تأملات في زمن المقاومة العراقية
محمد أنوار محمدتأملات في زمن المقاومة العراقية الأحداث المتتالية في العراق ونتائجها تؤكد وجود ارادتين متصارعتين: ارادة المقاومة وارادة الاحتلال. ولا يمكن للمحلل ان يتجاوز في قراءته للراهن العراقي هذه العلاقة بغض النظر عن التبريرات والأحكام المعيارية التي يمكنُ ان تحكم مواقفه وآراءه. لقد أفضت متابعة الزمن العراقي الي تكوين بعض الأفكار في لحظتين مترابطتين ومتكاملتين. 1 ـ زمن المقاومة (تشرين الأول/اكتوبر 2003):تكشف الانتشاءات والسلوكات الميدانية الأمريكية في العراق عن تصور قبلي وبدائي للحرب باعتبارها فرصة مميزة لتأكيد الذات (بتعبير موريس بلان). تكشف، أيضا، عن سلوكين شاملين ثابتين، في نسج كل المشاريع وكل الأفعال الجيوسياسية (وفقا لفرنسوا طول): ان تحوز لكي تمتلك وأن تمتلك لكي لا تُمتلك.ان الرغبة في التملك وتأكيد الذات ما كان ليتم التعبير عنهما، بهذه الدرجة، لولا وجود دعامات مادية ومعنوية يرتكز عليها الطموح الأمريكي لتشكيل عالم متجانس تماما. لكن الاختبار العراقي أظهر بشكل ملموس ان الخلل الكبير في التصور الأمريكي يكمن في تدبير ظرفية ما بعد الانتصار العسكري، فــ تبخر القوات العراقية يوم 9 نيسان (ابريل) 2003 جعل الولايات المتحدة في وضع لم يكن لديها علي ما يبدو أي مخطط لتدبيره أو بتعبير الجنرال أنتوني زيني لم تكن هناك أية خطة أو آلية لجمع العناصر المشتتة .عناصر مشتتة في مشهد عراقي مضطرب وغامض: صيغ تسويات غير مجمع حولها، جماعات أصبحت مدركة وواعية أكثر من ذي قبل ربما بتمايزاتها الاثنية والثقافية؛ عجز عن توفير الأمن؛ بطء مجهودات الاعمار؛ فشل عمليات نزع أسلحة العراقيين؛ الفشل في توفير الخدمات؛ الفشل في وضع حد للمقاومة التي تقوم بعمليات وفق مقاربات تبدو بسيطة وغير معتادة، لكنها تغرق أكثر فأكثر الولايات المتحدة في اللايقين والتردد ازاء الوضعية المستقبلية المراد تحقيقها سياسيا.لقد تبين ان تغيرا أساسيا حدث بعد 9 نيسان (ابريل) 2003، قبل هذا التاريخ كان التحكم الأمريكي في زمنية المعارك واضحا، بعد ذلك، أصبح الزمن الأمريكي ميدانيا زمن انتظار ودفاع، حيث أدركت سلطة الاحتلال ان قرار الهجوم انتقل الي يد المقاومة العراقية، ذلك ما أكده مسؤول في وزارة الدفاع حين صرح بأن 131معركة كان الأمريكيون طرفا فيها، شكلت المعارك التي بدأها الأمريكيون أنفسهم 40% منها ويبدو ان هذه النسبة ستنخفض أكثر مع تزايد العمليات اليومية التي تقوم بها المقاومة المتعددة.ان المقاومة، الآن، تركز علي المباغتة. وتهدفُ الي مفاجأة القوات الأمريكية التي لا تعرف أين ومتي وكيف توجه لها الضربات وبالتالي ارباك نظام اشتغالها واحداث تصدعات في جدارها الرمزي، بهذا الصدد، يعترف مسؤول عسكري أمريكي بأن هدف المقاومة هو كسر ارادتنا واقناعنا بتبني استراتيجية الانسحاب . في نفس السياق تقريبا، يؤكد مايكل كين المحاضر في علم التخطيط لدي كلية مارشال بجامعة جنوب كاليفورنيا علي ان الانتصارات التي يحققها رجال العصابات يمكن ان تلحق الضرر بمصداقية الولايات المتحدة، في الوقت الذي يتسني حشد التأييد وتجنيد المزيد للانضمام للتمرد.بالفعل، ففي صراع الارادات هذا، الأساسي بالنسبة للمقاومة هو ترسيخ الاحساس بخيبة الأمل عند سلطة الاحتلال ومن خلالها عند الوسط القراري المركزي في الولايات المتحدة. خيبة أمل تتكرس أكثر مع وجود قناعة غياب استراتيجية للسيطرة علي الموقف في عراق المرحلة الراهنة. ان ضرب أهداف مختارة وسهلة الاختراق، الحاق خسائر بشرية بالقوات الأمريكية، ضرب البنيات التحتية الاستراتيجية (أنابيب النفط، محطات الكهرباء، محطات التزود بالوقود، مراكز التفتيش والمراقبة) تهدد حتميا نظام الخصم بالتوقف، باضاعة وقته والزيادة في شكوكه وتكوينه لتمثلات غير واضحة عن الوضع الحقيقي وسير العمليات في المستقبل.لقد تبين ان استراتيجية الاغراء الدبلوماسي ـ الاقتصادي والبحث عن الدعم المعنوي داخليا عبر النبش في الماضي البعثي ومحاولة تقنيع الاحتلال عبر انشاء مجلس حكم علي أساس طائفي، لم تجد نفعا. من جهة أخري، فقرار الجدولة الزمنية لنقل السلطة الي العراقيين (ستة أشهر لصياغة دستور جديد) ليس علي ما يبدو الا ترتيبا لربح الوقت وتلطيف الأجواء مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، وهو بالتأكيد لن يوقف العمليات التي تقوم بها المقاومة.أكثر من ذلك، يبدو غريبا ومثيرا في اللحظة الراهنة الحديث عن مأسسة السلم واقامته (مع من ؟)، فاحداث السلم يفترض وجود خصمين يتواصلان ويعملان سوية علي ايجاد تسويات تلطف الحرب وتقيم السلم.كما ان حفظ السلام يفترض وجوده مسبقا. لقد تنبهت المقاومة الي ذلك وهددت باستهداف القوات الدولية الأخري القادمة أو الموجودة الي/في العراق لمثل هذه المهمة (أي سلم سيتم حفظه؟).ان خيار المقاومة يقابل خيار الاحتلال. ويبدو ان المقاومة ستزداد حدة ما دام هناك احتلال في العراق ولو بمباركة دولية.2 ـ زمن المقاومة دائما (تشرين الثاني/نوفمبر 2006):تراجع الوثوقية الامريكية وتصاعد خيبة أملها من حربها علي العراق يستنتجان من تصريح الرئيس جورج بوش بأن طريق النصر في العراق لن يكون سهلا (المؤتمر الصحافي 25 أيلول/سبتمبر 2006) وبأن سلامة الولايات المتحدة تعتمد علي نتيجة المعركة في العراق (خطاب بوش 30 أيلول/سبتمبر 2006). بمعني آخر، المعركة لم تحسم بعد، ونتيجة النصر ليست مؤكدة تماما، لأن اللايقين لا زال سائدا، ودائرة الفوضي تتوسع، والمقاومة مستمرة، والنتائج مناقضة تماما للأهداف الاستراتيجية والسياسية المعلنة. ويبدو ان الوضع لم يتغير ولن يتغير لسبب جوهري: وجود المقاومة. كل الحلول التي قد تستبعد المقاومة سيكون مآلها الفشل وستجد الولايات المتحدة نفسها غير قادرة علي الاجابة عن كيف يمكن اقامة السلم؟ اذا لم تجلس مع المقاومة علي طاولة المفاوضة، لأن اقامة السلم كما سبق القول تفترض وجود خصمين يعملان علي ايجاد صيغ تسويات لوقف الحرب. المقاومة يمكنها ان تستمر لعقود من الزمن لأن مقاربتها العسكرية بسيطة، وتعتمد علي أساليب الحرب المدينية، والأسلحة الخفيفة يمكن الحصول عليها، مع تعدد الموارد السياسية التي تسهل عمليات التجنيد والتعبئة. وقد تتقوي المقاومة أكثر اذا ما توفقت في التنسيق بين مكوناتها ليصبح لها خطاب موحد وثقل أكبر ميدانيا(وربما هذا ما سيكون اذا صحت أخبار التنسيق المحتمل بين فصائل المقاومة في الأيام القادمة بالأردن). مؤخرا صرح بوش بأن تغييرا تكتيكيا يبدو ضروريا في العراق. هذا التجديد يتضمن ثلاثة أهداف: تسريع وتيرة تدريب قوات الأمن العراقية، وتمكينها من القيادة، ونقل مسؤولية الأمن الي الحكومة العراقية (البيان المشترك الصادر عن رئيس الولايات المتحدة ورئيس الوزراء العراقي يوم 28 تشرين الأول/اكتوبر 2006)…. الأمر واضح جدا: التقليل من دخول القوات الأمريكية في المواجهات والحد من تحركاتها داخل المدن العراقية، وتحصينها في القواعد العسكرية من أجل التقليل من حجم الخسائر البشرية الأمريكية ودفع العراقيين الي حالات جديدة لتجريب أثر الفوضي (ألم يتم تجريبهم بعد 9 نيسان (ابريل) 2003 بغرض مسح الحدود بين حفظ النظام والاحتلال؟). هذا التغيير التكتيكي ليس في الحقيقة الا محاولة للدفع بالفوضي الي حالاتها القصوي. لقد تم في البداية فهم الفوضي المحلية العراقية التي تعتبر جزءا من فوضي عالمية (بالتعبير المجازي للمنظر الاستراتيجي الفرنسي ألان جوكس ماريستان يحكمه مجانين ) علي أنها وضع أو حالة قد تمهد لتأسيس الدولة العراقية الجديدة. وتبعا لهذه الفرضية، فتجريب أثر الفوضي سيفضي الي نوع من اعادة تشكيل البنيات الاجتماعية والمعرفية للعراقيين وادراكهم لواقعهم، وطبعا بناء تمثلات جديدة للدولة العراقية. ويبدو ان التصور الأمريكي ركز في البداية علي دولة بسيطة موحدة، لكن مع تطور الأحداث أصبح التفكير في الدولة المركبة الفدرالية مطروحا كحل ممكن للضبط الأمني (سياسة أمنية ترابية). الواقع العراقي الراهن يقدم ما يكفي من المعطيات للدفع بفرضية ان الفوضي أفضت الي أوضاع غير مرغوبة سياسيا من طرف مهندسيها. فما الذي يجعل الولايات المتحدة رغم ذلك تصر علي ترسيخ الفوضي والاقتتال بين العراقيين؟يبدو ان الهدف من هذا التدبير قصير المدي هو التالي: بدل علاقة مقاومة ـ محتل، تصبح العلاقة مقاومة ـ قوات عراقية ، وكأن الأمر سيتعلق بصراع من أجل احتكار العنف الشرعي (لتغيب صورة المحتل من الواجهة). تدبير أملته من جهة أولي عدم امكانية تحقق فرضيات حلول أخري كأن يصبح العراق تحت سيادة أمنية مشتركة بين الدول الكبري (كوندومنيوم أمني)، أو كمساهمة قوات الناتو، أو القوات الأممية. ومن جهة ثانية رهانات الظرفية السياسية في الولايات المتحدة (وهنا يمكن ادراج حكم اعدام الرئيس العراقي صدام حسين كمؤشر انجاز امريكي في العراق، وكعامل في تهيئة شروط التوتر بين الطوائف العراقية). ومن جهة ثالثة عجز القوات الامريكية الأكيد عن هزم المقاومة لأن الاجماع حاصل لدي المنظرين العسكريين والاستراتيجيين الامريكيين علي ان الحروب الأسيمترية (غير المتماثلة)، كالتي في العراق الآن، لا يمكن حسمها عسكريا.في الأخير يبدو ان الولايات المتحدة لحد الآن لم تربح استراتيجيا، لكنها أيضا لم تخسر، ما دام الرأي العام الأمريكي لم يتحرك بالقوة التي يمكن ان تدفع بقواته الي الانسحاب. والمقاومة العراقية هي التي بامكانها ان تجعل تحرك الرأي العام الأمريكي أمرا محتوما من خلال الخسائر التي تلحقها بالقوات الأمريكية. وليس ثمة شك في هذا… كما لم يكن الشك، منذ البداية، في ان المقاومة ستزداد حدة ما دام هناك احتلال في العراق. باحث من المغرب8