أربع صور قبيحة من العالم العربي وواحدة مشرقة

حجم الخط
6

يحاول الكاتب أن يجد شيئا إيجابيا في هذا الوطن العربي الكبير ليكتب عنه ويمد قراءه بما يرفع المعنويات قليلا فيعييه البحث. يلملم جراحة ويلعق ريقه وينطوي على نفسه متسائلا، أيمكن أن تصل الأمور في هذا الوطن أسوأ مما هي عليه اليوم؟ إنظر ماذا يجري في سوريا ولبنان والعراق ومصر واليمن وفلسطين وليبيا والسودان والسعودية والبحرين وغيرها؟ ثم لا نلبث أن نجد في اليوم الثاني ما هو أسوأ من اليوم الذي سبقه، فنسأل نفس السؤال ويأتينا نفس الجواب ‘كل يوم إلى انحدار جديد فإلى متى؟
ولنتأمل هذه الصور الأربع لنرى كيف أصيبت الأمة في مقتل فتحول أملها الذي انطلق مع بداية الربيع العربي إلى خريف فشتاء فبلقع، وتحولت مطالب الحرية والكرامة والعيش الشريف إلى نداءات البحث عن الأمن، عن طريق قبول طغاة جدد أو التجديد لمن هو موجود، وإعادة الاعتبار للمخلوعين والضرب بيد من حديد على شباب الثورات وعناقيد الغضب فيها.

الصورة الأكثر وحشية: داعش وفرض الجزية على المسيحيين

في السادس والعشرين من شهر شباط/ فبراير الماضي نشرت جماعة متطرفة تكفيرية في منطقة الرقة بسوريا تدعى داعش (وهو اختصار قبيح للدولة الإسلامية في العراق والشام) رؤيتها الغريبة وفتاواها المنسوبة ظلما وقهرا للإسلام ضد سكان الرقة المسيحيين، تتضمن دفع جزية قيمتها 17 غراما من الذهب مقابل الحماية. وتنص الفرمانات التي أصدرتها داعش على أنه لا يجوز للمسيحيين أن يصلحوا كنائسهم أو يدقوا الأجراس. ولا يجوز لهم شرب الخمر علنا أو بيعه أو تقديمه للمسلمين. ولا يجوز لهم إشهار دينهم أو رموزه إلا داخل كنائسهم، وغير ذلك من الأحكام الغريبة التي لا تنتمي حتى لعصر الغاب.
وليتذكر هؤلاء الغرباء على سوريا وبلاد الشام والعراق، أن المسيحيين هم سكان سوريا الأصليون، وهم الذين أعطوا سوريا اسمها المنسوب إلى السريان، وأنهم بقوا على دينهم لأن أحدا لم يجبرهم على هجره، وأن أطيب العلاقات ظلت مستمرة بين مسيحيي ومسلمي ويهود بلاد الشام والعراق (قبل الحركة الصهيونية). وهل يعرف هؤلاء الكائنات الغريبة أن المسجد الأموي كان أصلا كنيسة قبل تشييده بمظهره الحالي في عهد الوليد بن عبد الملك، كان يصلي فيها المسلمون يوم الجمعة ويصلي فيها المسيحيون يوم الأحد وما زال المسجد يحتضن قبر يوحنا المعمدان؟ الذين يجب أن يغادروا منطقة الرقة وبلاد الشام والعراق هم هؤلاء الذين جاءوا من بلاد بعيدة تحت حجة محاربة نظام الطاغية في دمشق، فإذا بهم يقدمون له أفضل الخدمات، كان ذلك نتيجة غبائهم أو أن الأمر محبوك سلفا كي يبيضوا وجه النظام الذي ظل يدعي رغم مليون خطأ أو يزيد، أنه نظام علماني يحمي الأقليات وأنه الآن يخوض حربا ضد الإرهاب.

الصورة الأكثر رعونة إقرار حكم الإعدام في مصرعلى 529

قاض يعاونه اثنان من الدرجة العاشرة في مدينة المنيا، ينظر في ملفات 529 متهما وجهت لهم تهمة قتل شرطي واحد مجهول. يفتتح جلسة يوم السبت 22 آذار/مارس الحالي لا شهود ولا محامين ولا مرافعات- ترفع الجلسة بعد أقل من ساعة- يعود يوم الاثنين يفتتح الجلسة، وفي أقل من ساعة أيضا يصدر قرارا واحدا جماعيا لكل المتهمين الحاضر منهم والغائب: إعدام- برافو أيها القاضي العادل. كلهم ارتكبوا نفس الجريمة وفي نفس الوقت ونفس حجم المشاركة ونفس الإثبات ونفس الحكم. لم يمر في تاريخ البشرية لا في الماضي ولا في الخاضر أن أصدر قاض حكما جماعيا بإعدام هذا العدد لنفس التهمة. أهذه نتائج ثورة 25 يناير وموجتها الأعظم ثورة 30 يونيو (على رأي أحد الكتاب) ؟ أهذا هو القضاء المستقل الذي ظلت مصر عبر تاريخها تتباهى به، أم أن هذا القضاء تم تشويهه أيام المخلوع مبارك وهذه هي النتيجة؟ ولماذا لم يصدر حكم إعدام بمن قتلوا المتظاهرين في ثورة يناير أو ضد حبيب العادلي أو ضد شخص واحد على الأقل ساهم عامدا في مذبحة رابعة؟ هذا ليس قضاء هذه سياسة في أقبح صورها. يريدون أن يرفعوا مقصلة لكل من يعترض أو يخالف الرأي، وأخشى أن مثل هذه التصرفات الرعناء تزيد من حجم المعارضة أضعافا لحكم العسكر وقوات الأمن، فتعلق المقاصل لغالبية الشعب المصري إن لم يكن له كله.

الصورة الأكثر خزيا- الردح المتبادل بين عباس ودحلان

لا أعتقد أن هناك فلسطينيا واحدا أو عربيا صفق لعباس ودحلان وهما يتبادلان التهم من العيار الثقيل، كل واحدة منها قد تؤدي، فيما لو ثبتت عن طريق لجنة تحقيق مستقلة، بصاحبها إلى المقصلة. لقد أساء الاثنان إلى الشعب الفلسطيني وتضحايته وشهدائه وتاريخه ونضال حركة فتح التي تحولت على أيدي هؤلاء إلى ممسحة وغطاء وسلطة فاسدة. والشيء الذي يثير كثيرا من الاستغراب: هل سمع أحد أن قناة فضائية مهمة مثل ‘دريم’ تعطي شخصا ما مقابلة تزيد عن الساعتين حتى لو كان نيلسون مانديلا أو جمال عبد الناصر؟ إذن لا بد أن هناك رسالة ما تريد مصر أن توجهها لعباس وتريده ضعيفا أكثر مما هو عليه حاليا قبيل سفره إلى واشنطن؟ أم أن دحلان، بأمواله الطائلة التي جمعها في فترة خيالية، اشترى الوقت كأنه إعلان مدفوع الأجر.
إذا كان لدى السيد عباس كل هذه المعلومات عن دور الرجل في كل هذه المؤامرات والاغتيالات، فلماذا سكت عنها كل هذا الوقت؟ وكيف سمح له بأن يرشح نفسه في مؤتمر فتح السادس في بيت لحم؟ لقد كتب الكثير في الصحافة الأجنبية عن دحلان وأدواره وارتباطاته وتجارته بالأسلحة وغيرها، ولكن توقيت تفجير هذا الخلاف لا يمكن أن يكون صدفة. فبدل أن يعمل الرئيس عباس على رأب الصدع الأساسي مع حماس، ينشغل عن القضايا الخطيرة بتفجير أزمة مع شخص كان لوقت قريب من المقربين منه. أهذا ما ينتظره الشعب الفلسطيني في زمن الحصار والمؤامرات والتهميش والإملاءات الغربية لتصفية القضية الفلسطينية مرة وإلى الأبد؟

الصورة الأكثر رثاء ترشح بوتفليقة لدورة رابعة

في 23 شباط/فبراير الماضي أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، على لسان رئيس وزرائه، ترشحه للرئاسة لدورة رابعة، وكأن 15 سنة لا تكفي ويريد خمسا إضافية. استغرب الناس هذا القرار وأنا منهم، خاصة أن الجزائر قريبة من القلب وأتابع شؤونها عن قرب وأزورها كلما سنحت الفرصة ويهمني ما يجري فيها وأكتب ما أكتب عنها من موقع المحبة لا من موقع الأستذة فأنا أعرف أن الجزائريين يضيقون ذرعا بانتقادات قادمة من خارج الحدود.
بلد الشهداء والبطولات يستحق أفضل من هذا. بلد تزيد فيه نسبة الشباب ما دون سن الثلاثين عن 70′ يستحق قائدا أقرب إلى نبض هذه الملايين الباحثة عن السلم الداخلي والاستقرار والعمل الشريف والتنمية الرشيدة والاستغلال الأمثل للموارد الهائلة التي تمتلكها الجزائر، والتي تؤهلها أن تكون دولة عظمى. الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ينتمي إلى الماضي، والجزائر تحتاج إلى قيادة تلج المستقبل. السيد بوتفليقة هو الذي شرع قانون الدورتين المقطوعتين دون ثالثة، ثم عاد وغير الدستور للترشح لدورة ثالثة عام 2009 تفهمها الكثيرون بعد إعلانه مبادرة المصالحة الوطنية والعفو العام التي أثمرت شيئا من الاستقرار الحقيقي. أما دورة رابعة فهذا ما لا ينسجم مع منطق أو مصلحة أو ضرورة. الرجل في نهاية سبعينياته حتى لو كان في منتهى اللياقة البدنية علما أنه تغيب 80 يوما عن الحكم وهو في مستشفى الجيش الفرنسي بباريس. عاد إلى البلاد على كرسي طبي يوم 16 تموز/يوليو، لكنه تغيب عن كثير من المناسبات الوطنية، خاصة عيد الاستقلال وصلاة عيد الفطر. كم نتمنى عليه أن يراجع هذا القرار. فحزب جبهة التحرير ليس عقيما والأحـزاب الأخرى تعج بالقيادات الوطنية. وإذا كان ترشيحه لأسباب تتعلق بالجيش فلم التمسك به ما دام الجيش هو الماسك الحقيقي للوطن، سواء كان على المقعد الأمامي عجوز أم شاب. فليكن القائد هذه المرة شابا يعكس تطلع أجيال الجزائر الواعدة ببناء دولة المؤسسات وسيادة القانون وتداول السلطة والمواطنة المتساوية.

وأخيرا الصورة الأكثر عزة وكرامة- مخيم جنين –
الوالد الأسير يودع ابنه الشهيد

بعث الأسير الفلسطيني جمال أبو الهيجا في يوم استشهاد نجله حمزة (22) واثنين من رفاقه محمود أبو زينة (سرايا القدس) ويزن محمود جبارين (شهداء الأقصى) في مخيم جنين يوم السبت 22 من الشهر الحالي بعث برسالة إلى أهله في المخيم لتوزيع الحلوى يوم دفن الشهيد وتشييعه بالزغاريد لا بالدموع، داعيا الشعب الفلسطيني إلى السير على طريق المقاومة. والأب جمال محكوم بتسع مؤبدات وعشرين سنة بتهمة قيادة كتائب القسام في الضفة. وقد سجن جميع أفراد العائلة مرارا بمن فيهم زوجته التي قبعت في سجون الاحتلال تسعة شهور. لقد جاءت هذه المواجهة على خلفية ما بعد زيارة عباس لواشنطن للاطلاع على الاتفاق الإطاري الذي رسمه وزير الخارجية كيري أو رسم له. الافتراق بين ما تمثله السلطة وما يمثله حمزة ومحمود ويزن واضح لا يخفى على عين أحد، لكن التنسيق الأمني الذي أفرزه اتفاق أوسلو والذي يسمح للقوات الإسرائيلية بأن تدخل متى تشاء وتقتل وتهدم وتعتقل من دون مساءلة سيبقى عبئا ثقيلا على الشعب الفلسطيني إلى أن يتخلص من قيوده وإفرازاته ورموزه من تقدم منهم ومن تأخر.

‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية