مع كل أزمة دولية يعيشها عالمنا اليوم، تتراءى أسئلة في الأفق، هل انتهى عصر الهيمنة الأمريكية؟ هل ضعف الغرب وحلفه؟ هل عادت روسيا؟ هل هو زمن الصين ودول تتمايل نحو الريادة كالهند والبرازيل؟ بوتين بإسم الشرعية ينتزع شبه جزيرة القرم من أوكرانيا كما انتزعت كوسوفو بإسم الشرعية من صربيا، هكذا يقول هذه بتلك، وفي الحالتين طرف يهاجم وطرف آخر يندد ويتوعد، فهل ساند الروس حليفهم الصربي حينها أو أرجع الغرب موقعا استراتيجيا بالنسبة للحلف الأطلسي كالقرم مثلا ؟ قد ينصف الوضع السياسي والإقتصادي ضعف الموقف الروسي إبان حرب كوسوفو(1997-1999)، غير أن حرب أوسيتيا 2008 والتدخل الروسي في جورجيا لدعم النزعة الإنفصالية لإقليم أوسيتيا الجنوبية أظهر ضعف الموقف الغربي في دعمهم لجورجيا، تتكرر الحالة من 2008 إلى 2014، يبدو أن موسكو في علياء من الثقة بالنفس وبقدراتها وبتغير موازين القوى خاصة بعد الأزمة الإقتصادية العالمية والتراجع الأمريكي المسجل في عهد أوباما. كثيرون ممن يتحدث عن أن العالم اليوم ليس هو عالم ما بعد سقوط الإتحاد السوفييتي، كثير يرون أن قوى تظهر من الشرق ومن أقصى الجنوب الغربي، حقيقة تردد القول بتغير الحال، لكن تبدو أمريكا هي أمريكا والغرب هو الغرب، هل هناك تغير ملموس باد للعيان؟ سنتان للوراء تدخل الغرب في ليبيا مع صمت روسي، برر الصمت بأن طرابلس القذافي لم تكن حليفا قويا لموسكو كما إيران أو سوريا مثلا، هذا ما جعل الأزمة في الشام تطول، ليس من السهل التنازل عن الأسد وعن سوريا وعن قاعدة البحرية الروسية بطرطوس وعن التعاون العسكري السوري الروسي المشترك، عدم التدخل المباشر للطرفين الغرب وروسيا يعني أن كليهما غير قادر على الدخول في حرب استنزاف وفي وضعيات اقتصادية متهالكة تسعى للشفاء مما سببته الأزمة الإقتصادية، سوريا تمثل حالة للوضع العالمي الآن، لا غالب ولا مغلوب، لا توجد قوى مهيمنة كما لا توجد قوى ضعيفة غير الأحلاف من دول إقليمية، أتحدث عن القطبين روسيا من جهة والغرب من جهة أخرى ويمكن أن نلخصه في حلف الناتو، عدا هذين القوتين تتوثب دول كإيران وتركيا أو السعودية…لتشارك في صناعة القرار أو رسم الخريطة السياسية لعالم اليوم، هي دول إقليمــية تشــــترك فـــــي صناعة الحدث طبعا لكن بأدوار ثانوية هامشية أو إن تجاوزت ذلك فهي محدودة داخل نفوذها الإقليمي، وتبقى لعبة المصالح والحفاظ على الوجود هدفها لا أن تتصدر المشهد كمنافس قوي للقوى الكبرى، وهـــي بذلك قد تكون بالكاد أداة ( كسبيل المثال السيولة الخليجية المستعملة لدعم أمريكا في حرب العراق أو الغرب في إسقاط نظام القذافي) أو بسعيها لامتلاك القــــوة لتضمن الحــياة بماهي عليه ( إيران أو كوريا الشمالية مثلا)، طموحها هذا أو سبيلها للكينونة هو ما يدعو للقلق، هذه الدوائر المغلقة إقليميا وما يصحبها من أزمات تلعب فيها هذه الدول دور جندي الصف الأول المقدم للجبهات بقيادة وتحت مظلة القوى الكبرى. صورة غير واضحة، صورة العالم الآن، لم ينته التاريخ، قد تنتهي دورة من دوراته، لتبدأ أخرى في التشكل والتطور، سنة سنتان ثلاث بل عشر قد لا تسعفنا لوضع خلاصة تامة عن ماهية هذه الصورة، ويبقى سؤال من هي القوة الكبرى التي تهيمن على العالم سؤالا مؤجلا إلى حين، والحين هنا سنوات إن لم أقل عقود.