون قد مسحت كل ما قاله المستهلك وتركته سعيداً في الوقت عينه. وما تقوم به الادارة الأمريكية ممثلة بالسيد فرنانديز هو تطوير لهذا النهج التسويقي، فمندوبو تسويق سياسة الادارة أمثال السيد فرنانديز لا ينتظرون أن يقول لهم المستهلك العربي ان سياستهم غبية، وسيئة، وتتسم بالعنجهية. بل يسبقونه لقول ذلك فيسحبون الأوراق من يده بأن يقولوا هم كل ما كان ينوي قوله. يقولون: ـ أعترف أن سياستي كانت غبية وسيئة وتتسم بالعنجهية……. الخ. ـ ولا مانع أن يقول أحدهم بسياسة بلده، أمريكا، ما لم يقله مالك في الخمر، ثم نقطة، وبعدها لكن……. وبعد لكن هذه تتابع كلامك، فتقول: ان أمريكا بلد ديمقراطي يستطيع أن يصحح مساره وما عليك أيها العربي الا انتظار الانتخابات النصفية، فان لم تفلح بتغيير المسار فانتظر انتخابات الرئاسة الأمريكية، فلا بد أن يأتيكم الحل وعلي طبق من ذهب، وبعدها ستنتشر بذور الديمقراطية والرخاء في العراق…. الخ. عندها يبتسم المواطن العربي المسكين بارتياح لأن فرنانديز نطق بلسانه، ووعده بالحل الآتي علي جناح الكونغرس الديمقراطي أو عبر رئيس جديد، وبعدها سينفجر الحب المكتوم في أوساط المثقفين علي طريقة العثامنة والأعرجي. أما السؤال البديهي عن شرعية العدوان والغزو فسيضيع في النقاش حول أخطاء أمريكا التي يستفيض الأعرجي بشرحها. وها أنا أسأل: ـ علي فرض أن أمريكا أثناء غزوها العراق لم تقتل، ولم تدمر الدولة العراقية، ولم تقم بحل الجيش (علي فرض حدوث هذه الأمور مع استحالة حدوثها لأن من طبائع الغازي أن يسلب وينهب ويدمر الدولة التي غزاها) علي فرض حدوث هذه الأمور، التي كما قلنا لن تحدث لأن للأشياء طبائع ليس لها تبديل. علي فرض حدوث كل ذلك، هل كان الأعرجي سيقبل أن تحكم أمريكا العراق؟ فرنانديز موظف متوسط المرتبة في الادارة الأمريكية، وبالتالي فهو جزء من هذه الآلة الضخمة، فلا يمكن له أن يجتهد أو أن يعبر عن رأي مخالف لرأي ادارته، بل لا يمكن له أن يفكر مجرد تفكير برأي مخالف والا لاستقال علي الفور. وتصريحاته تندرج ضمن سياسة التسويق الجديدة التي تتبعها الادارة الأمريكية لسياستها، والتي عبر عنها بوش بالحاجة الي تغيرات تكتيكية أما الأهداف الاستراتيجية فثابتة. أي أن المنتج سيبقي نفسه لكن التغليف سيتغير. ہ كاتب من سورية8