حرب باردة بين الكبار… وساخنة بين الصغار؟

حجم الخط
0

اندلعت الحرب الباردة بين الكبار قبل ازمة اوكرانيا. فلاديمير بوتين كان اعلنها عشيةَ انتهاء ولايته الرئاسية عام 2007 وتسليمـه السلطة لديمتري فدفيديف. ففي مؤتمر الامن الاوروبي المنعقد في ميونخ انتقد بوتين سياسة الهيمنة الامريكية الاطلسية، داعيا للعودة الى التعددية القطبية. بعد عودته رئيسا عام 2012، ترجم رؤيته السياسية بخطوات متتالية على طريق اعادة روسيا، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، الى مصاف الدول الكبرى :
ـ ثبّت موقف روسيا في القوقاز بردع جورجيا عن الانضمام الى حلف ‘الناتو’ بعدما كرّس استقلال مقاطعتين عنها، بوضعهما تحت جناح موسكو.
-كَشَف تحوير امريكا وفرنسا وبريطانيا قرار مجلس الامن بشأن ليبيا لتأمين التدخل العسكري فيها بغية تقاسم ثروتها النفطية.
– انحاز الى حكومة سوريا، سياسيا وعسكريا، بعدما اغرقت مجموعةُ ‘اصدقاء سوريا’ البلادَ بعشرات الاف ‘الجهاديين’ متعددي الجنسية، ما هدد مصالح روسيا، ولاسيما قاعدتها البحرية في طرطوس.
– انفَتَح على ايران وحرص على التنسيق معها في مفاوضاتها مع مجموعة دول 5+1 بشأن برنامجها النووي.
ـ جابَه الحركة الانقلابية التي استهدفت نظام حليفه الاوكراني الرئيس فكتور يانوكوفيتش، واقنع المسؤولين في شبه جزيرة القرم بالانفصال عن اوكرانيا والانضمام الى روسيا الاتحادية.
الولايات المتحدة استجابت التحدي الروسي بتشديد وتيرة الحرب الباردة وتحريض دول الاتحاد الاوروبي على الانخراط فيها، بقصد لجم روسيا ومنعها من اعادة اوكرانيا الى ما كانت عليه خلال عهد يانوكوفيتش. ولان هامش الحركة والمناورة امام باراك اوباما محدود، فقد استهدفت تدابيره الرادعة فرض عقوبات مالية على سبعة مسؤولين كبار في الحكومة الروسية، وعددٍ من اعضاء البرلمان، ثم وسّعها لتشمل رئيس اركان موظفي الرئيس الروسي و19 مسؤولا اخرين، بالاضافة الى ‘بنك روسيا’ الخـاص الذي يستودعه كبار المسؤولين الروس اموالهم.
وزارة الخارجية الروسية ردّت بانه ‘يجب الا يساور ايا كان ادنى شك في ان اي هجوم عدائي سيجابَه بالطريقة الملائمة’، كاشفةً النقاب عن لائحة بتسعة اشخاص جرى منعهم من دخول روسيا، بينهم ثلاثة من مستشاري اوباما، ورئيس الغالبية في مجلس الشيوخ هاري ريد، ورئيس مجلس النواب جون بونير، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ روبرت مينيديز، بالاضافة الى ثلاثة من اعضائه.
من الواضح ان اوباما استبعد اللجوء الى الوسائل العسكرية في حربه الباردة مع روسيا. اكتفى بتهديدها باستهداف قطاعات محددة من اقتصادها وبمزيد من العزلة عن المجتمع الدولي.
بوتين بدا غير قلقٍ من العقوبات الامريكية. وزير خارجيته سيرغي لافروف اكد لنظيره الامريكي جون كيري، ان موسكو لن تتراجع عن قرارها بقبول انضمام جمهورية القرم الى روسيا الاتحادية. هذا يعني ان بوتين مستعد لمواجهة تداعيات الحرب الباردة في حال تصعيدها.
لثقة بوتين بقدرة بلاده على المواجهة اسباب ثلاثة :
اولها، ثروات روسيا الاقتصادية الهائلة، ولاسيما في حقل النفط والغاز. فاوروبا تستورد منها ما لا يقل عن 80 في المئة من حاجاتها الغازيّـة، والطلب على النفط الروسي كبير في دول اسيا وافريقيا.
ثانيها، انقسام دول الاتحاد الاوروبي حول العقوبات الممكن اقرارها ضد روسيا. فالمانيا لها توظيفات صناعية واستثمارية ضخمة في روسيا، فضلا عن حاجتها الماسة الى الغاز الروسي، وعدم قدرتها على تعويضه بمصدر اخر في المدى القصير، كذلك حال هولندا. اما اسبانيا واليونان اللتان تعانيان ازمةً اقتصادية خانقة فلا قدرة لهما على الانخراط في اي مقاطعة مالية او اقتصادية، لخطورة تداعياتها السلبية على اقتصاديهما المتعثرين. لذلك فان اقصى ما تستطيعه دول الاتحاد الاوروبي اقصاء روسيا عن مجموعة الدول الثماني والغاء القمة المقررة معها في يونيو/حزيران المقبل في سوتشي.
ثالثها، تخوّف امريكا وفرنسا وبريطانيا من انحياز روسيا الى جانب ايران في مفاوضاتها مع مجموعة 5+1 ما يعطّل التوصل الى اتفاق معها حول برنامجها النووي، ولاسيما ما يتعلّق منه بمسألة تخصيب اليورانيوم للاغراض السلمية.
الحرب بين الكبار ستبقى، اذا، باردة. حتى لو اشتدت، فهي لن تتطور الى اكثر من حرب ناعمة محورها المزيد من العقوبات الاقتصادية والمالية، والعمليات الاستخبارية المؤذية، والعزل الدبلوماسي، والحملات الاعلامية، ووقف التعاون الامني والعسكري.
غير ان الحروب بين الصغار، بتحريض من الكبار، قد تتطور الى حروب ساخنة، ذلك ان الكبار يحاولون دائما تفادي الخسائر البشرية والمادية الباهظة التي تنجم عنها بخوضها وكالةً بالحلفاء الصغار. يمكن القول ان كل الحروب الاقليمية التي نشبت بعد الحرب العالمية الثانية انما هي حروب بالوكالة بين الكبار بالحلفاء الصغار.
ما السيناريوهات الساخنة التي يمكن ان تنتهي اليها الحرب الباردة المتصاعدة بين امريكا الاطلسية وروسيا الاوراسية ؟
ثمة سيناريوهان: الاول في سوريا، والثاني في ايران.
في سوريا، ثمة حرب ساخنة كادت تخبو نيرانها نتيجةَ نجاح الجيش السوري في اخراج المجموعات الاسلاموية المسلحة من مناطق ومعاقل متعددة كانت احتلتها على مدى شهورٍ وسنوات. هذا التطور المستجد اثار حفيظة اوساطٍ امريكية محافظة، ولاسيما بعد اندلاع ازمة اوكرانيا وضربة بوتين الناجحة في شبه جزيرة القرم. ففي واشنطن دعا تسعة اعضاء في مجلس الشيوخ الرئيس اوباما الى اعتماد سياسة ‘تهدف الى تغيير موازين القوى على الارض في سوريا، تمهيدا لتطبيق اتفاق جنيف وفرض وقائع جديدة تُقنع الرئيس بشار الاسد بانه لا يمكنه البقاء’.
السعودية تجاوبت مع هذه الدعوة، بدليل ان وفدها الى المؤتمر البرلماني الدولي المنعقد في جنيف وزع بيانا باسم رئيس مجلس الشورى السعودي عبد الله آل الشيخ، اكد فيه ان ‘امكانية الخروج من الازمة السورية تظل مرهونة بإحداث تغيير في ميزان القـوى على الارض، وتقديـم كل المسـاعدة والدعـم لـِ’الائتلاف الوطني’ باعتباره الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري’.
هل يتجاوب اوباما مع دعوة اعضاء مجلس الشيوخ لتزويد قوات المعارضة المسلحة اسلحةً نوعية عبر الاردن لتفعيل جبهتها في منطقتي درعا والجولان؟
الجواب غير متوفر بعد بسبب التداخل القائم بين الازمة السورية ومفاوضات ايران مع مجموعة 5+1 بشأن برنامجها النووي. فالملاحَظ انه في الوقت الذي يدعو وزير الحرب الاسرائيلي موشيه يعلون الى ان تعدّ ‘اسرائيل’ العدّة للقيام بعملية عسكرية منفردة ضد المنشآت النووية الايرانية، يدعو اوباما الايرانيين لمناسبة العام الجديد او ‘النوروز’ الى التمسك بالوسائل الدبلوماسية لحل ‘النزاع النووي’ مع بلادهم. صحيح ان ضغوط اللوبي الاسرائيلي على الرئيس الامريكي قد تحمله على التصلب مع ايران، غير ان ذلك لن يصل الى حد دفعه الى الحرب، مخافةَ ان تنحاز روسيا، في زمن احتدام الازمة الاوكرانية، الى جانب ايران وسوريا فتزودهما صواريخَ للدفاع الجوي من طراز 400-S ما يمكّنهما من تعديل ميزان القوى لمصلحتهما في الحرب ضد ‘اسرائيل’.
ايا ما كان الامر، فان الحروب بين الكبار ستبقى غالبا باردة، من دون استبعاد تسخينها، بالوكالة، بين الصغار…

‘ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية