الفلاسفة في قصر الإيليزيه حقائق الفكر والدولة

حجم الخط
0

كم هو مدهش أن يستدعي الرئيس المثقف فرانسوا ميتران الفلاسفة إلى حميميته في الإيليزيه وفتح حوار معهم في الفلسفة والسياسة والقضايا الاجتماعية، من أجل المساهمة في بناء دولة الحق والتنوير، وجعل من السياسة فضاءا عاما يسعى إلى التدبير السعيد للمواطنين، وهذه هي السلطة المستنيرة. لأن الرغبة بالغايات تعني الرغبة بالوسائل، فمن هم هؤلاء الفلاسفة؟ ولماذا كان الرئيس ميتران معروفا بدعواته للفلاسفة إلى الإيليزيه خلال فترة حكمه؟، هل لأن فرنسا كلها كانت تتكلم لغة الفلاسفة؟ أم لأن تأثير الفلاسفة في المجتمع كان أقوى من تأثير السياسيين؟.
لا أحد يجهل جان بول سارتر وسيمون دوبوفوار وميشيل فوكو، وجان فال وفرنسوا ليوتار وهيبوليت وميرلوبونتي وغيرهم كانوا سفراء الثقافة الفرنسية إلى العالم، ومؤسسوا مجتمع المعرفة والدولة العقلانية، ونشوة الحوار الفكري ونشر سلطة المعرفة، ولذلك فإن ميتران كان منخرطا في عصره، ينقل الحوار الفلسفي من الحي اللاتيني إلى الإيليزيه، يتناول العشاء مع سارتر وسيمون، وفوكو ويسألهم هل السياسة بالفعل حدث زائل يعلن فيه الشعب عن وجوده ويمضي قدما؟ وهل الحرية هي إرادة الشعب حين تشيد نفسها بنفسها؟، وما العدالة إلا القضاء بالحق؟، وما معنى الانتماء إلى أمة ما؟.
أسئلة شيقة تثير شهية الفلاسفة الذين ساهموا في بناء روح القرن العشرين وانخرطوا بالتزامهم في الأحداث المعاصرة، إذ على الفيلسوف ألا يكتفي بتفسير العالم، بل ينبغي أن يغيره وهذا بالذات ما فعله سارتر العظيم عندما نشر مذهبه الوجودي، وفوكو حين تمرد على طغيان السلطة، وليوتار عندما قام بهدم أوهام الحداثة البورجوازية، لكن بأي معيار تتدخل الفلسفة في الحاضر؟ وهل بإمكانها أن تدرك حاضرها في المفاهيم؟، وهل يتوجب على الفيلسوف أن يسهم في الأحداث المعاصرة ويقوم بتوجيهها نحو إطار عقلاني؟.
ثمة آراء سياسية عميقة جاءت في محاورة غورغياس لأفلاطون، حيث نجدسقراط يسعى إلى هدم أطروحة كاليكليس التي تقول بأن الحاكم السعيد طاغية، أي من يغلب الآخرين بالحيلة والعنف، في حين يصر سقراط على أن الحاكم السعيد هو العادل والإنسان الحكيم والفاضل ولعل الصراع الجدلي بين الطرفين سيؤدي في النهاية إلى إفراز المنتصر والمنهزم وكأننا أمام لعبة كرة المضرب. ونشوة هذا الفوز لن تضاهيها سوى ابتهاج الشباب الذين حضروا في هذه المواجهة الفكرية. نعم لقد هزم كاليكليس بالبرهان ولم يعترف بهزيمته، بل التزم الصمت وبقي وحيدا في زاويته، ربما أن أفلاطون يجعلنا أمام متعة فلسفة المسرح حيث أن الجمهور ينفعل مع الحوار الدرامي من أجل تطهير الأرواح ونشر بذرة الوعي بأهمية العدالة والسياسة المتنورة والديمقراطية، بل والثورة على الطغيان الذي يحول الشعب إلى عبيد، ومع ذلك نتساءل لماذا أن الفلسفة تضع نفسها رهن إشارة السياسة؟، بل أكثر من ذلك ما الفلسفة؟.
على الفلسفة أن تعلم الشعب الاختيار بين نوعين من الآراء، إما أنه يريد أن يكون في جانب سقراط أم في جانب كاليكليس؛ العدالة، أو الظلم، ها هنا تعرض الفكر كخيار وجودي، وقرار سياسي متعلق بالحياة اليومية. الوجود والفكر إنهما نفس الشيء فقد كان سارتر مشهورا بقدرته على الإقناع، والانتصار على خصومه من المحافظين، والتيولوجيين، لأنه تمكن من التعبير عن الوضع الفلسفي لفرنسا، وبذلك تتم دعوته إلى الإيليزيه، لمحاورة الرئيس، فهل كان سارتر هو سقراط وميتران هو كاليكليس؟ ومن سيهزم الآخر؟.
وإذا كان التاريخ وجها مشرقا تنمو فيه الفلسفة في أحضان السياسة المتنورة، فإن له أيضا وجها مظلما حيث أن فلاسفة السبعينيات تم استبدالهم في الإيليزيه بالفنانين وعارضات الأزياء، أو بلاعبي كرة القدم والملاكمين؛ عصر ذهبي وعصر مصطنع. تستفيد فيه السلطة من رمزية عارضات الأزياء ومقدمي البرامج والرياضيين وجماعات مماثلة تقوم باحتلال مكان المثقف الذي يهمش، وبخاصة عندنا لا أحد يذكره إلا في حفل التأبين. إذ أن هناك من أصبح مختصا في تأبين الأموات وحجب جائزة الفلسفة، والسيطرة على الأرواح وكأنه الباب العالي، الذي ينشر الثقافة العثمانية، ثقافة الأغبياء. فإلى أين تمضي بنا سفينة الحمقى والأغبياء؟ هل سيتم تشييع جنازة الفلسفة؟، أم تشييع جنازة المغرب؟، وهل سيحضر هذا المختص في التأبين ومعه طفله المدلل؟.
لابد للمغرب الراهن أن يختار بين الوضع الفلسفي كحصان يجر عربة النهضة الفكرية والسياسية في المغرب وبين تجار الأوهام ونشر ثقافة التوكل والإيمان ببركة الأولياء. هكذا سنجد أنفسنا أمام تكرار هذا الحدث التاريخي الذي يشهد على عظمة أرخميدس العالم اليوناني حين رفض تلبية استدعاء القائد الروماني مارسيلوس الذي أمر بقتله، قال لله الجندي: ‘أرخميدس، القائد مارسيلوس يريد رؤيتك’، أرخميدس كان منهمكا برسم أشكال هندسية على الرمال، قال: ‘دعني أكمل برهاني’، فأجاب الجندي بغضب: ‘ما الذي يهمني من برهانك’، ثم تابع العالم الرياضي عمله، مما جعل الجندي يضرب رأس أرخميدس بسيفه ويسقط رأسه، ويحمله إلى القائد الطاغية مارسيلوس، لكن لماذا نتخذ من هذا المثال وضعا فلسفي عندنا؟، ألا يكون العنف الرمزي للسلطة الحالية يشبه عنف القائد الروماني؟ وبعبارة أخرى ألا تكون السلطة تستثمر شراسة التهميش ضد الفلاسفة من أجل إسكاتهم وإبعادهم عن أحداث العصر؟، ولماذا لا يعترف بالفيلسوف إلا بعد موته؟، بل لماذا لايتم تسميته بالفيلسوف بدلا من الباحث والأستاذ والكاتب؟.
هنا في قلب هذه الضلالة الكبرى يتيه الفيلسوف في الدروب كمسافر متجه نحو الاغتراب في العزلة عاشقا للفلسفة لأنها ما يقاوم الموت مثل الحب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية