من صراع الايديولوجيات الي صراع الحضارات
ادريس السايبمن صراع الايديولوجيات الي صراع الحضارات شكل انهيار جدار برلين سنة 1989، الذي كان يمثل انقسام العالم الي ايديولوجيتين متناقضتين ووجهين سياسيين واقتصاديين ايضا متناقضين، محطة تاريخية بارزة وحاسمة. اذ ترتب عنها بعد بضع سنوات انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، بين المعسكرين السوفييتي الاشتراكي والامريكي الليبرالي، التي كان السباق نحو التسلح وغزو الفضاء من ابرز مظاهرها. ليفسح المجال امام الولايات المتحدة الامريكية لتستفرد بقيادة العالم في اطار ما سمي بـ احادية القطب . مكنها هذا الوضع الجديد من ارساء دعامة ما قيل انه النظام العالمي الجديد الذي بوأها مكانة شرطي العالم خاصة بعد ردع الاحتلال البعثي الصدامي للكويت، الذي وصف بأنه اسرع من البرق سنة 1991، في اطار الحملة العسكرية التي اطلق عليها عاصفة الصحراء . غير ان هذا الشرطي المزعوم والانتهازي سعي بكل ما لديه من قوة عسكرية وتقنية وفكرية الي الهيمنة علي العالم وخاصة منطقة الشرق الاوسط، وما تحتضنه من مكانة روحية في قلوب ووجدان المسلمين: (فلسطين).. وايضا من ثروات طبيعية تدمن عليها امريكا كما المخدرات او الاقراص المهلوسة (البترول).هيمنة تضمن بشكل اساسي امن اسرائيل في المنطقة علي حساب الشعب والدولة الفلسطينيين منزوعي السلاح والوطن. ليتدفق بترول الخليج العربي الي امريكا بدون انقطاع بحجة حماية كراسي الحكم الخليجية. تارة، من الخطر الاسرائيلي الذي تفاقم خاصة بعد الهزائم المتكررة للجيوش العربية في سنوات 48 و56 و67 و73 من القرن الميلادي الماضي. وتارة اخري من المد الشيعي الايراني.فاختراع شرطي العالم الانتهازي هذا في مضمار محادثات اوسلو مسرحية سماها (العملية السلمية) المنبثقة عن مؤتمر مدريد سنة 1992 بين ياسر عرفات، الذي تعرض للتسميم في رام الله سنة 2004 في فترة رئاسة السفاح شارون الذي يعيش في غيبوبة مستمرة منذ شهور، ممثلا لمنظمة التحرير الفلسطينية بمباركة من الجامعة العربية. واسحاق رابين، الذين تعرض بدوره للاغتيال سنة 1995 علي يد متطرف يهودي، ممثلا لاسرائيل برعاية شاملة من جورج بوش (الأب) كرئيس للولايات المتحدة الامريكية. خاصة بعد نجاح اتفاقية كامب ديفيد للسلام، التي نال علي اثرها الرئيس المصري انور السادات جائزة دولية للسلام وايضا ما ترتب عن ما يعرف بـ حادثة المنصة الشهيرة.ان انهيار الاتحاد السوفييتي بعد الاصلاحات الفاشلة البيروستريكا التي قام بها آخر رئيس (غورباتشوف) وبالتالي اندحار الايديولوجية الاشتراكية، التي تقاسمت العالم مع الليبرالية الرأسمالية لمدة تفوق 60 سنة امتدت حقبا من 1989 الي 1917 تاريخ قيام الثورة البولشوفية بروسيا القيصرية، ادي الي ازاحة الستار علي وجود ايديولوجيا اخري توصف بانها متشددة بل متطرفة كانت تشتغل في العالم الاسلامي والعربي علي الخصوص. وتعاظمت بأفغانستان علي يد العرب الافغان بزعامة الشيخ عبد الله عزام ثم اسامة بن لادن بعد ذلك. وتفاقمت بعد تفجير السفارتين الامريكيتين في افريقيا الوسطي بكل من دار السلام ونيروبي. وانفجرت ووصلت ذروتها بزلزال 11 ايلول (سبتمبر) او (غزوة مانهاتن) كما يصفها مدبروها من كوادر القاعدة . انها كارثة تم الاجماع عالميا علي انها غير انسانية. لكن الاكيد هو انها هزت العالم وجعلته ينظر الي القاعدة بأنها عين الارهاب والتطرف اللذين ينافيان القيم الحضارية والانسانية التي تمثل حجر الاساس للدين الاسلامي كدين تسامح وتعايش بين كل اجناس المعمور بأديانهم ومعتقداتهم.انها الكارثة التي غيرت وجه العالم اقتصاديا وسياسيا وحتي ادبيا من حيث الخطاب الاعلامي علي الاقل. شكلت (كقضية صدامية) سياسيا وفكريا لمفهوم ما يدعي بـ(صراع الحضارات). خاصة بعد غزو افغانستان وتدمير العراق سياسيا واجتماعيا ونهب تراثه وثرواته الطبيعية الذي لم تكن له اية صلة لا فكريا ولا تنظيميا بما حدث في 11 ايلول (سبتمبر) بمانهاتن، رغم الديكتاتورية والقمع وخروقات حقوق الانسان التي عرفها العراق في عهد الرئيس المخلوع صدام حسين الذي اخرج من الحفرة التي التجأ اليها مختبئا من (العلوج الامريكان) كما كان يصفهم الظاهرة الكلامية محمد سعيد الصحاف وزير اعلامه آنذاك. ليقدم الي المحاكمة التي اعتبرت الاشهر في التاريخ الحديث. بعد خلط كبير في الاوراق بين الارهاب والدكتاتورية في اطار ما سمي بالاستراتيجية الامريكية لمحاربة الارهاب. يجب ان لا ننسي في هذا الصدد ان صدام حسين قام بقصف عنيف لتل ابيب في ذروة حكمه للعراق (صواريخ سكود السوفييتية الصنع). لكن جورج بوش (الاب) دعي اســـــرائيل الي التزام الصمت وعدم الرد علي ذلك للحيــــلولة دون تأليــــب دول الخليج التي كانت قد تم احتــواؤها في اطار التحالف الدولي علي العراق.ونزعم ان الدكتور المهدي المنجرة هو اول من طرح هذا الطرح (صراع الحضارات) في كتابه الحرب الحضارية الاولي ثم ظهر كتاب نهاية التاريخ للامريكي الجنسية الياباني الاصل ميشال فوكوياما، الذي اعتبر ان النظام الليبرالي الرأسمالي هو آخر النظم الاقتصادية والسياسية التي يمكن للحضارة الانسانية ان تصله. وفي ذلك اجحاف واحجام لكثير من الحقائق. ثم قالها صراحة الاكاديمي الامريكي صامويل هنتنغتون في كتابه المثير للجدل صراع الحضارات معالجا الموضوع انطلاقا من المفارقة التقليدية غرب ـ شرق. وليس في اطار المفارقة الراهنة والملحة: شمال ـ جنوب، التي تستدعي تحليلا اقتصاديا (هيمنة دول الشمال علي حوالي 87% من الناتج الاجمالي العالمي). علي غرار ما قام به كارل ماركس في حديثه المشوق عن الصراع الطبقي، الذي خلص الي ان العالم سيشهد سيطرة طبقة العمال (البروليتاريا) علي وسائل الانتاج والحكم. وبالتالي قيام المجتمع الشيوعي العالمي بعد التحكم في الطبيعة خاصة الوراثية منها. فنهاية التاريخ، نبوءة كان لها وقع كبير في الايديولوجية الاشتراكية. لكنها ما فتئت ان تتسنه في الظروف السياسية العالمية مع ظهور ظاهرة الارهاب كفكر قائم الذات، وان كانت تشتغل بعيدا عن الاعين والاعلام الذي يعتبرها حالة مرضية يجب علي العالم الحر ان يبذل كثيرا من الجهد في ارساء العدل والمساواة وحقوق الانسان، ليس عن طريق الغزو والحروب، ولكن عن طريق التعليم والتعلم ونشر ثقافة التسامح والتعايش ونبذ الصراعات والتطاحنات في اطار لحوار الحضارات، هذا اذا ما كنا متفائلين في مستقبل هذه الانسانية الساعية دوما الي التحضر.كاتب روائي وباحث من المغرب8