هكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (الاخيرة)
شفيق الكمالي اعتقل بسبب شريط مسجل لابنه يسخر فيه من السلطة.. ومات في ظروف غامضة قبل أن يسجل روايتهصدام زار بيت الشاعر واعجب بصالته العباسية.. وقرر عام 2000 تغيير النشيد الوطني الذي كتبه الكماليهكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (الاخيرة)اعدها: هارون محمدہطه محي الدين معروف تعرفت علي طه معروف لأول مرة عقب أحداث 30 تموز/ يوليو 1968 حين ضمنا مجلس الوزراء في تشكيلته الأولي، وحيث كان يشغل منصب وزير الدولة في حين كنت أتولي مهام وزارة الاقتصاد. لكن ظروف العمل الرسمي لم تساعد في حينه علي تعميق التعارف معه خاصة مع عدم وجود رابط اقتصادي بين حقيبتينا الوزاريتين. لكن فرصة أخري لتعميق التعارف حانت حين أصبح سفير العراق في ايطاليا، وكنتُ حينها في طريقي الي العاصمة روما ضمن وفد جاب عددا من الدول الأوروبية حول الأمور النفطية بعد خطوة التأميم في العراق عام 1972. وقد لمست فيه، من خلال حديثه وسلوكيته، الرقة والدقة والتواضع، وهي صفات استمر يتحلي بها ولم تفارقه يوما واحدا. بعد لقائنا في روما ومن ثم تعيينه نائبا لرئيس الجمهورية عام 1974، رافقته في مهام رسمية عديدة. ومن الصدف الطريفة أن أصبح مكتبه في الطابق الأرضي من مبني المجلس الوطني وهو الطابق نفسه الذي كان يضم مكتب صدام، فيما كان مكتبي في الطابق الأول، ما يسر تكرار زيارات المجاملة في ذلك المبني خلال أوقات الدوام الرسمي. جاء قرار مجلس قيادة الثورة بتعيين طه معروف نائبا لرئيس الجمهورية باعتباره من الأكراد، وحيث ابتغي الحكم اضفاء رمز مشاركة الأكراد عليه، وكان يسعي للبحث عن شخصية يسهل التعامل معها. فجاء تعيينه عضوا في مجلس قيادة الثورة في وقت لاحق عام 1982 الي جانب منصب نائب رئيس الجمهورية. وشكلت عضويته في مجلس قيادة الثورة استثناء من القاعدة التي كانت سائدة وتقصر الأمر علي الرفاق المتقدمين في حزب البعث(1). رافقتُ طه معروف في الوفود الرسمية التي ترأسها الي كل من: اليابان في كانون الثاني/يناير 1977 واندونيسيا في كانون الثاني/يناير 1977وبلغاريا في كانون الثاني/يناير 1978 وألمانيا الديمقراطية آنذاك في كانون الثاني/يناير 1978. زيارته الرسمية لليابانخلال زيارة طه معروف الرسمية الي اليابان في النصف الثاني من شهر كانون الثاني/ يناير 1977 خصصت الحكومة القصر السابق لامبراطور اليابان مكانا لاقامة رئيس الوفد العراقي وأعضائه. وكان القصر في غاية المتانة والاناقة التي لم أشهد له مثيلا من قبل، فالأعمدة الجبارة والسلالم الرحبة وأرضياته الواسعة من المرمر الزاهي بلونه الوردي وبصمات الطبيعة الجميلة علي صفحاته تعبر أصدق تعبير عن الدقة والبذخ والاهتمام براحة الامبراطور وقدسيته. خلال زيارتنا لطوكيو استقبلنا امبراطور اليابان يوم 20 من شهر كانون الثاني/يناير في قصره المحاط بحدائق غناء، وكان لافتا بهدوئه عندما يتحدث وتواضعه عندما يبدر منه شيء، ثم استضافنا علي حفل غداء تكريمي ساده بروتوكول دقيق. وكنا نعرف مسبقا، عبر بطاقات الدعوة الواصلة في وقت مبكر، مخططا لقاعة الغداء ومدخلها وأماكن الجلوس المحددة لكل شخص. وفيما أخذ الامبراطور هيروهيتو مكانه عند وسط الطاولة الرحبة وبجانبه ضيفه طه معروف، جلس ابنه ولي العهد الأمير أكيهيتو في المقابل(2). وحين ألقيت نظرة علي الدائرة الحمراء الموضوعة علي خارطة الجلوس المقدمة لي في وقت سابق علمت أن مكاني علي يسار الأمير الياباني ميكاسا(3). وكانت تلك المناسبة فريدة للتعرف علي الامبراطور شخصيا ورموز عائلته وتواضعهم ومجاملاتهم منقطعة النظير. لكن البروتوكول الياباني الدقيق لم يسمح بالتقاط صورة تذكارية مع الامبراطور الا لطه معروف كنائب لرئيس الجمهورية. كان جلوسي بجانب الأمير ميكاسا، وهو بعمر 62 عاما حينها، فرصة ثمينة للتحدث معه في العديد من المواضيع، والاستماع الي نظرته الواسعة والدقيقة في المجالات السياسية والاجتماعية علي الصعيدين الياباني والدولي. وكان قد جمع خبرة واسعة من خلال كونه رئيسا لمركز الشرق الأوسط الثقافي في اليابان، ورئيسا فخريا لعدد من الجمعيات الدولية الاجتماعية والثقافية والانسانية.والي ألمانيا الديموقراطية في هذه الزيارة، التي ترأسها طه معروف، للفترة من 7 ـ 10 كانون الثاني/ يناير 1978 ضم الوفد الرسمي العراقي 16 شخصا، كنت من بينهم وكذلك الدكتور سعدون حمادي وزير الخارجية والسفير العراقي في برلين السيد زهير البيرقدار وموظفون كبار من وزارات الخارجية والتجارة والتعليم العالي والبحث العلمي والزراعة والاصلاح الزراعي والتخطيط، وكذلك لجنة المتابعة لشؤون النفط وتنفيذ الاتفاقيات، الي جانب 5 اشخاص مرافقين. كان برنامج الزيارة حافلا، وسمي السيد غونتر كلايبر، الشخص الثاني في الوفد الألماني، مرافق الشرف للوفد العراقي، وهو مرشح المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الاشتراكي الألماني الموحد ونائب رئيس مجلس الوزراء ووزير صناعة الماكنات. يوم الاثنين استقبل ايريش هونيكر الأمين العام للجنة المركزية للحزب الاشتراكي الألماني الموحد ورئيس مجلس الدولة في جمهورية ألمانيا الديمقراطية طه معروف، وكنا ثلاثة رفقته، أنا والدكتور حمادي والسفير العراقي البيرقدار. وكان هونيكر مغتبطا بتطور العلاقات بين البلدين، وعبر، بصوت حاد النبرات كعادته، عن دور الامبريالية المزري بزعزعة السلام بين الشعوب وسعيها للسيطرة علي ثروات الأمم، ودعم بلاده للجهود الرامية لازالة التوتر في الشرق الأوسط ولحصول الشعب الفلسطيني علي حقه كاملا. وفي ذات اليوم استقبلنا أيضا السيد فيلي شتوف عضو المكتب السياسي للحزب ورئيس مجلس الوزراء، مؤكدا أهمية استمرار المشاورات السياسية في المسائل ذات الاهتمام المشترك وتبادل الخبرات علي صعيد الدولة والمجتمع، ورغبة بلاده بتعميق العلاقات الاقتصادية مع العراق وفق منظور بعيد المدي ودور اللجنة المشتركة الدائمة الألمانية العراقية بهذا الشأن. وخلال مكوثنا في برلين نظمت زيارتان فريدتان، كانت الأولي، كما عبر عنها برنامج الزيارة الرسمي، زيارة حدود الدولة عند بوابة براندنبورج. وقفنا عند البوابة، وأجسامنا تلامس جدار برلين الشهير، ملقين نظرة بعيدة، ونفوسنا مليئة بالدهشة والتأثر، علي أرض واحدة وشعب واحد قضت الحرب العالمية بهذا المصير، فيما انشغل المرافقون الألمان يحدثوننا عن الاعتداءات والتجاوزات من جانب الخصم المقابل (المانيا الغربية)(4). وخصصت المناسبة الثانية لزيارة أحد متاحف الدولة في برلين، وهو متحف بيرغامون، حيث أمضي طه معروف وبقية الوفد وقتا طويلا في مشاهدة معالم بابل التاريخية، باب عشتار الحقيقي. وكان الألمان أعادوا نصب الجدران بمجسماتها الفريدة والوانها الرائعة بكل صبر ودقة من ملايين قطع الأحجار الصغيرة التي نقلتها صناديق البعثات التنقيبية الألمانية الي برلين في فترة ضعف الحكم الوطني في العراق. ومع الشعور العارم بالفخر الذي ملأ نفوسنا فقد ظل طه معروف يتحدث معنا ساعات طويلة بعد انتهاء الزيارة حول تلك الآثار النادرة لحضارات بلاد الرافدين في تلك العصور السحيقة. شفيق الكمالي والمأساة التي حصلت لهما يؤسف له أن تكون مبارحة ابن عمي شفيق الكمالي، الشاعر الأديب والرسام المبدع، الدنيا قبل تدوين مذكراته، فقد توفي في 15 كانون الأول/ ديسمبر 1984 وسط ظروف غامضة، وبذلك رحلت معه كل الأحداث التي عايشها وكان الشاهد عليها، في السياسة كما في النضال، طيلة نحو أربعة عقود من الزمن. رافق شفيق حزب البعث منذ بدايات نشأته، وتعرض للمطاردة والسجن والتعذيب مرات ومرات، وشارك عضوا في القيادتين القومية والقطرية، وساهم عضوا في مجلس قيادة الثورة وتولي مناصب وزارية ودبلوماسية منذ عام 1968، وتوج أعماله الشعرية بوضع كلمات النشيد الوطني العراقي، ثم وجد نفسه أخيرا ملاحقا ضمن قائمة المنبوذين والمطاردين من قبل نظام الحكم شأنه شأن غيره من الحزبيين القدامي. شفيق الكمالي عديلي وابن عمي ولد في مدينة (البوكمال) السورية عند الحدود العراقية بعد أن شطرت معاهدة (سايكس بيكو) ابان الحرب العالمية الأولي عائلة قدوري الساكنة علي شريط نهر الفرات من (عانة) الي (دير الزور) الي شطرين، واحد في العراق والآخر في سورية. أدرك شفيق قبل رحيله بسنوات أن الحكم بات يناصبه العداء لآرائه وانتقاداته المريرة، لكن لم يكن من يد سوي الاذعان لانحسار دوره في الحزب والدولة خشية مما هو أعظم. في آخر لقاء جمعني به في داره ببغداد يوم 29 حزيران (يونيو) 1982 تحدث عن سياسات الحكم الطوباوية بقلب مليء بالأسي وعينين تراقبان أياما سوداء آتية. قال لي: يا فخري، لقد نفد الصبر ولم يعد لي الا تجنب ما يحاك في الظلام، ولم يعد يهم حتي العمل بالبقالة في عمان بضمير مرتاح!. وفي ختام حديثه ألح علي بعدم العودة الي بغداد، دفعا لما قد يدبر ضدي أنا الآخر من مكائد. بعد نحو عام من ذلك اللقاء أعلمتني زوجته هاتفيا من بغداد تعرضه ونجله يعرب لموقف سيء دون أن تفصح عن حقيقة الأمر لخشيتها من العيون التي تراقب الهاتف، لكني وقفت علي التفاصيل عندما حانت فرصة أفضل. اعتقال نجله يعرب من كليته أوائل شهر تموز (يوليو) 1983 ألقت أجهزة الأمن العراقية القبض أولا علي نجله الأكبر (يعرب) الطالب في كلية العلوم بجامعة بغداد أمام منزله واقتادوه الي سيارة أمن كانت تنتظر، ولم يعلم بالأمر سوي الجيران الذين سارعوا لاعلام ذويه بما حل. وعلم ابنه أثناء التحقيق والتعذيب أن السبب يكمن في شريط مسجل له مع بعض من زملائه خلال تبادله دعابات ساخرة بالسلطة وبعض رموزها. قبع الابن في أقبية أجهزة الأمن أسابيع دون أن يتمكن والده من فعل شيء، فقد كان هو الآخر مغضوبا عليه من قبل صدام ومراقبا من قبل أجهزة الأمن والمخابرات. ولم يجرؤ حتي الأصدقاء والأقارب علي التدخل لأن ذلك يعني تجاوز الخطوط الحمراء بمفهوم النظام في ذلك الزمان. وبعد مضي نحو شهر اضطر الابن، تحت تأثير التعذيب، للاعتراف بأن كل ما ردده في الشريط المسجل كان مقتبسا من والده، ونحو الساعة الثالثة بعد ظهر أول أيام شهر آب (اغسطس) 1983 توجهت أجهزة المخابرات الي دار شفيق بهدف القاء القبض عليه. في تلك الساعة كان في المنزل زوجته وابنه تغلب وابنته حنان وطفلتها البكر زبيدة التي لم تتجاوز في حينه العام الواحد، يتجاذبون أطراف الحديث مع أقرباء جاؤوا للزيارة. حجز أفراد اسرة الكمالي في المخابراتدخل أفراد المخابرات الدار متسائلين عن شفيق فأجابتهم الزوجة انه في مدينة الموصل في مهمة أدبية، فلم يصدقوها ليبدأوا رحلة تفتيش طالت كل غرفة وزاوية من أرجاء المنزل، وهم في حال من التهكم علي استفسار الزوجة ان كان لديهم اذن خطي بما يصنعون، اذ كيف يصح الاستفسار عن مثل هذا الأمر وبرزان الأخ غير الشقيق لصدام هو نفسه رئيس المخابرات. وحين لم يجدوه اقتادوا زوجته وجميع من كان في المنزل آنذاك الي احدي السيارات الاربع المنتظرة أمام الدار. ولاحظت الزوجة أن شخصا يبدو انه رئيس المجموعة أدار ظهره عند توجه المحتجزات الي السيارات متجنبا التعرف علي وجهه. وقيل لها ولمن معها أنهن يتلقين مكرمة لعدم ربط عيونهن بعصائب سوداء، وهو الاجراء المتبع مع كل من يدخل مبني المخابرات. وقد تبين من مجريات الأحداث ان العائلة ومن كان معها صدفة في تلك الساعة اعتبروا رهائن ريثما يتم القبض علي شفيق. في ذلك الوقت كان شفيق ما يزال في مدينة الموصل، ويبدو أن المخابرات خشيت افلاته من قبضتها، فرددت اشاعة حول نيته الهروب الي سورية. جيء بشفيق الي المخابرات في بغداد عند الساعة الحادية عشرة والنصف مساء. وفي منتصف الليل أخلت المخابرات سبيل الزوجة والمحتجزات الأخريات وتركتهن أمام البناية في حيرة حتي أنقذت حالتهن سيارة أجرة (تاكسي)، حيث توجه الجميع الي دار عبد اللطيف شقيق شفيق ليقضوا ما تبقي من الليل هناك. وفي الصباح توجهت الزوجة مع ابنها تغلب البالغ في حينه 17 عاما الي دار أخي هاشم في بغداد للاقامة المؤقتة، بعد أن منعتها المخابرات من العودة الي منزلها نتيجة قرار بحجزه وبقية أملاكه الأخري. مضي علي اعتقال شفيق نحو عشرة أسابيع دون توجيه تهمة جادة، فسئم من الحالة التي لم تتضح نهاية لها، ما دفعه الي التهديد بالاضراب عن تناول الطعام مطالبا اما بتقديمه للمحاكمة ان كانت هناك تهمة أو اخلاء سبيله. ومن المفارقات التي يصعب علي الانسان استيعابها انه فيما كان النشيد الوطني العراقي (وطن مد علي الأفق جناحا) يذاع صباح مساء وتردده ملايين الحناجر كل يوم كان مؤلفه (شفيق الكمالي) يئن من العذاب في المخابرات العراقية. العاهل الاردني الراحل الملك حسين يتوسط لاطلاق سراحهبعد ثلاثة شهور من العسف والاحتجاز أطلق سراحه، وتوجه الي دار شقيقه الكبير عبد اللطيف ليقص عليه رحلته في دهاليز المخابرات ويفرغ ما في قلبه من حسرات. بعدها مباشرة توجه شفيق للسكن مع زوجته في دار أخي هاشم ومعهما الابن تغلب. وعقب مضي نحو أربعة أسابيع من اطلاق سراحه، أطلق سراح ابنه الأكبر يعرب بعد أن أمضي في أقبية الأجهزة الأمنية نحو خمسة شهور احتجازا وتعذيبا. مما رواه شفيق بعد الاخلاء أن التحقيق معه كان يتواصل بين يوم وآخر بأسلوب لم يكن يقتضي كل هذا العذاب والمعاناة، الا أنه كان مقتنعا بوجود أسباب من الغيرة والحقد ومجرد الاذلال تقف وراء كل الذي جري له. وذكر أن عاهل الأردن المرحوم حسين تدخل شخصيا لاطلاق سراحه فيما لم يجرؤ أحد من أصدقائه ومحبيه في الداخل علي التدخل، لا لعدم اكتراث بل خشية المساءلة والعقاب. وفي لحظة ما استلقي شفيق علي كنبة ليغمض عينيه، ويستعرض فيلما شريطا طويلا من الأحداث والعذاب منذ تعرفه علي صدام حسين قاده الي أيام اللجوء الي القاهرة وتسجيله طالبا في الجامعة، حيث رشح في مرحلة لاحقة لرئاسة الاتحاد الوطني للطلبة العراقيين هناك، فانتخبه الطلاب بالأكثرية فيما حصل صدام علي صوتين اثنين فقط!. أما منزل شفيق فقد خضع لهيمنة رجال الأمن طيلة أربعة أشهر، رفع بعدها الحجز عن المنزل فقط، وكانت المفاجأة لحظة دخول العائلة المنزل، اذ وجدته في حال مزرية من العبث والخراب وقد سرق ما كان فيه من ذهب ومال، ولم تنجُ ألواح فنية نادرة وحاجيات ثمينة من أياديهم. ولم تحاول العائلة تقديم شكوي لاستعادة المسروقات لقناعة الجميع أن الأمر لا يعني في النتيجة الا تبرئة الجاني وادانة المجني عليه. كتب شفيق مبعثرة علي ضفاف دجلةكان أشد ما آلم شفيق مصير مكتبته العامرة، اذ وجد الكتب مبعثرة علي ضفاف دجلة، حيث تقع داره، والريح تعصف بصفحاتها الممزقة وقد ابتلع النهر الكثير منها!. رفع ما تبقي منها مبثوثا بين الأحجار، وبدأ بتجفيفها والدموع تغالبه فتغلبه!. ثم حملها الي داخل المنزل، كما يُحمل الوليد، ليضع الصالح منها علي الرفوف بمساعدة صديقه الأديب عبد الجبار العمر، الذي وافاه الأجل فيما بعد. أي فكر متخلف ونزعة حاقدة يقدمهما هذا المشهد؟! اضطر شفيق بعد ذلك الي المكوث في المنزل لا يبارحه، بعد أن منع من ممارسة نشاطه الاعلامي، وشُطبت عضويته في المجلس الوطني لغيابه ثلاثة شهور بدون عذر مشروع!، كما ورد حرفيا في قرار الشطب، وهي الفترة التي أمضاها في المخابرات مكرها. وحتي تكتمل السبحة سُحبت منه سيارته التي كان تلقاها هدية من صدام في وقت سابق، فبات يمضي وقته كئيبا منزويا في منزله.قتل أم وفاة؟في 15 كانون الأول (ديسمبر) عام 1984، بعد نحو عام علي خروجه من المعتقل، توجه شفيق الي عيادة طبيبه الدكتور حكمت حبيب لاجراء الفحوص الدورية. وما أن وصل المكان، رفقة ابنه يعرب، حتي سقط مغشيا عليه بفعل نوبة قلبية حادة، فنقل الي مستشفي اليرموك ببغداد صحبة الدكتور حكمت حيث وافاه الأجل. كانت جموع المعزين تتوافد علي مجلس الفاتحة صباح مساء من كل الأطياف الاجتماعية والسياسية، معبرة عن الأسي لفقدان رجل أحبه الناس لأخلاقه وانسانيته وأدبه. أعود الي أيام خروج شفيق من الاحتجاز، حيث أصبح قليل الكلام حتي مع عائلته متجنبا ذكر تفاصيل ما جري له، خشية كلمة تفلت من لسانه تؤدي به هذه المرة الي مصيبة أعظم. كما كان يخشي من أجهزة تنصت في منزله زرعتها زمر المخابرات قبل أن تتركه، الي جانب بقاء عيون وآذان تلك الزمر مفتوحة علي كل من يحيطه ويقترب منه.. ومن بين ما أسر به لزوجته تلقيه حقنة أثناء وجوده في المخابرات علي أساس مساعدته في خفض ضغط الدم الذي كان يعاني منه!. وظلت هذه الحقنة، الي جانب ما كان يقدم له هناك من طعام وشراب، محل تساؤل الجميع بعد مغادرته المعتقل ثم وفاته بعد فترة قصيرة. الثابت هو تعرضه، بعد اطلاق سراحه، الي تغيرات صحية، حيث اكتشف الأطباء اصابته بسرطان الدم لوكيميا ، مؤكدين أنه لن يحيا الا فترة وجيزة، ليقرر نتيجة ذلك حصر الأمر بينه وبين زوجته وطبيبه، وجاءت شهادة الوفاة الرسمية ذاكرة: 1 السكتة القلبية و2 ابيضاض كريات الدم (سرطان). ولم ينته حقد النظام عند هذا الحد، فبعد مضي 16 عاما علي وفاة شفيق أعلن صدام أمام جمع من الأدباء في شهر تشرين الأول (اكتوبر) 2000 عزمه علي الغاء النشيد الوطني الذي كان وافق عليه وصدر بقانون قبل نحو 20 عاما واستبداله بآخر! لكن النشيد الوطني الذي نظم كلماته شفيق بقي معتمدا رسميا للفترة 1981 ـ 2003، وهو من الحان الموسيقار اللبناني وليد جورج غلمية. وكان مطلعه: وطن مد علي الأفق جناحا.. وارتدي مجد الحضارات وشاحا ونهايته دمت للعرب ملاذا يا عراق.. وشموسا تجعل الليل صباحا . زوجته… رفيقة دربه الطويلاقترن شفيق بابنة عمه الصغري (سامية ياسين قدوري) عام 1956، وكان الاثنان منخرطين في صفوف حزب البعث، واستمرت علاقتهما الزوجية والرفاقية الطويلة علي المتانة حتي رحيلهما عن الدنيا. كانت (سامية)، عانت الكثير وخاضت صنوف المخاطر والصعاب بصبر خاصة أثناء اعتقال زوجها المتكرر، ولدي اكتشاف الوكر الطباعي في منزل الزوجية، مجازفة أكثر من مرة بالفرار مع أطفالها الي البوكمال و دير الزور حيث سكن الأقارب لتجنب التعقيب والمطاردة. ظلت واقفة الي جانب زوجها أيام الشدائد خلال العهد الملكي وأثناء حكم عبد الكريم قاسم، عبورا بفترة حكم العارف والعارف وانتهاء بعهد صدام حسين. في فترة الخمسينات والستينات قطنت العائلة دارا متواضعة مستأجرة في منطقة الأعظمية ببغداد خلف المقبرة الملكية، حيث شهدت الدار سنوات الاعتقال والمطاردة والهروب. وكانت الزوجة تمتهن التعليم، ثم كرست حياتها في السنوات التالية لرعاية الشؤون الاجتماعية، فتولت رئاسة جمعية مكافحة العـــــلل الاجتماعية والاشراف علي معهد رمزي للصم والبكم وذوي العاهات، وتضمن المرسوم الجمهوري رقم 7 لسنة 1973 تعيينها عضوا في الهيئة العليا للرعاية الاجتماعية في العراق. وبعد تولي البعث السلطة عام 1968 نشطت في المناسبات الوطنية والأنشطة النسوية، وأصبحت معروفة لدي الكثير من القياديين في الحزب والدولة، لكن هذا الموقف لم يشفع لها ولزوجها فيما بعد. عندما زار صدام منزل الكمالي وأعجب بهفي صيف 1982 كان صدام يجول (اعلاميا) علي مناطق ريفية شمال بغداد فاتجه الي دار شفيق الجديدة الواقعة علي ضفاف دجلة في منطقة ( الصليخ ) في الأعظمية. وفوجئت زوجته بالزائر فيما كانت منشغلة في المطبخ في تلك الساعة وزوجها غارق في مهماته في بغداد، وكان موكبه محاطا برتل ضخم من الأفراد وسيارات الحماية كما هي العادة. دخل صدام الدار وجال في أركانها وأعجب بالغرفة ذات الطراز العباسي ومفروشاتها الشرقية التي أقامها شفيق خصيصا للجلسات الأدبية والشعرية التي يتوق اليها مع أصحابه الأدباء. ولم ينه صدام الزيارة الا بعد نزوله الي قبو الدار للاطلاع علي اللوحات الفنية التي رسمها شفيق بفرشاته. وكان صدام يلاطف أهل الدار، طيلة وقت الزيارة، لما بينه وبين شفيق من علاقة رفاقية قديمة، ولدور زوجته سامية النضالي في حزب البعث. بعد انحسار دور شفيق في الحزب والسلطة وانتهاء الأمر باعتقاله وابنه عام 1983، سعت قرينته، شقيقتي، الي التوسط لدي صدام شخصيا للافراج عن زوجها وابنها. وقد روت لي أنها ذهبت مع مجموعة رجال ونسوة متظلمين بسيارة كبيرة تابعة لأجهزة الأمن مخصصة لهذا الغرض، سارت بهم نحو مكان خارج بغداد لم تستطع التعرف عليه. وأثناء الانتظار الطويل في الصالة واستدعاء المتظلمين فردا فردا لمقابلة صدام بقيت الزوجة متلهفة لدورها كآخر شخص، لكنها فوجئت أخيرا برفض صدام مقابلتها، فعادت أدراجها مكسورة نادمة علي كل ما مضي من تضحيات وزمالة رفاقية!. وحلت بعد ذلك مرحلة شقاء أخري. ففيما رُفع الحجز الواقع علي الدار بعد نحو شهر من اطلاق سراح شفيق استمرت بقية ممتلكاته الأخري محجوزة الي ما بعد وفاته، واضطرت زوجته الي بيع ما تبقي لديها من محتويات ثمينة لتوفير لقمة العيش طيلة السنوات التي حرمت خلالها من راتب زوجها التقاعدي. ومرة أخري لم يستطع أحد من محبي شفيق ومعارفه الكثر في بغداد التدخل في الأمر حتي حانت فرصة كانت بمثابة مكرمة السماء، اذ عقد في بغداد مهرجان المربد الشعري لدورته 1986/1987 شاركت فيه وفود من بلدان عدة، من بينها وفد من دولة الكويت يتقدمه الأديب والشاعر أحمد السقاف رئيس رابطة الأدباء الكويتية الذي ربطته بالمرحوم شفيق علاقة متينة عزز لحمتها عالم الأدب والشعر. بادر السقاف الي اثارة الموضوع لدي السلطات العراقية العليا، وبعد فترة قصيرة بادر بالاتصال هاتفيا من الكويت بزوجة المرحوم ليطلعها علي وجود أنباء سارة في الطريق. وبالفعل، تسلمت الزوجة، بعد نحو أسبوع من الاتصال، خطابا من رئاسة ديوان رئاسة الجمهورية يرفع الحجز عن أملاك شفيق الكمالي. وبقيت الزوجة، طيلة السنوات التالية، مدينة للموقف المشرف للأديب السقاف الذي وافاه الأجل قبل زمن قصير من تحرير هذه السطور. وبعد مضي نحو عشر سنوات علي وفاة شفيق صدر قرار عام بتثبيت راتب تقاعدي لعائلة كل وزير سابق متوف، فشمل زوجته هذا القرار. ظلت سامية، الرفيقة الحزبية القديمة، تعاني من حقد السلطة، ذلك الحقد الدفين الذي لم يمت بممات زوجها. وأصيبت نتيجته بحالة الكآبة التي عمقها المكوث في منزل كان كل ركن فيه يذكرها بكفاح زوجها الوطني والقومي ونشاطه الأدبي والفني، فانتقلت للسكن في شقة متواضعة في شارع حيفا ببغداد. وزاد الطين بلة رؤيتها الدبابات الأجنبية تدنس التراب بدخولها العراق عام 2003 مؤذنة بسلب معالم تاريخه ونهب ثرواته. ورأت في كل ذلك منتهي الاهانة والاذلال وهي ما زالت مرتدية الثياب السوداء حزنا علي رحيل زوجها المناضل. ولم تقو علي مقاومة المشهد المؤلم فودعت الحياة في 28 نيسان (ابريل) 2003، بعد مضي أقل من ثلاثة أسابيع علي احتلال القوات الأجنبية بغداد، فرقدت الي جانب زوجها في مقبرة الشيخ معروف بمنطقة الكرخ من بغداد، ليسدلا سويا الستار علي مسيرة حياتهما ونضالهما المشترك. الهوامش: (1) بتاريخ 28/6/1982 أعيد تشكيل مجلس قيادة الثورة من صدام حسين رئيسا وعزت ابراهيم نائبا للرئيس، وطه ياسين رمضان وعدنان خير الله وسعدون شاكر وطارق عزيز وحسن علي ونعيم حداد وطه محي الدين معروف أعضاء. وفي ذلك التاريخ جري تعديل وزاري كبير باعفاء ثمانية وزراء وادخال عشرة وزراء جدد، وتعيين ستة مستشارين لرئيس الجمهورية بدرجة وزير، وتعيين ستة أعضاء بوظيفة مستشار في مكتب المنظمات الشعبية. وأعلن ان التغييرات تقررت في ضوء نتائج المؤتمر القطري التاسع لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي اختتم أعماله قبل يومين. ونجح طه معروف في ادارة المفاوضات وساهم بتعزيز علاقات العراق مع تلك الدول، واستقبله زعماؤها بكل ترحيب واهتمام، فيما تميزت أجواء العمل معه بالايجابية المفرطة. وكان يتحدث خلال الجلسات الرسمية وفي المؤتمرات الصحافية العديدة بلغة عربية سليمة. (2) اعتلي ولي العهد أكيهيتو العرش الامبراطوري بعد وفاة أبيه هيروهيتو عام 1989. (3) الأمير ميكاسا هو عم الامبراطور أكيهيتو، وعضو في مجلس البيت القيصري.(4) كان الجدار الحدودي أقيم بين عشية وضحاها بتاريخ 13 آب/ أغسطس عام 1961 لمنع هروب الناس الي القسم الغربي من المدينة المانيا الغربية وانتهي أخيرا بالهدم عام 1990 اثر التغييرات السياسية التي انتهت باعادة الوحدة الألمانية. 7