كوستلر وتجويع اوكرانيا

حجم الخط
1

كتب آرثر كوستلر ذات يوم ‘الخمور الفكرية’، وهو نص يشرح فيه لماذا وكيف انتسب إلى الحزب الشيوعي الألماني في نهاية 1931، ولماذا استقال منه بعد سبعة أعوام من تجربة حافلة بالأحداث، قضى منها سنتين في الاتحاد السوفييتي، قبل أن يعود إلى فرنسا ويذهب منها الى اسبانيا كمراسل صحافي إبان الحرب الأهلية الإسبانية ويقضى بضعة اشهر في واحد من سجون فرانكو.
تُرجم كتاب الخمور الفكرية إلى العربية، ونشرته دار الكاتب العربي في بيروت، من دون اسم المترجم ولا سنة الإصدار. في حين نشرت الدار عنوانها كاملاً وأرقام هواتفها الثلاثة. تضمن الكتاب صفحات مؤلمة كالصفحة الثمانين، مع وصوله إلى أوكرانيا بعد أن فرض يوسف يوغاشفيلي (حامل لقب ستالين) الزراعةَ الجماعية في الاتحاد السوفييتي، فكتب كوستلر: (شاهدت بعيني ما فعلته المجاعة في أوكرانيا خلال تلك السنوات. إذ أبصرتُ عائلات وجماعات تتسول في محطات السكك الحديدية وهم في أسمال بالية، ورأيت النساء يرفعن إلى نوافذ عربات القطارات اولادهن الساغبين، وهم في منظرهم الأليم، سيقان كالعصي ورؤوس كبيرة كجماجم الموتى وبطون ضامرة، يلوحون أشبه بالأجنة أو ‘السقط’ الموضوعة في الزجاجات الملأى بالكحول. وبدا الرجال بين تلك الجموع في أحذية ممزقة تلوح منها أطراف أقدامهم التي هرأها الثلج.
قيل لي ان أولئك هم الكولاك الذين رفضوا الزراعة الجماعية، فارتضيت هذا التعليل . ورأيت الخادمة التي كانت تشتغل في فندق ريجينا في خاركوف، يغمى عليها من شدة الجوع وهي تنظف غرفتي . وأنبأني المدير أنها قدمت أخيراً من الريف، وأنها لم تتلق بطاقة جرايتها إلى الآن بسبب بعض الاجراءات الفنية . فلم يسعني إلا قبول هذا التفسير). انتهى الاقتباس. نعرف أن تجربة الزراعة الجماعية أبادت عشرة ملايين إنسان سوفييتي، أما لماذا فهذا سؤال مازال محرماً إلى اليوم.
نحن اليوم أمام تجربة تجويع الشعب السوري، بدعم من وريث يوغاشفيلي . وتبدو الصور المنقولة من سوريا ومن مخيمات اللجوء في دول الجوار اكثر فصاحة من نص كوستلر واشد إيلاماً .. ولن نستغرب إذا تفاقم عدد الضحايا وتجاوز ما حدث في أوكرانيا نسبياً. تعاني أوكرانيا اليوم أزمة طاحنة من جراء الهمجية في غربي اوروبا وفي شرقها، كما يعاني شعب سوريا. فهل يجوز السؤال من أجل ماذا؟ أيوجد من يعرف الجواب؟ ..
هل هو روح الله العظمى أم يوسف يوغاشفيلي المعاصر؟ أم غيرهما.. كالفنانتين رغدة وميادة الحناوي لعل عندهما الخبر اليقين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية