قبل أقل من شهرين جلس في المطبخ الظريف في مزرعة شكميم الرجلان الأعظم قوة في الدولة: الأب، رئيس حكومة قوي، ذو شعبية، يتمتع باحترام الملوك في العالم وبنسب تأييد نادرة في البلاد، يطحن الجهاز السياسي فيُصيّره غبارا، ويندفع الي نصر محقق في الانتخابات.
والي جانبه الابن، هاديء، بعيد من العين، قريب جدا من لب الأمور. يُخرج ويُدخل، يهمس ويثير، ويُهمس اليه ويجعل الآخرين يهمسون، ويخلط الجهاز السياسي لمصلحة أبيه، ويُخلي الطريق، ويقوم بالعمل الاسود. وحولهما روح القدس فقط.
أنظروا اليهما اليوم. الأب ملقي في سرير الموت، بلا وعي، يقاتل عن آخر قطعة من حياته. والابن لم يعد يخرج ويدخل أي شيء، بل يدخل السجن. وحولهما، ظلام فوق هاوية. لم ينقض قط مجد علي نحو سريع كهذا، مع صرخة حادة، وحشية غير متوقعة كثيرا. مأساة يونانية علي جزيرة يونانية، وجمعيات وهمية، وقسَم كاذب والكثير الكثير من الدم السيء.
سيستأنف عمري شارون علي العقوبة القاسية غير المسبوقة، التي فرضتها عليه أمس القاضية عدنا بكنشتاين. لا يوجد له خيار آخر. وُجه الي قرار الحكم أمس نقد من الجدار الي الجدار تقريبا. حتي لقد تردد الأعداء السياسيون لشارون الشاب قبل أن يرقصوا علي الدم. انهم يعلمون أنه أول من حُقق معه في قضية قانون الاحزاب، وهم يعلمون أن العقوبة غير متزنة، ويعلمون أنه لم تُحتسب أي دعوي من دعاوي تخفيف العقوبة (وكان الكثير منها)، ويعلمون أن الجميع فعلوا كذلك لكنه هو فقط، الشاب، تحمل من اجل الجميع. هذا مجنون، قال أمس شارون الشاب، هذا مجنون تماما. بعد أن تحملت المسؤولية كلها، وتعاونت والجهاز، وكنت نزيها، واعترفت، واستقلت، وساعدت علي انهاء هذا، من الذي سيريد التصرف علي هذا الوجه الآن؟ اذا لم تُؤخذ جميع هذه الامور في الحسبان، فما هي الرسالة هنا الآن؟. انه مُحبط. من الحقيقة أن جزءا من قرار الحكم كتبته القاضية بخط يدها في اللحظة الأخيرة، وهي تحبس أنفاسها. واعلان التأييد الذي نشره المستشار القضائي للحكومة والمدعي العام للدولة من فورهما بعد قرار الحكم. والعِلم أنه في كل انتخابات تمهيدية تقريبا كان هناك شذوذ، وكانت اموال غير قانونية، وأنهم حققوا معه فقط، وأنهم ضبطوه هو فقط. بالرغم من كل ذلك، يحرص علي كلامه. لا يفتح فمه ليعيب علي الجهاز. سيقدم استئنافا، ويأمل تخفيف العقوبة.
ماذا كان سيقول الأب؟ كان شارون الشيخ سيقول طُرفة لاذعة يقينا. لقد أكثر من ممازحة ابنه عن السجن المتوقع. والابن ايضا، مع غياب الأب، مازح سجانيه (الوهميين). أبناء عائلة شارون أناس أقوياء وصِلاب. أخضعت الطبيعة قبل أكثر من شهر واحدا منهم. وأخضعت المحكمة أمس الثاني.
عندما ينقشع الغبار، وعندما يُسرح (اذا ما سُجن)، فسيضطر عمري شارون الي فحص كيف حدث ذلك. لماذا انزلق؟ ماذا كان مسار التحطم؟ والأهم: كيف أصبح أيقونة الفساد الوطني، اسما مطاردا للفساد السلطوي. فالحديث عن مخالفة ادارية بقانون غير مهندم لم يُفرض قط، اقترنت بها مخالفة قسَم كاذب. وها هو ذا، في الوعي العام، يُلطخ اسمه أكثر من أسماء مغتصبي البنات أو القتلة. كل مجذوم سخيف يسخر منه. كيف جلب علي نفسه هذه الموجة؟ كيف ربح لنفسه هؤلاء الكارهين.
؟ سيقوم بكل هذا بعد ذلك. عليه الآن أن يجتاز الصدمة الأولية، رغم أنه كان مقتنعا بأن القاضية ستحكم عليه بالسجن، مرت عليه أمس لحظات صعبة. لم يحلم في أشد أحلامه سوادا أن تنتهي مسيرته، التي أُقيمت في ضوء هدف بسيط واحد هو مساعدة الشيخ، الي سقوط محطِم لا يمكن معرفة من الذي سيستجمع الشجاعة لمساعدته في النهاية.
بن كسبيتالمراسل السياسي للصحيفة(معاريف) 15/2/2006