بيضة البطريق

حجم الخط
0

خيري منصور

قد تبدو الكتابة عن بيضة طائر البطريق في هذا الوقت الرمادي، وفي ذروة العنا بين الكوميديا العربية والتراجيديا المعربة ضربا من الفانتازيا، فالشاشات الفضائية ليست مأهولة بكائنات مجنحة، بل بأقفاص لا ندري من الذي يعلف فيها الآخر بالزؤان أو بالحرية، فالسجان سجين، والوطن برمته زنزانة تتثائب بين ماءين، لا يقبلان الجمع، ويفرق بينهما المنبع والمصب.

مقدمة ليست احترازية، بل هي عتبة لا بد منها علي أرض رخوة تستدرج القدمين الي فخ تنغل فيه الديدان.

والمرء وهو يراقب من مرتفع ما، ما يجري الآن حوله بل تحته، يجد نفسه موزعا بالتساوي بين الضحك والبكاء، فلم يحدث من قبل أن تزاوجت الأضداد علي هذا النحو الفريد ووسط صخب هذا الزفاف الدامي، الذي يهمس فيه القاتل بأذن القتيل واعدا اياه، بميتة أخري أشد تنكيلا اذا راوده هاجس القيامة.

ومن شاهدوا فيلم طائر البطريق، أو مارش البطريق لا بد أنهم انقسموا الي فئتين، فئة تسخر من هذه المكابدة المجانية دفاعا عن البقاء، وفئة كالعادة تسعي الي التأويل فتري في بيضة البطريق كوكبا مفلطحا ارتطم بكوكب آخر، فاكتشف نفسه.

ثلاثون درجة تحت الصفر في القطب الجنوبي لهذه الأرض التي حولتها خطط الطول والعرض الي لعبة كلمات متقاطعة يتجمد فيها كل شيء حتي الجليد ذاته، بحيث يضيف الي بياضه غلالة زرقاء تشبه الجسد الملدوغ للتو من أفعي عملاقة.

ولم أكن شأن آخرين قد سمعت بالبطريق الا من خلال التباس لغوي مع الباتريارك أو من خلال اسم لدار نشر بريطانية شهيرة، لكني أذكر أن أحد أصدقائي قال لي ذات يوم بعد أن رأي بالصدفة مشهدا جماعيا لطيور البطريق علي الشاشة، انهم يشبهون أهلنا، بثيابهم الفضفاضة البيضــاء، وبقاماتهم أيضا، اضافة الي طـــريقة المشـــي، وأثـــــــار الصديق فضولي، فوجــــــدت أن عرسا علي بيدر في قريتي قـــبل ثلاثين عاما كان يمكن له أن يقدم مشهدا كهذا، ولكي لا نتــورط بتداعيات تذهب بنا بـــعيدا، دعونا نعد الي البطريق وبيضته شبه الأسطورية، والتي تستحق التأمل والتأويل أكثر من بيضة الرخ أو بيضة الديك.

أكثر من عامين وفريق المصورين يرصد السيرة الذاتية الغريبة لأطرف كائن في هذا العالم، كيف يعيش؟ وكيف يحب ويرقص؟ وأخيرا كيف يقرر الفراق والطلاق عقابا لنفسه علي عدم اتقان حرفته الوحيدة الباقية وهي أن تبيض أنثاه مرة في العام، دفاعا عن النوع وضد الانقراض التي هبت رائحته البيضاء من القطب الجنوبي لهذا الكوكب؟

أنثي البطريق ترقد علي بيضتها الوحيدة فصلا كاملا، في شتاء لا يطيقه كائن غير ذلك الذي ولد من رحم الصقيع، وهي تصوم عن كل شيء خلال هذه الحضانة.

بأم عيني رأيت ذكر البطريق وأنثاه يجريان العديد من التجارب علي كيفية الاحتفاظ بالبيضة لحظة تدحرجها كي لا تسقط علي الجليد.

والمشهد لا يختلف كثيرا أو حتي قليلا عن فريق من الممثلين السينمائيين وهم يكررون المشاهد التجريبية أمام الكاميرا، ثم يطالبهم المخرج بالاعادة بحثا عن الاتقان.

الذكر الحذر يفرش عباءته المنسوجة من الريش كي يتلقف البيضة لحظة تدحرجها، والأنثي الأشد حذرا تبدو كما لو انها تلد ولا تبيض، وغير مسموح للزوجين بالخطأ، انهما أشبه بلاعبي السيرك الذين لا يسمح لهم أيضا حتي بخطأ واحد وهم يقفزون فوق الحبال فاما النجاح والتصفيق وتقاضي الأجر من النظارة أو الموت المحتم.

أصوات غريبة لا تشبه الهديل ولا صلة لها بالنقيق أو النعيق تصدر عن هذا الطائر الواقف علي قدميه، بذراعين قصيرين كأنهما جناحان توقفا عن النمو عند نتوء في الكتف، وحين تشاء المصادفة الأشبه بقدر أن تنزلق البيضة الوحيدة علي الجليد، يفترق الزوجان، لكن بعد عناق حزين يتخلله اعتذار ما، ولا يلتقيان الي الأبد.

أثارني ذات يوم بحث لناقد انكليزي عن الطريقة التي تبيض بها السلاحف، فقد اتخذ من هذه التجربة العضوية جذرا لتأمل شجرة الابداع بكل عناقيدها، وكأن ناقدا آخر قد أسقط الدراما التي يعيشها سمك السالامون المهاجر علي الشعر ورحلته الصعبة التي قال إزرا باوند بأن الزاد والماء وحتي الرفيق يتركون الشاعر بمفرده في عراء الوجود، وعليه أن يبتكر طريقا، بعيون أصابع قدميه، لكن ذلك كله كان محض تأويل واسقاط اذا قورن بالطريقة التي تبيض بها أنثي البطريق، فهذا الكائن شبه الأسطوري لم يعد له ما يفعله علي الجليد وفي أقصي شروط كونية وفيزيائية الا أن يؤجل الانقراض.

لهذا فالبيضة عزيزة، وهو ليس مجرد أرنب أو فأر أو قط يمكن له أن يظفر بمولود واحد علي الأقل مما تبقي.

قد تكون بيضة طــائر البطريق قصيدة ينهمك فيها شاعر مقل وذو دراية بجوهر الشعر عشرين عاما كما فعل لوتريامون وفاليري وقد تكون رواية وحيدة لا سبيل الي الاعتذار عنها برواية لاحقة كما هو الحال لدي لابيدوزا صاحب رواية الفهد، أو الاخوات برونتي.

ان مجال التأويل الأدبي لبيضة البطريق لا حدود له، ولا أدري ان كان قد خطر ببال من اطلقوا اسم البطريق علي دار نشر شيء من هذا؟

لكن التأويل الانساني حتي في أشد أبعاده عضوية يبقي مفتوحا علي مصراعيه أمام هذا المثال النادر.

وقد يكون الاستخفاف بما هو كثير ومتاح متأتيا من الاركان علي التكرار فالدجاجة قد تبيض يوميا، وقد ينتهي بيضها في الأواني أو يفقس كائنات علي غرار سلالته، لكن البطريق، وحيد البيضة، اذا صح لنا أن نستعير هذا الوصف من علم الأحياء وبالتحديد من مصطلح وحيد الخلية دفاع عن الفرصة الوحيدة المتاحة، والمحاصرة بكل أسباب الفناء والموت.

أليست الشعوب التي تعاني أكثر من سواها من قرارات الابادة الجماعية هي الأشبه بطائر البطريق وأنثاه.

لا أدري ما اذا كان التسمانيون أو الهنود الحمر علي دراية بهذا النوع من الكفاح وقد يكونون من المخدوعين بكتب ظنوا أنها تشمل الزمان كله، بما فيه المستقبل، ولأن القاتل الأبيض ليس فيها، فان وجوده شبحي وأسلحته وهمية، وهذا بالطبع شجن انثربولوجي آخر ليس هذا مقامه.

والتجربة الوحيدة التي خطرت ببالي فور مشاهدة هذا الفيلم الآسر الذي يخلو من أي حوار بشري، هي التي ذكرها الشاعر الروسي يوجين يفتشنكو في كتابه شاعر في الثلاثين وهو سيرة ذاتية بقدر ما هي موضوعية عن الحقبة الستالينية.

يقول يفتشنكو أن ستالين أمر الروس بأن يعقدوا زواجات سريعة في محطات القطارات بين الصبية والبنات دون العشرين خلال الحرب، كي يزرع كل صبي صبيا آخر في بطن أنثاه اذا قتل أو أسر.

بالطبع رأي يفتشنكو تلك الواقعة وغيرها من الوقائع بخيال شاعر في ذروة العنفوان والميل الي الاسقاط والتأويل.

هكذا تخيل لي أن كل صبي روسي في محطة قطار وهو يعانق أنثاه كان بطريقا بشريا لكنه محروم من اغاثة أنثاه علي الولادة لأنه لن يكون في تلك اللحظة علي مقربة منها.

ما يقوله طائر البطريق لنا كبشر من خلال حربه الضارية ضد الانقراض، هو أن التفريط يزدهر عندما يكون لدي الانسان الكثير، لكن ما ان تبدأ متوالية الحذف في قضم ما يملك حتي يبدأ بالتشبث بما تبقي، فكلما شح الموجود تعاظمت نزعة ادخاره والحفاظ عليه، وما دمنا بصدد التأويل في بعده المعفي فان رسالة نشرها أديب عربي جاوز الثمانين وهو يعاني من عدم الاعتراف، قد تصلح مدخلا آخر الي هذه القلعة الموصدة.

فهو كما يقول في رسالة نشرتها احدي المجلات العربية، استحق جوائز، واعترافات، ومكانة هي اضعاف المكانة التي وجد نفسه محاصرا فيها.

هو بالطبع، أو علي الأرجح لم يشاهد فيلم نشيد البطريق، لكنه من حيث لا يدري يوحي لقارئه بأن البيضة قد أصيبت لحظة تدحرجها، وان طلاقا ما كان لا بد أن يقع بين الذكر ونفسه هذه المرة.

وقد يبدو هذا الاستطراد في التأويل المعنوي لما هو عضوي افراطا في التخييل، أو نوعا من المقايسة غير المنطقية، لكن الملكوت الصامت للحيوان والطير وحتي للشجر، حرمنا من معرفة أخري هي في الصميم من هذا الوجود، ولا تزال السيدة التي روت لي حكاية شجرة مشمش عجوز اضربت عن الثمر بعد موت عازف القانون الذي كان يجلس ويعزف في ظلها حين كان علي قيد الحياة.

في البداية لم أصدق، لكن حين رأيت الشجرة وأصغيت الي صمتها الأصفر صدقت، وكان علي أن أصدق فيما بعد أن الأشجار تصاب بالقشعريرة اذا لمحت المنشار عن بعد.

ان سينارست مارش البطريق ليس منا نحن البشر فهو الطبيعة ذاتها عندما تجلت في أحد فصولها شبه المجهولة.

في نهاية الفــيلم، افترقــــــــت طيور بعد عناق صـامت وحزين، وفي نهاية الابداع، يفترق العقل عن الـــــقلب داخل الكائن ذاته، لكن بكثير من الثرثرة وقليل من مناقبية الاعتراف.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية