ردهات المحكمة غاصة بالمتقاضين والمحامين وعائلات المتابعين والمتابعات.. نساء في الثلاثين والأربعين من عمرهن يلتحفن الخمارات والمشالح. ينتظرن انعقاد الجلسات. عيونهن مغروسة في المنصة المخصصة للمستشارين والرئيس. وفي جلبة قوية خارج القاعة يبدو المحامون بين الدخول والخروج. تتعالى الأصوات عند المدخل الرئيسي للمحكمة فتمتزج ببكاء الأطفال الرضع الذين أحضرتهم أمهاتهن. بين الحين والآخر تتجه الأنظار نحو الباب الأخضر المرتفع والمفضي إلى المنصة. وغالبا ما كان الشاوش يخدع القاعة والمنتظرين، وذلك بفتحه الباب بغتة. لكن ما أن يدلف نحو الداخل، ويظهر بطربوشه وهندامه حتى يطرق الحاضرون. ويتنفسون بمرارة. في ذلك الصباح من منتصف شهر يوليو/تموز، كانت الشمس قد خرجت لتوها من شروق طري. خيوطها منفوشة. ونورها مسترسل وأخاذ. حينما ينظر المرء إلى البحر تتراءى له أسراب من النوارس تحلق على محور واسع، فتبدو صغيرة لكن بياضها يجعلها مرئية، رغم بعد المسافة. والمراكب العائدة من الصيد تتحرك ببطء في اتجاه الميناء. لم تعد تمضي مسرعة كما في المساء.. هيئة المراكب توحي أنها متعبة. سماعي لدوي محركها يزيدني فضولا. أرغب في رؤيتها وهي ترسو في الميناء. إيقاع المحركات غير الإيقاع الذي تكون عليه وهي مقلعة. طرطر… طرطر… طرطر… يغيب دوي المراكب رويدا رويدا. فأغيب معه في خيالات بعيدة. يتقاطع نظري مع انعكاسات الشمس فوق الماء. وعلى مدى قصير ترتسم أشكال جوفاء؛ مثلثات ومربعات وأجسام هلامية. كل هذا يتشكل تحت مجهر الشمس. والنهار لما تكتمل هيئته بعد. والأبراج البيضاء المنتصبة على حافة الميناء بدت منظورة ومعزولة إلى حد كبير. تتطرف الحجارة وأحجام كبيرة من الإسمنت الاصطناعي. لم تعد ترسل إشارات ضوئية. أصبحت مجرد أعمدة إسمنتية جاثمة تستوقف طيور البحر. بل تتوقف عندها بعض الوقت لتستأنف عبورها البحري. خروجي من البيت باكرا أتاح لي فرصة تتبع رحلة الشمس في هذه الصبيحة، كما أتاح لي شيئا آخر؛ أتاح لي الهروب المؤقت من سديم لا نهاية له. هذا السديم وراءه القرقري. ذاك الشخص الغامض الذي سكن الغابة والأودية والسهول. لم تعد صورته تفارقني. تحولت في خيالي إلى شيء مفزع. تحاصرني بتفاصيلها. أنظر إلى ألوانها. تتبدى تضاريس حقيقية تبعث على السقوط في منحدر سحيق. عينا القرقري بئران عميقان. وأنفه الأفطس نتوء بارز له امتداد في الجبال والسلاسل الريفية. هذا الخيال اللعين يحدث تمزقات في ذاكرتي. يرسم أخاديد جارحة في النفس. سيما حين أتذكر القرقري وهو يقذف بريقه من فمه في تلك الليلة المشؤومة. لا زلت أذكر اللحظة الحاسمة التي غادر فيها القرقري الدنيا. غادرها وهو يحاول رفع سبابته في الهواء. ربما كان يرغب في التشهد. حاول أيضا تحريك شفتيه لكن دون جدوى، فهمت أنه بدون شك تمتم ببعض الأدعية. لم يطل ذلك، حتى أطبق عينيه وأسلم روحه إلى الباري تعالى. بدت عينه اليمنى حولاء. أما لسانه فبدا ازرق. وسرى في جسده تيار بارد. لم أستطع تحمل مشاهدة جثته. كان لا يزال يرتدي جوارب صفراء وسروال الجينز المنقط بماء جافيل. أوصدت خلفي الباب بعد أن غالبني بكاء هستيري.. أحدثت على اثره بعض الصراخ. ثم انكفأت على نفسي. متسللا بين الدروب. أدركت ساعتها أنني قتلت القرقري . استغليت هزالة بنيته الجسمانية وهشاشة قوته البدنية. كان جلده الأسمر متغضنا وجافا. أعرف كل هذا لكني كنت مصرا على خنقه وفتح الطريق أمام روحه كيما تغادر بدنه وإلى الأبد! لا أدري لم كل هذا الإصرار والعناد؟ لم يعد الأمر يسمح بالرجوع إلى الوراء، أو التفكير في أشياء عديمة الجدوى. أصبحت الآن على حافة الانتظار. أعيش هوس المحكمة. وأرسم الطريق إلى السجن. لا تهمني شتائم البوليس ولا حتى وقوفي مكبلا خلف الشباك ومثولي أمام القاضي. ما أصبح يهمني هو كيف أتخلص من صورة القرقري وأنسى تقاسيم وجهه وعينيه الغائرتين. لم تمح من ذهني تلك الرغوة الصفراء التي أفرزها من فمه. واندلقت بين شفتيه. أحس بنفور حقيقي من التفكير في مثل هذه الأشياء. ومهما حاولت الابتعاد عن الموضوع فإنني لا أستطيع. وأمنى بفشل ذريع حينما أفتش عن ذرائع أحتمي بها وأحاول استعادة توازني النفسي جزئيا. أجدني لا محالة مكسور الخاطر. مكدود القلب، أتنفس بصعوبة كبرى. أتنقل ببصري متسائلا: أين البحر؟ وأين السهول؟ وأين هي الشمس الغجرية؟ مضيفا الى أسئلتي التي تنغل في الدماغ سؤالا آخر: من قتل – فعلا – القرقري؟