هكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (13)

حجم الخط
1

هكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (13)

اعضاء الوفد للصين بالغوا في شراء الهدايا.. واخطبوط علي شكل باذنجان محشي وثوب وزيرة مصنوع من الصخرعماش كان شخصية متواضعة وبشوشا دائما.. عدم اهتمامه بالمناصب الكبيرة سهل الانقضاض عليههكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (13)اعدها: هارون محمدہرحلة العجائب عبر سيبيريا الي كوريا الشماليةكان تسويق النفط المنتج وطنيا علي سلم الأولويات بعد تولي البعث السلطة مباشرة، كما شكل الصدارة في العلاقات التجارية الدولية. وهكذا تحرك العراق تحركا واسعا نحو العديد من الدول الصديقة لعقد اتفاقيات تجارية وإبرام القروض ضمن اتفاقيات التعاون الاقتصادي والفني، وتم إدخال النفط العراقي مادة مستقلة في التبادل التجاري وسداد القروض المقدمة للعراق لبناء مشاريعه التنموية. وكانت كوريا الشمالية ضمن هذا التحرك حيث أعطي مجلس قيادة الثورة الضوء الأخضر وتشكل الوفد العراقي برئاستي في تشرين اول (اكتوبر) 1971. تضمنت المهمة إضافة عنصر جديد يدخل لأول مرة لاعتبارات تخص كوريا الشمالية، يتمثل بتقديم العراق قرضا لكوريا لبناء مصفاة لتكرير النفط هناك للاستهلاك المحلي بشرط استخدامها النفط الخام العراقي، الي جانب دخول النفط العراقي مادة في التبادل السلعي بين البلدين. فقد كانت كوريا الشمالية، آنذاك، بحاجة لتوسيع طاقة التصفية فيها الي جانب مشاريع التصفية التي كانت كوريا متفقة مع الصين لبنائها. يكشف دخول العراق في هذا الباب الجديد ـ تقديم قرض لبناء مصفاة ـ عن مدي تشبث القيادة بتسويق النفط في تلك الفترة حتي وإن كانت الطريقة صعبة او محاطة بمخاطر. تحرك الوفد من بغداد الي براغ اولا، ومنها الي موسكو حيث بدأت رحلتنا بطائرة ركاب سوفييتية من نوع (إليوشن) باتجاه عاصمة كوريا الشمالية بيونغ يانغ، حيث كانت الرحلة عبر سيبيريا الشاسعة أشبه ما تكون برحلة العجائب. فبعد مغادرة الطائرة موسكو كان عليها التوقف مرتين للتزود بالوقود بعد طيران دام نحو ست ساعات في كل مرة، وبذلك قطعت الطريق الطويل علي ثلاث مراحل، حيث قضينا النهار في موسكو، وأمضينا الليلة كلها فوق سيبيريا، ووصلنا بيونغ يانغ بعد ظهر اليوم التالي. المفاوضات في بيونغ يانغتوجهنا الي بيت صغير للضيافة يقع علي حافة المدينة، وكنا نعبر دوما علي قنطرة صغيرة تكفي لمرور سيارة واحدة فقط للوصول الي بيت الضيافة الجميل الواقع في منطقة خالية. جرت المفاوضات التجارية مع الجانب الكوري وتحديد السلع المتبادلة دون مشاكل، وجري الترحيب بتقديم العراق قرضا لبناء مصفاة النفط هناك علي أساس استخدام النفط العراقي. وقد استرعي انتباهي أنه كلما طرحنا مسألة جديدة علي طاولة المفاوضات كنا نواجه بامتناع الوفد الكوري برئاسة وزير التجارة عن الإجابة في تلك الجلسة، بل يطلب تأجيل المسألة الي يوم آخر، ما ولد الانطباع لدينا أن كل مسألة مثارة لا بد ان يبدأ الوفد ببحثها أولا في نطاق اللجان الحزبية المختصة. مقابلة الزعيم الكوري كيم إيل سونغقبل التوقيع علي الاتفاقية بيوم واحد أبلغنا المرافقون الكوريون فجأة بضرورة التهيؤ لأمر هام، ممتنعين عن الإجابة عن استفسارنا حول ماهية هذا الأمر وزمان حدوثه. وبعد برهة من الوقت طلبوا منا التهيؤ خلال ساعة لمقابلة شخصية رفيعة المستوي. وبعد انقضاء المهلة وتوجهنا الي السيارات علمنا أن المقصود مقابلة زعيمهم (كيم إيل سونغ). رحب بنا أجمل ترحيب في صالة بسيطة التأثيث، واقفا ببزته البسيطة الداكنة التي اعتاد عليها والابتسامة الرقيقة علي محياه، مشيدا بإقامة علاقات اقتصادية متطورة مع العراق، منددا، كعادة زعماء الدول الاشتراكية، بالمخططات اللعينة للدول الإمبريالية ضد بلاده والدول المحبة للسلام. مصنع لإنتاج الأقمشة من الصخرفي إحدي جلسات الاستراحة أثناء المفاوضات حدثني وزير التجارة الكوري عن انتاج الأقمشة من الصخر الذي لديهم. بدا الموضوع لي في غاية الطرافة ورجوته تمكيني من مشاهدة مصنع إنتاج القطن من الصخر فكان لي ما أردت. وصلنا الي المصنع المقصود الذي يقع في منطقة نائية عن العاصمة، حيث بدأت جولتنا من البوابة الرئيسية الضخمة حيث تمر منها سكة حديد لمرور حاويات القطار المحملة بالصخور القادمة من الجبال الكورية. وتتلخص طريقة العمل بنقل الصخور أولا الي أحواض واسعة عميقة، وبعد معاملتها بمواد معينة تمر بمراحل عديدة لتظهر في آخر خطوط المصنع تلال من القطن ناصع البياض ناعم الملمس، ثم يدخل بعدها بمرحلة تحويله الي خيوط دقيقة تلف علي بكرات كبيرة قبل أن تتجه الي مصانع إنتاج الأقمشة. وفي آخر ركن من أركان المصنع غرفة عرض صغيرة، حيث قدم الكوريون لنا هدية فريدة : عينة من الصخر ونماذج من القطن الاصطناعي مع نماذج من الأقمشة المنتجة بألوان عديدة جميلة تلائم الرجال والنساء والأطفال. في مساء ذلك اليوم أقام لنا الجانب الكوري حفل عشاء رسمي، وأخذت مكاني بجانب نائب رئيس الوزراء حول طاولة دائرية فحدثته عن الزيارة وإعجابي بالمصنع الفريد الذي ينتج القطن الاصطناعي. وأخبرني أن هناك أربعة مصانع في العالم من هذا الطراز، واحد في كوريا، وآخر في اليابان، واثنان في الصين، وكلها تعمل بالطريقة ذاتها. وأضاف ان الأقمشة المنتجة تسد الاستهلاك المحلي وتصلح للاستخدام في مختلف الأغراض والمناسبات، ثم قال وابتسامة الفخر علي محياه: أنظر الي السيدة الوزيرة التي تجلس أمامنا علي الطاولة، إن فستانها الأنيق نصفه من الصخر الكوري! . رافقت عبد الخالق السامرائي الي الصينعلي مدي عقود عديدة سبقت تفكك الإتحاد السوفييتي أواخرعام 1991 كانت غالبية دول العالم الثالث تعزز علاقاتها مع الدول الاشتراكية عموما، إلاّ أنها كانت تعطي أفضلية لأحد المحورين : محور الاتحاد السوفييتي او محور الصين. وبعد تولي البعث السلطة عام 1968 واجهت القيادة السياسية تحديات عديدة في التنمية واستثمار الثروة الوطنية. فمن ناحية كانت بحاجة الي إقامة المشاريع الكبيرة بينما لم تكن الموارد ميسرة، ومن الناحية الأخري كانت بحاجة الي كسر السيطرة الأجنبية علي النفط بينما كانت هذه المهمة طويلة وتتطلب مساندة اقتصادية وسياسية من دول صديقة. ضمن هذا الخط العام كنتُ عضوا في وفدين رسميين الي الصين، الأول برئاسة الدكتور سعدون حمادي وزير النفط والمعادن عام 1971، والثاني برئاسة عبد الخالق السامرائي في العام التالي 1972 حيث تشكل وفد كبير برئاسة السامرائي ـ عضو مجلس قيادة الثورة وعضو القيادتين القومية والقطرية ـ وكان من بين أعضاء الوفد مرتضي سعيد عبد الباقي وزير الخارجية، ومدلول ناجي المحنة وعفيف الراوي وشبيب المالكي وغيرهم من ذوي المناصب المتقدمة في الحزب والدولة، الي جانب ما يرافق مثل هذه الوفود ـ ذات المستوي العالي ـ من طاقم طبي وطاقم إعلامي. غادرت الطائرة العراقية التي أقلت الوفد بغداد باتجاه الشرق اولا حتي وصلنا الي (رانغون) عاصمة بورمــــا، وقضاء ليلة واحدة فيها لامر ضروري، فقد وصـل اليها قبلنا طاقم صيني لقيادة الطائرة العراقية. ذلك ان الإجراءات الاحتياطية الصينية لا تسمح أن يقود الطائرة العراقية فوق الأراضي الصينية طيارون عراقيون وحدهم لأن الطيارين الصينيين يعرفون مجالهم الجوي والمسارات الواجب علي الطائرة سلوكها كإجراء أمني يحظي بالأولوية القصوي. ولم تكن هذه الإجراءات غريبة عني، فقد عايشتها في السفرة السابقة مع الدكتور سعدون حمادي. محادثات ناجحة ومفارقات عجيبةاستقبل الوفد العراقي في (بكين) بحفاوة بالغة. وسارت المفاوضات في أجواء إيجابية، وجري تحديد الخطوط العريضة للمشاريع الإنمائية التي تعهد الجانب الصيني بتنفيذها من خلال قرض ضخم. وكنت لاحظتُ أثناء مناقشة المشاريع أن الخبراء الصينيين يبدون ملاحظات موضوعية، قائمة علي معلومات دقيقة، ويقدمون اقتراحات هدفها مصلحة العراق ويطيلون النقاش حولها دون ملل. ثم زرنا ضمن برنامج الزيارات (قاعة الشعب الكبري) او ما تسمي أحيانا (قاعة مؤتمرات الشعب)، وهي بناية ضخمة للغاية، تحتوي علي قاعة رئيسية رحبة تعقد فيها مؤتمرات الحزب الشيوعي الصيني، وتعلو عليها وتطوقها شرفات من طابقين دون أعمدة، وأمام القاعة مسرح رحب جدا. مقابلة الزعيم الصيني (شو إنلاي) إستقبلنا رئيس الوزراء آنذاك (شو إنلاي) ببزته البسيطة رمادية اللون التي اعتاد ارتداءها، وقد ارتسم علي محياه التواضع المقترن بعمق التفكير، وجلس في صدر القاعة علي كرسي متواضع والي يمينه ضيفه السامرائي فيما أخذ الآخرون أماكنهم علي كراس منفردة موزعة علي شكل حلقات كما هو متبع هناك في مثل هذه اللقاءات. كان (شو إنلاي) يتحدث بتأن وهدوء، واضعا يده اليسري علي يده اليمني المعاقة، معبّرا عن ترحيبه بالوفد وسروره لتطور العلاقات بين البلدين. وعندما تطرق الحديث الي (قاعة الشعب الكبري) قال إن هذا الإنجاز المعماري الضخم وما فيه من تأسيسات تم في مدة قصيرة مذهلة بلغت عشرة أشهر فقط ! اخطبوط بحري علي شكل باذنجان محشيفي حفلة عشاء أقيمت في (بكين) تكريما للوفد العراقي، كان أحد المسؤولين الصينيين جالسا بجانبي الي يساري، وعلي اليمين أخذ عفيف الراوي ـ وكيل وزارة الري ـ مكانه. نظر عفيف الي طاولة العشاء فأحصي ما علي الأواني الكبيرة من أكلات لذيذة راجيا مني مناولته ( باذنجان محشي ) كان قريبا مني، ففعلت. وانشغل عفيف بأكله الذي أراد أن يذكره بلذائذ الطبخ العراقي. ثم انشغلت أنا بقصة طويلة رواها المسؤول الصيني بجانبي حول سوء معاملة السوفييت والغش الذي مارسوه، إذ كانوا يشحنون لهم صناديق ضخمة تحوي مكائن ومعدات. وكان الترتيب بينهما أن تحسب قيم المكائن علي أساس الوزن بدلا من أساس القيمة لكل نوع من المكائن. ثم اكتشف الصينيون أن السوفييت يخدعونهم فيضعون في الصناديق أحجارا ثقيلة من أجل زيادة الوزن الي جانب المكائن، علي حد ما ورد علي لسان المسؤول الصيني. عندها جاءت لحظة قطعت سلسلة الحديث عندما رجاني عفيف مناولته قطعة ثانية من ( الباذنجان المحشي ) معبرا عن طعمه الشهي ومستفسرا عن ترددي عن أكله. عندها التفتُ الي الرجل الصيني بجانبي وسألته عما يكون هذا ( الباذنجان المحشي ).. فقال إن هذا ليس منتجا نباتيا بل نوع من (رأس أخطبوط البحر) !. من المعروف أن الصينيين يأكلون كل شيء تقريبا، نباتا او حيوانا، علي الأرض او في الماء او الهواء. أسواق العاصمة (بكين) علي سبيل المثال، تغص بأقفاص الحيوانات المختلفة، ومن بينها الكلاب التي تنتظرها قدور المطابخ. كنت أسمع قولا يردده الناس في العالم (إن الصينيين يأكلون كل ما هو طائر في الهواء عدا الطائرة، ويأكلون كل ما علي الأرض ذي أرجل أربع عدا الطاولة !). مقابلة الأمير الكمبودي اللاجئ ( سيهانوك ) جري ترتيب لقاء لنا مع (الأمير سيهانوك) بمقره في (بكين). فالصين كانت تحرص علي ترتيب هذه اللقاءات، حيث احتضنته كلاجئ بعد اضطراره لمغادرة بلاده ( كمبوديا). رحب بنا ( سيهانوك ) أجمل ترحيب، وتكلم فترة من الوقت حول أوضاع بلاده، ووجدناه شخصية متواضعة للغاية، لا تفارق الابتسامة وجهه، ثم عرفناه شخصية تحب الفنون أيضا، وقدم لكل عضو في الوفد هدية تذكارية تتضمن عددا من الاسطوانات الموسيقية من تلحينه (1). امتعض عبدالخالق من كثرة هدايا أعضاء الوفد العراقيوبعد اكتمال برنامج الزيارات الطويل والتوقيع علي الاتفاقية مع الجانب الصيني، تهيأ الوفد العراقي للسفر. عندها مرت حادثة تسترعي الانتباه إذ كان الكثير من أعضاء الوفد قد تجول في أسواق (بكين)، كلما أتاح الوقت لهم ذلك، واشتروا هدايا وحاجيات عديدة، ومن بينها أجهزة كهربائية كبيرة. فقد كانت العادة معروفة، حين الوصول الي بغداد، بالسماح لهذه الحاجيات والأجهزة أن تمر دون تأدية رسوم جمركية. مر عبد الخالق علي الغرف لتفقد أحوال الوفد قبل السفر. ولاحظ الهدايا والأجهزة الكبيرة، فامتعض جدا من كثرتها، وعبر عن استيائه أمام أعضاء وفده وطلب علي الفور من موظفي التشريفات العراقيين أن تخضع كافة المشتريات الي الرسوم الجمركية في بغداد حسب الأصول ودون استثناء. ويمكنني القول ان تصرف عبد الخالق هذا يعكس عما يعرف عنه بتشبثه اللامحدود بالضوابط والقواعد. ولم أكن ألمس مثل هذا التصرف من أي عضو قيادي آخر رغم سفراتي العديدة معهم. غادرنا مطار (بكين) بحفاوة رسمية وشعبية بالغة، حيث وقفت مجموعات من الشبان والشابات تقدم الأغاني والرقصات وسط الأعلام واللافتات. وتحركت الطائرة العراقية وعليها طاقم قيادة صيني مرة أخري. وبعد توقف في مدينة (كانتون) الصينية وصلنا العاصمة البورمية (رانغون) حيث قضينا الليل بعد أن ودعنا الطاقم الصيني. في اليوم التالي أقلعت الطائرة من مطار (رانغون) باتجاه الغرب ، وبعد ساعات من الطيران واجهنا حالة غريبة أدخلت الرعب فينا. فكلما لمسنا شيئا في الطائرة انطلقت فورا قدحة كهربائية قوية، لا فرق ان نلمس مقعدا او حقيبة او نضع يدنا علي كتاب او ورقة. انشغل فكرنا كثيرا ونحن علي ارتفاع يزيد علي 30 الف قدم. أعلمنا قائد الطائرة بالأمر فأخذ يهدئ من روعنا ويعتبر المسألة عادية في رحلتنا الطويلة الي بغداد. عندها قال له عبد الخالق السامرائي لو كنتُ وحدي في الطائرة لأخذت برأيك، ولكنني لا أريد المجازفة وعلي الطائرة وفد رسمي كبير أنا مسؤول عن سلامته . طلب عبد الخالق قطع الرحلة والنزول الي مطار قريب. ولحسن الحظ كانت الطائرة قد اقتربت من العاصمة الهندية (نيو دلهي). في الأجواء أخذت الطائرة الترخيص من مطار (نيو دلهي) بالنزول لأسباب اضطرارية، وجري اعلام السفارة العراقية هناك بالأمر. هبطت الطائرة وحمدنا الله علي السلامة. وفيما كان الوفد جالسا في صالة الانتظار الرسمية، كانت الأجهزة الهندية المختصة مشغولة بالمشكلة الكهربائية في الطائرة التي تمت معالجتها بعد نحو ساعة عن طريق ازالة ما تجمع في الطائرة من شحنات كهربائية، وتنظيف الرؤوس المدببة المثبتة علي الطائرة التي تتولي اخراج تلك الشحنات من الطائرة اثناء التحليق. هكذا أوضح لنا قائد الطائرة العراقية التي أقلعت بنا مطمئنين وأوصلتنا الي بغداد سالمين. صالح مهدي عماش شخصية فريدةيعد صالح مهدي عماش من بين أبرز الشخصيات العسكرية التي انضمت الي حزب البعث في الخمسينات، ورافق الأحداث والتطورات ـ الحزبية والسياسية والعسكرية ـ وتعرض الي المطاردة والسجن في العهود المختلفة، ولعب دورا متميزا علي صعيد الحزب والدولة منذ أحداث تموز/ يوليو 1968. عماش شخصية فريدة جمعت بين الرتبة العسكرية المتقدمة ـ فريق أول ركن ـ والمكانة السياسية ـ عضو في مجلس قياة الثورة والقيادة القطرية ـ الي جانب مهامه في الدولة نائبا لرئيس الوزراء ومشرفا علي الشؤون الاقتصادية في البلاد، قبل اعفائه من جميع مناصبه عام 1971 اثر اختلافه مع صدام حسين وابعاده عبر مناصب دبلوماسية تولاها خارج العراق. ما يميز عماش عن الآخرين كونه، في الوقت ذاته، أديبا وشاعرا وهاويا لضروب الرياضة، وبساطته في المسلك والتصرف، مجاملا لغيره، لا تفارقه الابتسامة أثناء الكلام مهما كانت طبيعته، يطرق برأسه أثناء الحديث أمام المقابل بين لحظة وأخري تعبيرا طبيعيا صادقا عن التواضع. كان ينهمك بمعالجة قضايا الناس والضعفاء انهماكه بأمور الحزب والدولة. وكم من مرة جلست أمامه في مكتبه منتظرا انتهاءه من اتصالات هاتفية يجريها في صالح هذا او ذاك. وكنتُ ألاحظ أثناء توليه رئاسة الوفود الي الخارج ومقابلة رؤساء الدول لتبادل التحية طبقا لمقتضيات البروتوكولات الدولية، أن عماش لا يخطو خطوات متتالية نحو رئيس الدولة، انما يتوقف لحظات، عند منتصف المسافة، ويحني رأسه قليلا تعبيرا عن احترامه لرئيس الدولة او يؤدي التحية العسكرية ان كان رئيس الدولة شخصية عسكرية، قبل مواصلته الخطوات لاتمام المصافحة. لم أر في طبيعة عماش تصميما ذاتيا لكسب موقع في قمة الحزب والدولة، وهو ما كان متماشيا مع تواضعه والتزامه بالمعايير الحزبية، ما جعل الانقضاض عليه في نهاية الأمر سهلا وغير محفوف بالمخاطر. وبسبب اشراف الرجل علي الشؤون الاقتصادية في البلاد حتي تاريخ اعفائه، ونتيجة لطبيعته الانسانية البسيطة، فقد رافقته زميلا وصديقا سنوات عدة، وأتاحت تلك العلاقة أن أشهد معه، رحمه الله، أحداثا متنوعة وأسمع قصصا لم ترد علي لسان غيره. اعتراف العراق بجمهورية المانيا الديموقراطيةبعد أحداث تموز (يوليو) 1968 كان توثيق العلاقات مع دول الكتلة الاشتراكية يمثل أحد أركان سياسة العراق الخارجية، فيما استمرت العلاقة مع جمهورية ألمانيا الديموقرطية في فترة الأشهر التسعة التالية مقتصرة علي تمثيل قنصلي. وكان معروفا أن ألمانيا الديموقرطية استمرت تكافح، منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية، في جعل اعتراف دول العالم بها اعترافا دبلوماسيا كاملا هدفا دائما فيما كان خصمها ـ ألمانيا الغربية ـ يمارس مختلف الضغوط علي دول العالم للحيلولة دون ذلك. وفيما كان مجلس قيادة الثورة يتدارس مساء أحد أيام ربيع عام 1969، علي مهل، مسألة الاعتراف بألمانيا الديموقراطية، اتصل بي صالح مهدي عماش، حيث كنتُ وزيرا للاقتصاد، طالبا حضوري الي المجلس الوطني لملاقاته، من دون الافصاح عن شيء، لأعلم حين اللقاء أن الغرض يكمن في تكليفي بأعمال الترجمة من العربية الي الألمانية وبالعكس للحديث الذي سيدور بعد قليل بين عماش وقنصل ألمانيا الديموقراطية في بغداد المستدعي الي المجلس الوطني. وفي الدقائق القليلة التي سبقت وصول الدبلوماسي الألماني أخبرني عماش أن موضوع الحديث مهم، وقد اختارني للترجمة بسبب الطبيعة السرية التي يتسم بها. حضر القنصل وحيّانا بكل أدب واحترام، لنجلس نحن الثلاثة في وضع بعيد عن المظاهر البروتوكولية، ليبدأ عماش بحديث ما خلاصته ان العراق راغب في الاعتراف بجمهورية ألمانيا الديموقراطية اعترافا دبلوماسيا كاملا، وراغب كذلك في أن يقترن الأمر بتعاون اقتصادي وفني واسع، مشيرا الي رغبة العراق في الحصول علي قرض ضخم تمنحه ألمانيا الديموقراطية دون فوائد لتمويل مشاريع التنمية العراقية وفي مقدمتها الصناعية، التي يجري تحديدها فيما بعد ضمن اتفاقية التعاون. وأبرز عماش في حديثه جانبا مهما يتمثل بأن العراق، باعترافه بألمانيا الديموقرطية، سيكون السبّاق في العالم العربي بهذه الخطوة التي ستشجع دولا عربية أخري للحذو بها. كنتُ أترجم الي الألمانية مقطعا بعد مقطع فيما كان القنصل يدون علي ورقة بين يديه النقاط الواردة لحين انتهاء عماش، حيث التقط الدبلوماسي الألماني الكلام شاكرا لهذا اللقاء الودي وطبيعته المسرة واعدا بنقل الموضوع الي الجهات الرسمية في بلده. وقبل أن ينصرف المسؤول الألماني كان عماش أكد أكثر من مرة علي سرعة الاجابة. حين حـلـّت الخلوة بعد دقائق سرّني عماش بظروف المسألة المستعجلة قائلا ان مجلس قيادة الثورة لم يكن علي عجالة في حينه، الاّ أن شخصا موثوقا تحدث الينا بعد احتكاكه بالجهات الرسمية العليا في دمشق، ذاكرا بصورة عرضية، أن سورية تعد العدة للاعتراف بألمانيا الديموقرطية. وكان هذا الخبر، حسب قول عماش، الدافع لمجلس قيادة الثورة للاسراع بالاعتراف قبل أن تخطوها سورية، ما سيوفر أرضية جيدة لحصول العراق من ألمانيا الديموقراطية علي قرض كبير ومعونة فنية. في ضوء ذلك اعترفت الحكومة العراقية اعترافا دبلوماسيا كاملا بجمهورية ألمانيا الديموقراطية في شهر ايار/ مايو 1969، وتم ابرام اتفاقية التعاون الاقتصادي والفني بينهما في برلين أواخر الشهر ذاته، حيث قدمت ألمانيا الديموقراطية بموجبها قرضا ضخما بقياس ذلك الزمان يبلغ 30 مليون دينارـ ما يعادل 84 مليون دولار حينها ـ بشروط سخية لتمويل المشاريع في العراق، متمثلة بمعدل فائدة 2,5 بالمئة وسداده بالنفط والمنتجات العراقية الأخري خلال فترة 12 عاما، فوقعها عن الجانب العراقي وفد برئاسة خالد مكي الهاشمي وزير الصناعة آنذاك.في براغ .. مطارحات شعرية بين عماش والجواهريفي شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1969 كنتُ مع عماش في براغ عاصمة تشيكوسلفاكيا السابقة ضمن وفد رسمي برئاسته وعضوية الدكتور رشيد الرفاعي وزير النفط والمعادن والدكتور سعدون حمادي رئيس شركة النفط الوطنية آنذاك فيما كان أبرز مهام الوفد محصورا بمشروع مصفاة النفط الكبري في البصرة. وأثناء اقامة الوفد وصل الي أسماع عماش وجود الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في براغ في ظروف معيشية صعبة ورغبته في لقائه في دار الضيافة الرسمية، فاستجاب بسرعة لهذه الرغبة، مصرا علي عدم تكليف الجواهري بتجثم عناء المجيء الي دار الضيافة ومفضلا في الوقت ذاته ملاقاة الجواهري في المقهي ذاته الذي كان شاعر العرب معتادا علي التردد اليه. وكان عماش دعاني والرفاعي وحمادي لمرافقته في هذه الزيارة التي كنا في شوق لها، واخذنا أماكننا مع الجواهري عند طاولة واحدة في ذلك المقهي البسيط المكتظ بالزوار وحركة عاملاته الحسناوات. كانت الجلسة شبيهة بأجواء اللقاء العائلي من حيث البساطة والتواضع، عرج الحديث خلالها علي حياة شاعرنا الكبير وهمومه في هذه المدينة العريقة، أما عماش فقد بدأ يقرض أبيات قصيدة شارك الآخرون في استكمال مفرداتها، وكلما تعذر انجاز بيت منها وجدت الجواهري يهب فورا بانقاذ الموقف معني ووزنا حتي نـُظمت قصيدة من نحو 20 بيتا في وصف الناس ونصفهم الحلو، قصيدة تولي تدوينها الدكتور الرفاعي ووعد بتزويد كل منا بنسخة منها لكنه لم يف بذلك حتي اليوم! اختلاف حرف في الترجمة كاد يسبب مشكلةخلال وجود صالح مهدي عماش والوفد المرافق له في تركيا لتوسيع العلاقات الاقتصادية بين البلدين دعانا وزير الخارجية التركي الي حفل عشاء مختصر في فندق أنيق بعيدا عن وسط العاصمة أنقرة، وكنتُ في حينه وزيرا للاقتصاد والي جانب الدكتور رشيد الرفاعي وزير النفط والمعادن والدكتور سعدون حمادي رئيس شركة النفط الوطنية كما نشكل أعضاء الوفد. وبعد تناول الوجبة اقترح الوزير التركي جلوسنا في الشرفة للتمتع بالهواء العليل ومنظر الطبيعة الجميلة. واستجبنا حيث بدأنا بتجاذب أطراف حديث مشوق بعيدا عن جدول المفاوضات. لكن بعد أن تطرق النقاش الي بعض المسائل العالقة أشار الوزير التركي الي كلمة تركية مأثورة يتداولها الناس تقول تهون الأمور كلها مع تناول القهوة وتدخين السيجارة !. فما كان من الرفاعي الاّ أن أضاف عليها عبارة ووجوه الحسان المحيطات بالجو . لكن ما لفت انتباهنا ظهور علامات العجب والحيرة علي ملامح الوزير الأمر الذي جعلنا نقطع بحدوث خطأ ما في الترجمة. وبالفعل تبين بعد لحظات ان أذن المترجم التقطت كلمة حصان بدل حسان المعنية فوقع الخطأ وظهر العجب!. فجاء تعليق عماش بحمد الله علي أن الخطأ صادف في جلسة مرح وليس لقاء عمل رسمي وانه قاد الي حصان ولم يذهب الي شيء آخر! في باريس .. الحيطة من أجهزة التنصت كنتُ في مهمة رسمية في باريس حين التقيت عماش الذي كان في حينه سفير العراق هناك. وعقب تناولنا الغداء علي انفراد في داره، اقترح الخروج الي الحديقة الواسعة المحيطة بداره، وأخذنا نقطع الخطوات علي مهل فيما انطلق عماش بحديث عن همومه وموقف رفاقه. ونوه بطريقة المداعبة، بعد أن قرأ علي وجهي استفسارا، تجنبه الحديث في هذه المسائل في داره لتشككه في احتمال وجود آذان صاغية، ففهمت المغزي المتجسد في أجهزة التنصت. وكعادته الدائمة لم يكن عماش يترك لقاء من هذا النوع يمضي دون مسرة ودعابة. وكان معروفا أن السفارة العراقية اعتادت تجميع التلاميذ العراقيين الراغبين في أداء الامتحانات النهائية وحيث كانت الأسئلة ترد موحدة مختومة من بغداد. فلفتني قوله ان نسبة النجاح في المدرسة العراقية التـــابعة للسفارة بلغت في ذلك العام 100 بالمئة فهنأته علي هذا الانجاز، لكنه بادر الي القول لكنك يا دكتور لم تسأل عن عدد التلاميذ الذين شاركوا في الامتحان، لقد بلغوا تلميذا واحدا فقط!، الله جابهه ويّاه ونجح! . الهوامش:(1) تجدر الاشارة الي انه بعد مرور أكثر من عقدين من الزمن علي اللقاء في ( بكين) مع الأمير اللاجئ (سيهانوك) تمت اعادة تنصيبه ملكا علي بلاده وفق دستور جديد عام 1993، ثم أعلن الملك (سيهانوك) عام 2004 عن رغبته في التنازل عن عرشه.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية