أوباما في الرياض لتطمين القادة السعوديين حول المحادثات مع إيران والحصول على دعمهم في مصر

حجم الخط
2

لندن ـ ‘القدس العربي’ تعتبر زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما التي بدأت الجمعة مهمة ورمزية في الوقت نفسه. ويرى المعلقون الصحافيون الأمريكيون فيها أهمية خاصة لأنها جاءت بعد خلاف علني بين البلدين حول سوريا وإيران ومصر.
وتقول صحيفة ‘لوس أنجليس تايمز’ إن البعض ممن لهم علاقة بالعائلة الحاكمة في السعودية تحدثوا عن فك الشراكة التاريخية الطويلة بين البلدين. وبعد تصريحات مسؤول سعودي كبير قال فيها إن المملكة قد ‘تقرر المضي وحدها’ ظهرت محطة الرياض سريعا على جدول رحلة الرئيس أوباما.
وعلى خلاف زيارات الرئيس الخارجية فلن تشتمل على خطابات أو مؤتمرات صحافية كما فعل في الفاتيكان حيث التقى البابا فرانسيس الأول. وستشمل على لقاء مع الملك عبدالله في ‘روضة خريم’ الواقعة خارج العاصمة الرياض.

إستثمار

ويرى مستشارو الرئيس الكبار أن الزيارة هي ‘استثمار’ في أهم الأطراف التي تقيم معها السعودية علاقات في المنطقة. وبعيدا عن الأمور البروتوكولية فالزيارة تؤكد على ‘جوهر جدول الأعمال’ بين الرئيس أوباما والعاهل السعودي. وكانت المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي بيرناديت ميهان قالت يوم الخميس إن الزيارة تعطي الرئيس أوباما الفرصة لتعزيز العلاقات وبناء علاقات سياسية وأمنية واقتصادية مع السعودية.
وتشير الصحيفة إلى أن السعوديين يحاولون علنا التقليل من عمق الصدع الذي حدث بين البلدين لكن شيئا لم يتغير لتغيير مظاهر التوتر. فلا تزال الرياض قلقة من تطور العلاقات مع إيران، وتجد السعودية توافقا لا تريده مع إسرائيل في رفض علاقات أمريكية قوية مع طهران، كما أنها ليست راضية عن طريقة تعامل الولايات المتحدة مع سوريا، ولعل المقال الذي كتبه ديفيد إغناطيوس في ‘واشنطن بوست’ يهدف إلى وضع صورة عن محاولة إرضاء الولايات المتحدة للسعوديين حيث تحدث عن برنامج سري لتدريب المعارضة في الأردن وشمال سوريا وقطر، ودعم للمجالس المحلية، وتفكير في تقديم أسلحة ثقيلة.
ويرى إغناطيوس أن الرئيس أوباما توصل وإن متأخرا إلى أن التصعيد العسكري هو وسيلة لدفع الأسد نحو التفاوض.
كما أن جوهر المشروع هو نفسه الذي نصح به ديفيد بترايوس، مدير الإستخبارات السابق، ولقي دعما من وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون ووزير الدفاع في حينه ليون بانتيا والقاضي بتدريب مجموعات معينة من المعارضة ومساعدتها على الإطاحة بنظام بشار الأسد.
ويرى إغناطيوس أن التراجعات في سوريا وأوكرانيا تدفع أوباما لتناول ‘برشامة’ لم يكن يريدها وهي التصعيد العسكري. وفي الوقت الذي سيتم فيه التدقيق في هويات المقاتلين وملفاتهم وسيتم استبعاد كل من قاتل سابقا في صفوف جبهة النصرة وأحرار الشام أو الدولة الإسلامية في العراق والشام إلا ان التدقيق سيتواصل بعد التدريب، من أجل قلع أي جذور للتشدد في القوة التي ستشرف عليها الوكالة المركزية للإستخبارات ‘سي آيه إيه’، وسيتضاعف عدد المقاتلين من العدد القليل إلى 600 مقاتل في الشهر.
ولم يتقرر إدخال القوات الأمريكية الخاصة في التدريب على الرغم من تفضيل المعارضة لهم. كما لم تحزم الإدارة أمرها بشأن الصواريخ المضادة للطائرات ‘مانباد’ والتي تعهد المقاتلون باتخاذ إجراءات الحيطة وتصوير كل عملية استخدام لها بالفيديو، وطالبوا بتزويدها بأجهزة تحكم يسهل تتبعها ومعرفة من استخدمها، وحتى لو وافقت على تزويدهم بالأسلحة النوعية هذه فلن تزيد في البداية عن خمس راجمات صواريخ، مع أن السعودية تملك ترسانة كبيرة من هذه الصواريخ ومستعدة لنقلها للمقاتلين لكنها تحتاج إلى موافقة أمريكية. ويقول إغناطيوس إن توسيع برنامج الدعم هذا سيتم تقديمه ضمن إطار مكافحة الإرهاب، حيث سيقوم مقاتلو المعارضة بمواجهة القاعدة والجماعات المتشددة وقوات النظام في الوقت نفسه، وسيسهل هذا على إدارة أوباما تمرير أي قرار بدون انتقادات.
وتعهدت قطر بتمويل السنة الأولى من البرنامج مما يعني مئات الملايين من الدولارات ولكن لا يعرف إن كانت السعودية ستوافق على العرض القطري في ظل الخلافات الناشئة بينهما. وقد تفكر الولايات المتحدة ومجموعة ‘أصدقاء سوريا’ فتح معابر آمنة لإيصال المساعدات للمحتاجين، ولكن طبيعة وجاهزية الولايات المتحدة لحمايتها ليست واضحة ولم تحدد.
ولا يعرف بعد الدور التركي في البرنامج، خاصة أن الحدود بين سوريا وتركيا طويلة، وتطالب المعارضة الأمريكيين بتدريب مقاتليها على حماية الحدود.

تحول في التفكير

ويرى إغناطيوس تحولا في تفكير أوباما واستعدادا للتوقيع على مساعدة المعارضة بعدما اقتصرت المساعدات الأمريكية على المعدات غير القتالية، ويبدو أن هذا متعلق بحث السعوديين وأزمة القرم، وتقدم الأسد خلال العام الماضي.
وظل أوباما مترددا في دعم المعارضة لأنه لم يرغب في التورط العسكري أو المشي على منحدر منزلق، ولأن تجربة العراق وأفغانستان ماثلة أمامه.
ويحمل القرار إن تم إتخاذه مشاكل قد تعيق التعاون الأمريكي مع إيران وروسيا، ومع ذلك لامته السعودية على تخليه عن الضربة العسكرية العام الماضي حيث رأت السعودية وإسرائيل في قرار أوباما عدم تنفيذ تهديده تطورا خطيرا، حيث رأت فيه دليلا على غياب التصميم.
ومن ثم ردت السعودية بطريقتها على فشل واشنطن والغرب بدعم السوريين عندما رفضت مقعدا في مجلس الأمن الدولي. وفي السياق نفسه عبرت السعودية عن غضبها للموقف الأمريكي من حسني مبارك الذي أطاحت به ثورة عام 2011، وكانت الرياض أكثر دعما للإنقلاب الذي أطاح بمحمد مرسي من واشنطن، ودعمت قرار الحكومة المدعومة في مصر وحملتها ضد الإخوان.
وتنقل صحيفة ‘لوس أنجليس تايمز’ عن جون اولترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد الدراسات الدولية والإستراتيجية ‘لا توجد أجوبة سهلة لهذه الأسئلة’.
ويضيف ‘يعتقد السعوديون أننا نتعامل بغير حكمة مع الشرق الأوسطـ ومنذ ستين عاما والإستراتيجية السعودية متحالفة مع الولايات المتحدة ولكنهم (السعوديون) يعتقدون أنه غير كاف’. ويحاول أولترمان تضييق دائرة المطالب أو القائمة التي يجب على إدارة أوباما عملها، لأن السعوديين يرون في قلة عناصر الأجندة محاولة لفك الإرتباط مع المنطقة. وفي مصر بدا الخلاف أوسع خاصة عندما خسرت السعودية حليفها القديم مبارك، ووصل الإخوان المسملون للسلطة حيث عملت غلى إفشالهم ودعم النظام الذي جاء بعدهم.
التعاون في مصر

وفي هذا نقلت صحيفة ‘نيويورك تايمز’ عن مصطفى العاني من مركز دراسات الخليج قوله إن السعوديين يرون أن تقييم إدارة أوباما للأوضاع في المنطقة غير صحيح، سواء تعلق هذا الأمر بسوريا، مصر، إيران أو الإخوان المسلمين. ويضيف أن السعوديين لا يثقون كثيرا في أوباما وسيطرحون عليه أسئلة صعبة.
وتضيف أن القادة السعوديين الذين يفضلون العمل من وراء الستار وحل المشاكل بالمال خرجوا عن صمتهم وبدأوا يبحثون بمفردهم عن حلول لمواجهة الأسد واحتواء إيران ومساعدة مصر في ضوء تراجع الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بعد حرب الخليج. ومع ذلك ترى الصحيفة أن السعودية تظل محل اهتمام لأوباما الذي يعيد النظر في سياسته نحو سوريا وإيران.
وعليه فالهدف الرئيسي لزيارة أوباما هو التأكيد للسعوديين أن واشنطن لا تزال ملتزمة بحماية أمن بلادهم الذي لن يتم التنازل عنه حالة توصلت الولايات المتحدة لاتفاق مع إيران. وفي السياق نفسه سيحاول أوباما اقناع السعوديين باستخدام نفوذهم عل النظام الحاكم في مصر وإقناعه بوقف حملات القمع ضد المعارضة والمباشرة بإصلاحات سياسية وهي الصيغة التي ترى الدول الغربية فيها تحقيقا للإستقرار. وهذا نابع من دور السعودية في دعم الإنقلاب وتشجيعه على قمع الإخوان.
ونقلت عن مسؤول أمريكي قوله ‘يرى السعوديون أن الحكومة الإنتقالية في مصر بالغت في قمعها للإخوان المسلمين’ وأضاف’ شعر السعوديون أن المصريين تجاوزوا الحد بالقمع الكبير الذي طال الصحافيين والمعارضة العلمانية وموظفي السفارات الأجنبية’.
ولكن السعوديين الذين دعموا الإطاحة بمرسي يقودون حملة ضد الإخوان في المنطقة بشكل عام. ونقلت عن مسؤول سعودي سابق قوله ‘هذه حرب’، و’يتعاملون مع الإخوان باعتبارهم تهديدا على المنطقة، وهناك من يعتقد بإمكانية محوهم من المنطقة’. وحتى الآن دعمت السعودية والكويت والإمارات نظام مصر الجديد بـ 15 مليار دولار جديدة، وأعلنت شركة إعمار مرتبطة بالحكومة الإماراتية عن مشروع سكني كلفته 40 مليار دولار أمريكي.
وقالت إن الأمارات أرسلت أحد وزرائها هو سلطان أحمد الجابر كي يقضي وقته في القاهرة لمساعدة الحكومة المصرية في اقتصادها.
وتشير الصحيفة إلى موقف الحكومة السعودية من الإخوان حيث حملهم الأمير نايف وزير الداخلية وولي العهد فيما بعد مسؤولية كل المشاكل. وحذرت الصحيفة من سياسة الدعم المفتوح لقمع الإخوان في مصر وأنها لن تكون بدون مخاطر.
ويرى فردريك وهيري من معهد كارنيغي أن ‘السعودية تخسر أصدقاء في المنطقة شمالا ويمينا’. ويقول روبرت جوردان السفير الأمريكي السابق في الرياض’على الجنرالات إظهار أنهم أقدر على الحكم من الإخوان المسلمين وهو ما يقلق السعوديين’.
ويقول الصحافيون السعوديون إن الصحافة السعودية حريصة على حماية النظام المصري أكثر من النظام، فعندما أعلن جنرال مصري عن اكتشاف دواء لمرض التهاب الكبد الوبائي والإيدز أثار سخرية في العالم العربي إلا في السعودية التي تجاهل فيها الإعلام الأمر. ورغم الخلافات حول سوريا وإيران يأمل أوباما في الحصول على دعم السعوديين في مصر خاصة أنهم غير راغبين بدعم الإقتصاد المصري للأبد.

زيارة رمزية

ومن هنا فالزيارة الرئاسية في جوهرها رمزية مع أن مساعدي الرئيس يؤكدون أنها ‘جوهرية’ حيث أبقى الرئيس على الرحلة رغم إلغائه لخطة عقد مؤتمر كبير يجمع قادة دول الخليج هذا الإسبوع بسبب الخلافات السعودية- القطرية، ومن هنا فقرار أوباما التوقف في الرياض تعني أنه يكن احتراما كبيرا للملك السعودي.
ورغم رمزيتها التاريخية كونها بين دولتين تقيمان أقدم تحالف في المنطقة منذ عام 1945 إلا ان الخلافات ستظل كما هي. ويرى ديفيد بلير في تقرير له بصحيفة ‘دايلي تلغراف’ أن الولايات المتحدة والسعودية ستعيشان مع حقيقة هذه الخلافات.
فواشنطن والرياض تختلفان في كل قضية مهمة في الشرق الأوسط . ويشير هنا إلى سوريا التي تتعطش السعودية لإسقاط النظام فيها وتقوم منذ عام 2012 بتوفير السلاح للمقاتلين دون الأخذ بعين الإعتبار إمكانية وقوع هذه الأسلحة بيد المتطرفين. وفي الموضوع الفلسطيني يقول بلير إن الولايات المتحدة استثمرت كثيرا في خطة الإطار التي سيعلن عنها قريبا لكن السعوديين يشكون في أن تقوم إدارة اوباما بممارسة الضغط على إسرائيل حالة إعلان الخطة النهائية.
و الموقف نفسه واضح تجاه إيران حيث يرى أن العداء المستحكم بين البلدين عميق وله جذوره الدينية والعرقية. وترى السعودية في المشروع النووي الإيراني تهددا وجوديا.
ولهذا طالبت السعودية كما أظهرت وثيقة سربها موقع ويكيليكس عام 2008 بقطع رأس الأفعى. وبدلا من قطع الرأس اختارت الولايات المتحدة الحديث مع الأفعى. وأخفت الولايات المتحدة المحادثات التي جرت العام الماضي وقبل انتخاب حسن روحاني، حيث يعترف الدبلوماسيون الأمريكيون بصراحة اليوم إن عملية خداع مورست على السعودية وكانت الأولى على رأس قائمة الدول التي لم تخبر بالمحادثات السرية التي جرت قريبا من حدودها في عمان.
وبحسب دبلوماسي أمريكي فمعرفة السعودية بها كانت ستفشل كل شيء و ‘الإتفاق كان في مصلحة السعودية ويجب أن تعيش معه. ويرى بلير إن الخلافات والحالة هذه لن تحل لسبب واضح وهو كون السعودية يحكمها رجال عجزة، فالملك عبدالله في الـ 90 من عمره، ومن هنا تعاني السعودية من مشكلة ‘حكم العجزة’.
أما بالنسبة لأمريكا، فأوباما ليس بحاجة للقلق من المشاكل مع السعودية لأن التحالف بين البلدين قام ببساطة على تبادل مصالح النفط مقابل الأمن، وأمريكا في طريقها للإكتفاء الذاتي مما يعني أنها ليست بحاجة لنفط السعودية أو الخليج. واليوم تشتري الصين النفط السعودي الخام أكثر من الكميات التي تستوردها أمريكا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية