ثورة أكتوبر: بين ام غوركي و بطرسبورغ بيلي
الرواية الاولي دشنت تيار الواقعية الاشتراكية ثورة أكتوبر: بين ام غوركي و بطرسبورغ بيليحلب ـ القدس العربي ـ من أنور محمد: ثمة روايات أسست لذاك التحول الثوري في الأدب الروسي، أهمها رواية (بطرسبورغ) لأندريه بيلي ورواية (الأم) لمكسيم غوركي. رواية غوركي عملت انقلابا جذرياً في الأدب العالمي لما سمي بعد بـ(الواقعية الاشتراكية) بسبب من انفتاحها علي الحياة. لكن الطريف أن بطل رواية بيلي (بطرسبورغ) بلا أم ففسرها النقاد الروس أن بيلي كان واضحاً في موقفه من الثورة البلشفية 1917، وبأنه أراد أن يقول ان الثورة ستكون عقيمة. بينما (الأم) التي حملت رواية غوركي كانت اشارة لثورة (ولود). لكن لا أحد ينكر أن رواية (الأم) كانت ـ اشتغلت أماً ـ لن نقول لملايين الشيوعيين فيما بعد، انما نقول ـ لبضعة آلاف من البشر. رواية أحببناها، وأذكر أنني أول ما قرأتها كان بدافع من أبي، هو اشتري الرواية وأنا قرأتها له. وببدويته ـ وليس ببدائيته ـ أذكر أنه قال لي: انها رواية مليئة بالسياسة، ولو أن غوركي خفف منها (شوية) لكان أبطالها أكثر صدقاً مع ذاتهم، وبالتالي معنا.والدي لم يكن ناقداً، فهو لا يعرف القراءة ولا الكتابة، مثله مثل الملايين من أبناء امتنا الذين يتحسسون الجمال مثلما يمسكون بالبشاعة بحدسهم البدوي. هذا الحدث الذي كان يري في الثورة الروسية ـ ثورة تشرين الاول (اكتوبر) ـ حدثاً ربما يقلب التاريخ علي قفاه، فيعم العدل فوق هذه الدويرة الأرضية، الا أنه كان يردد وبكثير من الألم لو أن الشيوعيين يسلمون .هذا شأن الثورة، الثورة التي اهتمت بالأدب والفنون، كما لم تهتم به دولة في العصور الحديثة. لذلك كثر أدباء الثورة، لا بصفتهم (مطبلين مزمرين) وما أكثرهم في كل زمان ومكان، لكن بصفتهم خالقين، وصرنا نسمع ونقرأ الأسماء: سيرغي بودانتسيف، آرتيوم فيسولوف، ليديا سيفولينا، بوريس بيلناك، سفولود ايفانون، ألكسندر سيرافيموفتش، ليونيد ليونون، ديمتري فورمانوف، زمياتين، فيدين، بولغاكوف، ألكسندر ماليشكين، أناتولي كالينين، يوري بونداريف، جنكيز ايتماتوف، بوريس باسترناك، الذي اشتهرت روايته الدكتور زيفاكو اثر منحها جائزة نوبل للآداب عام 1958، مما أثار سخط القيادة السوفييتية من باسترناك الأمر الذي دفعه الي رفض الجائزة، ومن ثم الي طرده من اتحاد الكتاب السوفييت، الذين اعتبروها رواية ضد الديمقراطية، فيما الغرب الذي منحها الجائزة اعتبرها رواية منشقة ـ عاصية. الي هنا كنا نقرأ، وكنا نسمع و(بس). لكن من الروايات التي شدتنا نحن كجيل هزمته حرب 1967 كما هزمت جيل آبائه، وعلي اثر نصائح من أدباء ومثقفين وسياسيين سوريين، روايات مثل : كيف سقينا الفولاذ، وداعاً يا غوليساري، الثلج الحار، صدي الحرب والغجري، الدون الهادئ، و… (الهزيمة) لفادييف. رواية استأثرتنا، رواية تسرد وقائع كتيبة من فرسان الأنصار يهلك معظم أفرادها علي يد القوزاق، الا أنهم بالبقية الباقية منهم لا يستسلمون، بل يصرون علي القتال. ليس هذا هو المهم في الرواية، وان كان غرض فادييف هو الوصول الي هذه الغاية (التعليمية) الثورية، بل المهم ـ وهذا ما ترك أثراًُ بالغاً، جرحاً في ذاكرتنا ـ هو خيانة المثقف في الرواية الثورية ، المثقف (ميتشك) والذي أنقذه (موروزكا) من موت أكيد. موروزكا هذا تعلقنا به، ليس لأنه عامل يلتزم بقرارات الجماعة ومن ثم ضحي بحياته من أجل كتيبته، مع أن فادييف (حسب تعليمات الواقعية الاشتراكية) صممه خصيصاً لذلك، ولكن لأنه كان بعكس شخصيات رواية الأم لغوركي كان أقرب الينا. لقد كانت الحياة تغلي في أعماقه، كنت تحسه بأنه من لحم ودم، في الوقت الذي لم نحب (ليفنسون) ليس لأنه يهودي، فادييف يعرفنا بأن ليفنسون هذا يهودي وكان عينه قائداً للكتيبة، وأنه من أصول طبقية برجوازية، بل لأن ليفنسون كان (جافاً) كان من حبر علي ورق. ربما فادييف وليس ليفنسون ـ كان حسب الواقع الثوري الجديد الذي آلت اليه ثورة 1917 ـ يتطلب منه أن يفصل مثل هذا القائد الجاف لروايته، فليفنسون مسؤول أمام رؤسائه بأن ينجز النصر ـ لا الهزيمة ـ لكن فادييف وان كانت روايته قد كتبت بناء علي أوامر، أو رغبة حزبية، في أن يقدم الأديب موقفاً يدعم ثورة، فيما بعد كانت من أعظم الثورات الانسانية. الا أنه في جانب منها كان يكتب ما يمليه عليه ضميره، في موقفه من تلك الشخصية (ميتشك) هذا المثقف الثوري الذي كشف لنا زيفه وادعاءه وخيانته، هذا المثقف الجاهل ـ كان يمارس الجنس مع (فاريا) زوجة موروزكا، والذي مات ـ أو كان يجب أن يموت في كمين ـ ليس تشفياً منه ـ ولكن لأنه شخصية مهزومة، بالمناسبة ليس كل مثقف مهزوما وخائنا ـ ولكن كل مثالي أخرق كـ(ميتشك) هو مهزوم، الهزيمة تسكن في أعماقه، في الأعماق ـ أعماق النفس ـ لا في ساحة المعركة. وعلي عكس فادييف في الهزيمة، نري (شولوخوف) في رائعته الدون الهادئ وهو يصف صراع البيض مع الحمر في القوزاق، في واحدة من أهم روايات ـ ملاحم ـ القرن العشرين، التي لا تقل أهمية عن رائعة توليستوي (الحرب والسلام) ـ نراه ـ نري ميخائيل شولوخوف ينحي المثقفين جانباً، ولولا معلم المدرسة في تلك القرية القوزاقية ووصول (شتوكمان) الذي يدير مؤسسة آلات للخياطة، والذي يتبني قراءة ودراسة (تدريس) ماركس مع زعيمين من الحمر: ميشيكا كوشفوي، وايفان كوتلياروف، بصفتهما وجهين ثوريين متعلمين، يرتبطان بعلاقة صداقة قوية مع (غريغوري ميلتكوف) بطل الدون الهادئ ، لما عثرنا علي أي أثر لهذا الذي خاننا في (الهزيمة). لا أعرف لماذا لم يعر شولوخوف المثقف أهمية في مثل هذه الرائعة الأدبية كرواية متحت مادتها من الطبيعة، اذ بقدر ما كشفت عن العلاقة الغريزية بين الناس ـ البشر وأرضهم، وعشقهم لنهرهم الذي اسمه (الدون الهادئ) بقدر ما حيدت المثقف الذي عولت كثير من الروايات السوفييتية، روايات الواقعية الاشتراكية ـ عليه مستقبل أول دولة شيوعية في العالم ـ دولة بدأت قوية واستمرت تعيش قرابة ثلاث أرباع القرن، صارت خلاله (قوة عظمي)، سيما وأن شولوخوف وعلي طول الزمن الروائي لم يلبس قميص هذه الواقعية الا فيما ندر ـ في المناسبات الثورية ـ حتي أنه يغمز في مواضيع من الرواية بعبارات واضحة من (المادية) بشقيها التاريخي والديالكتيكي، وبقسوة جارحة، فيها تهكم واضح مثل قوله حين ماتت (لستنكي): بأن الحياة ـ القدر ـ يفرض علينا قوانينه التي لم يدونها البشر. وهذه استحسنها والدي والشيخ جمعة عندما شرحتها لهما يرحمهما الله. أكثر من ذلك اعتمد شولوخوف في غمزه من المادية، ومن المثقفين، في نسج روايته الدون الهادئ ، علي بطل شعبي (غريغوري). شخصية جاء بها من خارج النسق الحضاري لثورة تشرين الاول (اكتوبر) 1917 شخصية تثور وتغضب بأوامر من قلبها لا من عقلها، شخصية انفعالية، عندما تثور لا ضابط لها، وأول ما تلغي ـ تطيح ـ فهي تطيح بالعقل، شخصية لم تكمل تعليمها في كنيسة القرية، لدرجة أنها تقرأ الأحرف بصعوبة، وتمسح يديها بعد الطعام بشعر رأسها أو بحذائها… الي آخره. ولولا أنه غريغوري عشق اكسينيا استاخوفا التي تحتقر زوجها ستيبان الذي يهينها ويعذبها، فوجدت في غريغوري ضالتها كعاشق من طراز الشرسين الأوفياء لمعشوقاتهم، لكنا مع شخصية يكاد يكون سلوكها أشبه بسلوك الوحوش. اكسينيا هذه (جوهرت) أبرزت الانساني الذي فيه الحياة، الذي فيه حب الأرض الذي يسكن أعماق غريغوري، الذي هو ابن طبقة من التجار (آل ميلكوف) هذا الحب الذي كان غريزياً، اذ كانت تلازمه هذه (القاعدة) التي جبل عليها القوزاق: أنت قوزاقي، لذا عليك من اجل أرضك أن تقتل دون رحمة، لأن لك حق في قتل العدو في ساحة المعركة، وأنه كلما قتلت رجلاً في الحرب كلما غفر الله لك خطيئة، كم تمنيت أننا نحن العرب قد عملنا بهذه (القاعدة) بعد حرب 1967، والتي تعمل الآن كل من أمريكا واسرائيل علي تعطيلها، كونها أحد أهم المشاريع الثقافية للدفاع عن النفس، تقوم به المقاومتان العربيتان العظيمتان في العراق وفي فلسطين. هذه القاعدة نري ضوءها يلمع في قلب غريغوري، عندما يأمر القائد (بودتولكوف) بقتل الضباط الأسري… فيتخلي عن شيوعيته، وينظر غريغوري الي بودتولكوف والي الروس عموماً بأنهم غرباء، وأن الحرب صارت في بيته، فينقلب علي القائد ـ قائده البلشفي هذا ويشارك في الثأر منه ـ الثأر المرعب الدامي. وهذا يعني أن شولوخوف هو ليس مع الشيوعية أو مع أي حزب أو أي مذهب أو ايديولوجية كائنة ما تكون، تعطي سواء عن طريق الفم أو الأذن أو بالزرق بالابر، طالما تسمح أو تجيز بقتل الأسري وفوق أرضهم.غريغوري يهرب. ويصير مرتداً علي مأساته، ولا يستطيع الخروج منها، اذ أن الثورة عندما تنجز بعضاً من مشروعها، وتقضي علي البيض، ومن ثم تنزع الملكية، نري غريغوري طريد ثورة (1917) يُفضل أن يلتحق بعصابات فومين علي أن يكون سجيناً. وبذا، لا يبقي له سوي معشوقته الكسينا كحلم، كملاذ، كوطن أخير. فليجأ اليها، وتكون هي في أيامها الأخيرة، وعندما تموت ويدفنها، يدفن معها ما بقي له من أحلام.غير أن شولوخوف لا ينهي أحداث الرواية هنا. بل يذهب، يمضي حتي لا يزعل الواقعيون، فيمدد لغريغوري، وقبيل العفو الذي تمنحه الثورة (1917) في مناسبة عيد العمال العالمي، نراه، نري غريغوري يتراجع عن قراره، وكأنه كان عليه أن يعيش مع الثورة ـ لا أن يعيشها ـ فيلقي ببندقيته، وبمسدسه مع ما فيهما من طلقات في نهر الدون، ومن ثم يعبره ليلتقي بولده الصغير ميشتكا الذي يكون واقفاً علي باب بيته.0