أمريكا تقزِّم الدور السعودي وإيران تحضر قمة الكويت

حجم الخط
0

لا تزال الولايات المتحدة غير مقتنعة بنهاية صلاحية نظام الأسد، مدفوعة برغبات إسرائيل المستفيد الأكبر من كل ما يجري؛ الأمر الذي جعل سورية ساحة للصراع الإيراني السعودي للهيمنة على المنطقة؛ فنجد أنّ إيران تدفع بكل ثقلها في معركتها ‘المصيرية’ في سورية فتمدّ النظام بالسلاح والمال وترسل إليه مليشياتها من كل أصقاع العالم. العراق تحت السيطرة الإيرانية 100’، في الوقت الذي يُحرك المالكي شفتيه يأتي الصوت من طهران، لبنان رهينة بيد حزب الله، حيث لا سلاح يعلو على سلاحه. أمّا اليمن فلا يتراجع جيشه إلا أمام الحوثيين، وقد اقتربوا كثيراً من صنعاء. في السودان حيث يُحسب النظام، ربما خطأً، على الإسلاميين السنة نجده ينخرط في تحالف وطيد مع إيران، هذا بالإضافة للدور الإيراني في أفغانستان وباكستان وافريقيا، ليكتمل المشهد ببعض البصمات الإيرانية في البحرين؛ تُترك إيران لتعبث في المنطقة علناً فتعيث قتلاً ودماراً أمام أنظار العالم دونما رادع؛ ولكن ماذا يفعل خصومها المفترضون السعوديون إزاء كل ذلك؟ لا شيء سوى تكديس المزيد والمزيد من الأسلحة ليأكلها الصدأ، وقد غدت تحتل المرتبة الخامسة بين مستوردي الأسلحة في العالم.
تقاسمت السعودية مع عدد من جاراتها دفع ستة عشر مليار دولار لإسقاط الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، وتنفق عشرات المليارات الأخرى على صفقات السلاح، في حين لا يسمح لها حلفاؤها الأمريكيون بإمداد الثوار السوريين بالقليل من السلاح النوعي، القادر على مواجهة النظام وإسقاطه، أو حتى إجباره على وقف إطلاق النار والجلوس إلى طاولة المفاوضات، وبالتالي كسب معركتها الإستراتيجية في سورية، لا بل تقوم بتمويل صفقة تسليح فرنسية للبنان بثلاثة مليارات يورو، في محاولة ربما لن تنجح للضغط على حزب الله لنزع سلاحه؛ لم يتبق لدى النظام سوى عشرات الطائرات تمثل مصدر القوة والتدمير الأساسي عنده، وكذلك لن يتجرأ على تحريك دباباته في معارك الكر والفر إذا توفر مضادات دروع قادرة على تدميرها؛ لن يتطلب الأمر الكثير، ربما عشرات الملايين ليس أكثر، فأيّهم أقل كلفة وأكثر جدوى؛ إذا كان أمرهم ليس بأيديهم فهل يستطيعون تغيير شيء من هذا الواقع وفرض شروط تحالف جديدة؟ أم أنّ الأمر غير ذي أهمية كبيرة بالنسبة إليهم كما يتوقع الجميع؟ فإيران لا تزال تحترم خطوطاً حمراء في مجلس التعاون الخليجي، وحتى دعمها للمعارضة في البحرين لا يرقى إلى ما تفعله في باقي مناطق نفوذها، لا بل ربما تحركها الإعلامي فقط والخجول تجاه حلفائها المفترضين في البحرين ليس أكثر من رفع عتب مقارنه مع دورها في سوريا أو اليمن مثلاً؛ تمثل هذه الحالة مصلحة إيرانية سعودية مشتركة، وربما توافق غير معلن في إبقاء الصراع خارج أراضيهما؛ فتبقيان سالمتين في حين تنزف الشعوب وتدمّر أوطانها وهذه الفظائع التي ما برحت تُرتكب في سورية قد أصبحت لا تلاقي سوى بعض التجاعيد في الوجوه عندما تتلى أرقامها على المسامع، حتى المال المبذول في سورية لعب دوراً سلبياً بالغ الخطورة، فقد كرّس عددا من أمراء الحرب الأمّيين، إضافة لطبقة أرستقراطية جديدة من لصوص المساعدات، يجمعهم غرامهم غير الخفي في بقاء الوضع على ما هو عليه في سورية إلى ما شاء الله.
هل كانت أمريكا غافلة عن دخول المليشيات الشيعية من إيران إلى العراق إبان احتلالها له؟ وهل هي مغلوبة على أمرها في ترك العراق فريسة للإيرانيين؟ ولكن المالكي لا يزال حريصاً على أخذ المباركة الأمريكية قبل فعل أي شيء؛ كما لا يُعقل أن يتبوّأ سدة الحكم من دون موافقة أمريكية؛ فهو في النهاية رجل الأمريكيين والإيرانيين على حد السواء، وفي هذا يربح الجميع وتخسر السعودية فقط، وتترك لهواجس الخوف فتندفع إلى أحضان الأمريكيين. إنّ تقوية النفوذ الإيراني في المنطقة وما يُروّج عن تراجع اهتمام الأمريكيين بالخليج العربي هدفة دفع دول الخليج لتوأمة نفسها مع أمريكا، من دون أي شروط خوفاً من الخطر الإيراني، قد لا يوجد اتصال مباشر بين الولايات المتحدة وإيران أو بين إسرائيل وإيران، ولكن ما يحدث في العراق وأيضاً ما يحدث في سورية، يمثل مصالح هذه الدول مجتمعة، حتى داعش هي مصلحة أمريكية بامتياز، ففي كل البلدان التي تدخلت فيها عسكرياً في دول الكاريبي وأمريكا الوسطى، جلبت معها فرق الموت، ثم تركت تلك البلدان تحت رحمتها قبل أن تنسحب، وهذا ما يقاسيه العراق الآن، فالنفط في النهاية لا يزال يتدفق ويتعاظم إنتاجه، ثم تعود دولاراته إليها بشتى السبل، ولم ولن يعكّرها كمّ الدماء التي تسيل هناك فما أقسى ممارسات داعش ضد المصالح الأمريكية!
لم تُصنّف السعودية، خصمها الأبرز في حربها في سورية والمنطقة، حزب الله بين التنظيمات الإرهابية، في حين وضعت كل تنظيمات الإخوان المسلمين في العالم على قائمة الإرهاب، فهي لا ترى فيه ذلك الخطر الإستراتيجي الذي يمثله من يُفترض أن يكونوا حلفاءها في حربها المذهبية الطاحنه للجميع باستثنائها؛ عندما يتم التفكير بالكراسي تتغير الحسابات كثيراً.
تظلّ السعودية تلقى التجاهل والصدّ من حليفتها الأزلية ولا تُستدعى إلا عندما يتطلب الأمر دفع المليارات وعشرات المليارات، فما سر هذا التحالف الذي لا زال لا يُشق له غبار؟
مع استبعاد وعود تسليح المعارضة السورية بالسلاح النوعي لتأخذ مكانها إلى جانب الغول والعنقاء والخِل الوفي، وتجاهل الغرب لقرار مجلس الأمن 2118 الملزم، الذي دعا إلى مؤتمر جنيف-2 لتشكيل هيئة حكم انتقالية؛ تبقى الأزمة السورية تراوح مكانها، ويستعر القتال بين كرٍ وفر، مخلّفاً دمارا يطال كل بيت فيها؛ وسط كل هذا يقتصر النقاش في مؤتمر القمة العربية على منح مقعد سورية للمعارضة، من تركه شاغراً بانتظار النظام متى أنهى حربه في القضاء على آخر سوري، حسب رغبات البعض؛ كما كانت حركات التحرر الوطنية في النصف الثاني من القرن الماضي متعهدة بدعم بعضها بعضا، كذلك الديكتاتوريات لا تزال ترى نفسها ملتزمه بالدفاع عن بعضها بعضا فلا ينتظر أحد شيء من قادة القمة العربية تجاه سورية ولا حتى غيرها، فلم يتحدث أحد عما جرى أو يجري في مصر أو الحصار السيسي- الإسرائيلي على غزة؛ فعلى الشعوب أن تحلّ مشاكلها بدمائها.
شاركت إيران في القمة العربية في الكويت؛ فخروج خضير الخزاعي رئيس الوفد العراقي ووزير المالية اللبناني علي حسن الخليل أثناء إلقاء الجربا لكلمته يؤكّد وقوفهما إلى جانب الطاغية، دونما أدنى خجل، ولا يدع مجالاً للشكّ بأنّهما يمثلان إيران وليس العراق أو لبنان.
لا تخرج جميع الدول العربية عن نظرية ابن خلدون عن أطوار الدولة، وقد بلغ بعضها الطور الرابع، في حين أنّ أغلبها يعيش الطور الخامس، وعلى رأيه إذا عمّ الفساد في الدولة فإن أولى مراحل الإصلاح هي الفوضى.

‘ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية