بعد عامين علي وداعه: أبو عمار والدرس الأخير

حجم الخط
0

بعد عامين علي وداعه: أبو عمار والدرس الأخير

المتوكل طهبعد عامين علي وداعه: أبو عمار والدرس الأخير ستذهب خطواتنا، بحكم العادة الي قبر الماء، مثلما كانت تدب نحو المهابة والعناد الباسم، المؤمن بالقدر، وبأن حياته سياسة وموته كذلك! ولم نتخيل، كأحد أساليب الدفاع الآلي، بأنه سيعود لهذا الهدير المنفجر بكاءً وخسارة.. وخوفاً من الغامض المتربص، لكنه عاد، مثلما ذهب، راضياً مرضياً، تشيعه ثلاث قارات، وترفعه دول المعمورة علي أكتافها وهي تنكس أعلامها اعلاناً عن الغياب الباهظ، الذي ظل واقفاً، وحده ربما، أمام غطرسة وحيد القرن، ودهم قواته الساحقة، وصلافته الجبارة الكونية. والرجل راح وعاد وهو محمول علي الشهداء، والجرحي، والمسجونين خلف العقرب المخاتل، والعرايا الذين استشهدت بيوتهم، وأولئك الذين نزفوا مع أشجار الطير والرضع، أو الذين ما فتئوا في بيت العزاء منذ قرن يقفون علي بوابات المخيم يحملون مفاتيح الرمانة والبيت العتيق. لقد كان دم القتلي في صوته، والنار السائلة تخر في شرايينه، والحناء غبار الجدران علي يديه. كان أليفاً الي حد العادية واللمز، وصعباً الي درجة أن سكين الاحتلال قد افترعها حتي وصلت نخاعه وصفائحه، ولم يمهر وثيقة موتنا المُعد منذ عقود بذهب الناس الذين سكنوه، وبصلوات الأرض التي كونته وصار راهبها العاشق الوحيد.وظل الرجلُ محتفظاً بصبا الغابات، وصيرورة الموج الحلو، من الجبال الي الموانئ، حتي السُجْدةِ اليانعة علي الرمل الموعود بالعشب والنشيد والحجر.يبدو عادياً، لأنه البعيد الرائق، الذي يمد الينابيع في ظهيرة الظمأ.. لتُمرع ناي الأعراس في أماسي البلاد. تراه راسخاً لأنه سيف المتراس، يفهق بين الجمرة والجرح، ويظل قنطرةً للصغار والدوالي. غُصن يديه سُلم النجمة العاشقة، وصوته ممحاة العتمة الثقيلة، وبصيرته تتجاوز الغابة السائرة الي القلعة.خجله لوزة الجبل. فيه نسغ الرحمة والأعياد. تسمع خرير وجيبه كلما سقط شهاب، أو عثرت فرس عند سواتر النار. فيه تواضع السلالة المستحيلة، وعفو اليمامة المستوحشة.دمعته زهرة ليمون، وابتسامته ثوب النهر. هو عاهل العاصفة، وغارس أغصان القسم. يتفتح في ليل الزنجبيل، ويعلو علي رغوة الكلام. لا تهــــزه الحوادث، ويمسك باصبعيه غرة الأرض.. ولن يتركها حتي الساهرة، أو فليأت أمرها، ليلاً أو نهاراً. ثالث اثنين؛ الفاروق وصلاح الدين. محمول علي باشق الحق. وثالث الأثافي الباقين في وجه الطوفان المستبيح.يكره الرمل وأشباه الصور، ولا يسمع الا مساجلة النجوم، وتجاوز السؤال فأصبح ضلعاً في كل بيت. يليق بنا، ونليق به في المواسم الصعبة.. ونبقي نُحبه!كان وقته يتسع لحوار الرماد المعقد، ولالتقاط الصورة المبذولة من دون تمييز.. سواء بسواء. وكان بقلمه القاني وأوراقه الكثيرة يعطي أمره للدنيا، ليلاً أو نهاراً، حتي قاربت علي الواقعة المذهلة.أباً بالفعل والمجاز كان، عطاءً وتسامحاً، حتي أعجز معارضيه، وجمع المتجاذبين علي اختلاف ألسنتهم ووجوههم. لم يتعالم ولم يكمم السادر في غيه أو غضبه، يعطي المعادلة موازنتها حتي تتم، مثلما يقبل يد الجريح وجبين الثاكل أو يحمل الصغار في حجره كأنهم أكثر من صُلْبه. ولأنه كان يصنع التاريخ ولم يكن غباراً علي صفحاته، عرف جيداً أهمية الثقافة التي منحها كل أرض العفو، وحرية فطرية جعلتها تتنفس بعمق علي رغم أنهم أدرجوها في قاع الأجندة، وكانت، في أفضل حالاتها، أكسسواراً للدولة! في أبي عمار جناح الملاك الخالص، وفي جيبه دفاتر السوق، ما جعله يسير علي صخر الهواء، وينجو من فخاخ الأقربين وطعنات الأسمنت والحاملات، وما تزال الراية في يده يحقق من خلالها تجميع الشظايا لتكون ترساً صلباً في وجه الدفن والالغاء، فأصبح خارقاً في قدرته علي قدْح هذا البرق في يباب الشتات، وانزال غيماته في حريق البلاد الواسع، لقد صاغ أسطورته الملموسة الماسية من نثار الاحتمال فوق البشري، والادراك المستشرِف والقلب الشجاع الواسع .. لقد كان جريئاً كالموسيقي!ياسر عرفات؛ الوالد القائد الصديق الذي راوغ الموت ونوازله في كل المنازل، ترك لنا يديه اللتين ترفعان سقف دارنا من القدس الي العودة، دون أن تخبو جمرة الحلم في المدارك الطالعة وأناشيد المدارس.. لكن أعداءه منا سيلاحقونه ليدلحوا السواد علي يديه البيضاء من غير سوء، وسيبحثون عن قد في قميصه الشريف، وسيغرزون علي شفتيه ذبولهم المريب.وقوة الرجل من ضعف شركائه أو لغيابهم العميق، وثغرة سلطانه في بطانته البرمكية، وفي المسؤولين الذين اشتطوا في تبني مقولات النقيض، ما جعلها ثقلاً جديداً ينوء به الظهر الفلسطيني. وقوة ياسر عرفات الزائدة، هي التي غطت علي المؤسسة برمتها، فكانت أكثر حضوراً وسطوعاً، وهذا ما يفسر الكثير من التعويم والنتوءات والفوضي، كما يفسر هشاشة المحيطين به وضــــآلة تأثيرهم، وذهابهم نحو الخلاص الشخصي، بدل البحث عن صيغة عمل مؤسس علي المؤسسة والقانون، لقد كانوا أنانيين أو هامشيين، وكانت قوته تشبه ضعفهم الي حد كبير.أما أعداؤه فقد خافوا مكره ونفاذ بصيرته فحاصروه ميتاً كما حاصروه حياً عندما وصل الي أن ضرب بقبضته علي بوابات القدس التي لا تبعد سوي نبضةٍ عن المقاطعة التي حاصرهم هم، أيضاً، منها، وشل كل خيوطهم، وعمل علي تقطيعها والحيلولة دون اكتمال النسيج، الذي كان يستهدف جدْل حبل المشنقة له أو لفلسطين، لا فرق!وعبقرية ياسر عرفات؛ كبش فلسطين المُكحل، أراها في تمكنه من غرس بذرة الدولة في أرض الدولة، علي رغم وجاهة الرأي الآخر.. لكنها بذرة لن تموت، وستشرب الكثير من دمنا، علي ما يبدو، حتي تمرع وتكبر.. وتظللنا! وبالتأكيد لن يتم ذلك تحت شعارات القطرية المنتحرة، أو الانغماس في بحر الأعداء مهما بدا صافياً وناعماً، فالقوي لا يناقش، بل يفرض ولمصلحته! والحوار يكون بين الأنداد، وليس بين السادة والعبيد، أو الضحية وجلادها، والشمس لن تغطيها شمس أمريكا ودولة الاحتلال.وياسر عرفات الذي أظهره أعداؤه عقبة كأداء، بعد أن فرضوا علينا الحل و البديل ، وبعد أن شوهوا بديلنا الوطني، وعملوا علي القضاء المبرم عليه، وبعد أن أقنعوا الكثيرين بأن احتجاجنا سيبهظنا أكثر، لنكون ضحايا ايجابيين! سيواصلون اقناعنا بأن نخيط أكفاننا بأيدينا، وأن نبدل قاموسنا وروحنا وشكلنا، وأن نقطع استطالاتنا لنليق بما فصلوه لنا من أثواب التابوت، وربما سيجدون، من بيننا، منْ يتماهي معهم، ويكون مجلساً يحكم بمشيئتهم التي لا تصادر ثرواتنا، بل ومستقبلنا أيضاً، بعد أن رتبوا الاقليم المحيط، وأطبقوا علي عنق الأرض، وسينسون، كالعادة، أن شعب الجبارين الذي أصله الختيار قد أنبت هذا الرجل الذي تناسخت منه المدن والقري والنجوع والسقائف. أما المشهد الثقافي بعد رحيل الختيار فنحن سنبقي، ننتمي الي هذا الشعب المستند الي أمته وحضارته، ونمسك علي شوك حقوقه الكاملة المشروعة. وعليه، فان علي المثقفين الفلسطينيين أن يؤكدوا، بصورة حاسمة وقاطعة ومطلقة، بأن قضيتنا الفلسطينية قد تنتكس، وربما تُحاصر، وقد تخبو المقاومة، ويزداد الرغاء، ولكنها قضية ماضية الي أن تتطهر البلاد من وطأة شُذاذ الآفاق، وتعود خالصةً فصيحةً بألوانها المحددة، وعمقها العربي الاسلامي، وأفقها الانساني الذي تقوده السيدة العمياء العدالة ، بعد أن تسترد بصيرتها، وبعد أن نرمي قمصان شهدائنا علي وجهها النهار، ونستذكر في بيوتاتنا وصفوفنا رجلاً أعطي عمره، غير منقوص، لهذه الثاكل الحامل فلسطين، وعندها؛ لا بأس من المبالغة المحتملة بأن نقول: كان لنا صديق مرن، وحميم الي حد القشعريرة أو شدة القرب.. من دون حجاب، وكان اسمه ياسر عرفات.كما أن علي المثقفين أن يواصلوا التخطيط الاستراتيجي الثقافي واجب الوجود، وأن يستمروا في تقعيد مؤسساتهم وانهاضها، وأن يوحدوا عملهم ضمن التعددية التي تُثري وتبعث وتوصل المعرفة، وتعمق المفاهيم والثوابت، وكل ما هو استراتيجي ينتمي الي الحق الكامل والعدل، وليس الي الممكن الذي يختزل الحقيقة والحق، من دون السقوط الساذج في خطاب السياسي، أو التبرير له أو اللحاق الباهت به. وعلي المثقف ألا يعيد انتاج اللحظة، أو الخضوع لموازينها الظالمة المرحلية، أو الركون الي أشكال العمل النمطية التي ينبغي تخطيها .. والي الأبد. وعلي المثقفين الفلسطينيين أن يتذكروا دائماً، والي دهر الداهرين، أن الحرية وحقوق المثقفين لا تُعطي ولا تمنح ولا تتجزأ، وأن عليهم أن يقبضوا من فولاذ علي مملكتها الشاسعة، وأن يظلوا في فضائها النبيل، مهما ترنمت فيها القيود، أو امتد النطع أو الوعيد، وأن يعوا أن استشهاد ياسر عرفات كان، ربما، ليتعلموا الدرس الأكثر أهمية وخطورة، شرط ألا يكون درسهم الأسوأ، لأنه سيكون الدرس الأخير!ہ شاعر من فلسطين8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية