لندن ـ ‘القدس العربي’ ناقش الصحافي باتريك كوكبيرن في صحيفة ‘اندبندنت أون صنداي’ الثمن الذي تدفعه الولايات المتحدة بسبب دعمها لإعادة الأنظمة الديكتاتورية في منطقة الشرق الأوسط. وكان كوكبيرن يعلق على زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى السعودية. وهي الزيارة التي قصد منها إصلاح العلاقات المتوترة بين الدولتين اللتين ترتبطان بحلف تاريخي قديم يعود إلى الحرب العالمية الثانية.
ويعيش الحلف توترا وضغوطا في هذه الأيام بسبب الموقف الأمريكي من سوريا ومصر وإيران. ومن جانبها تشعر الإدارة الأمريكية بالغضب من دعم السعودية للجماعات المقاتلة ذات الرؤية الجهادية في سوريا.
ويرى الكاتب أن العلاقات الأمريكية- السعودية استثنائية وخاصة من ناحية كونها بين ملكية رجعية ومحافظة- وهي المكان الوحيد في العالم الذي لا يسمح فيه للمرأة بالسياقة – وبين جمهورية تعتبر نفسها الدولة الوحيدة في العالم التي تنشر الديمقراطية. ومع ذلك فالعلاقة قوية ولم تتأثر كثيرا بهجمات 9/11 والتي كان معظم المهاجمين فيها من السعوديين.
التخلص من الأسد
ويضيف الكاتب أن السعوديين يرغبون في إقناع الولايات المتحدة لبذل جهود كبيرة للإطاحة بالرئيس بشار الأسد، مشيرا إلى تصريحات ولي العهد السعودي الأمير سلمان بن عبد العزيز لمؤتمر القمة العربية الذي انعقد الأسبوع الماضي في الكويت عندما تحدث عن ‘الخيانة التي تعرضت لها المقاومة الشرعية السورية من قبل المجتمع الدولي وتركت فريسة لقوات الطاغية’.
ويرى كوكبيرن أن التعليق مبالغ فيه من حاكم محتمل لدولة يتم فيها سحق حرية التعبير ويبلغ عدد السجناء السياسيين فيها 30.000 سجين، وانتقاد بسيط للنظام عبر التويتر كاف لاستدعاء الشخص من المخابرات.
وتحدث الكاتب عن قرار الملك عبدالله في 3 شباط/فبراير والذي منح الجهاديين السعوديين المقاتلين في سوريا مهلة 20 يوما للعودة. والفكرة من هذا القرار هي خنق الإمدادات من المتطوعين للقتال في سوريا، والذين يصل عددهم 2500 متطوع حسب بعض التقديرات. وكان السعوديون الراغبون في السفر إلى سوريا يجدون طريقهم إلى هناك بسهولة علامة على غض السعودية الطرف عن المتطوعين هؤلاء ولكن الحكومة تقول إنها ستسجن من لا يعود في الموعد المحدد. ويقول الكاتب إن التغير في الموقف السعودي لم يترك أثره بعد لأن الدعم الشعبي للحرب السورية واسع.
ويرى كوكبيرن أن تجريم الجهاديين ليس سوى خطوة لإقناع الأمريكيين أن السعودية لا تقوم بدعم جبهة النصرة ولا الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) المرتبطتان بالقاعدة. وترغب السعودية في إنشاء قوة ثالثة تكون قادرة على مواجهة كلا من الرئيس بشار الأسد والقاعدة في نفس الوقت.
ويعتقد الكاتب أن فكرة إنشاء قوة ثالثة تعمل من الأردن تستطيع حرف مسار المعركة سريعا ليست عملية في الوقت الحالي خاصة أن القوات السورية تخوض معارك حول حمص وحلب ودمشق وتحقق إنجازات بدعم من حزب الله.
حرب بالوكالة
ولو وافق الأمريكيون على الخطة فإنهم يوافقون وبشكل عملي على المشاركة في حرب بالوكالة طويلة الأمد، وهذا على خلاف التصريحات ‘المنافقة’ الصادرة من واشنطن والرياض التي تؤكد على ضرورة إنهاء المعاناة السورية.
ويقول الكاتب إن الولايات المتحدة أسهمت بشكل مباشر في زعزعة استقرار العراق عندما دعمت المعارضة السورية. ومع أن الأحداث في هذا البلد وعدم الإستقرار عادة ما تنسب لرحيل الأمريكيين عنه إلا أنه من المعلوم أن ثورة في سوريا كانت ستقوي وأحيت آمال السنة في العراق. فبعد ثلاثة أعوام من بداية التظاهرات السلمية في سوريا، أصبحت منطقة الفرات إلى جربلوس على الحدود السورية مع تركيا بيد داعش. وفي الأسبوع الماضي دخل مقاتلو النصرة منطقة الساحل قرب اللاذقية.
ويقول الكاتب إن مشكلة السعوديين تكمن من اعتمادهم دائماعلى الجماعات الجهادية كذراع لتنفيذ سياساتهم الخارجية، حيث يعتقد السعوديون أنهم بهذه الطريقة سيتحللون عن المسؤولية، ومن أجل تطبيق هذه السياسة سمحت السعودية لجامعي التبرعات والوعاظ بالعمل بدون مضايقة.
والمشكلة في هذه السياسة غير المحددة وكما ظهر في أفغانستان وسوريا والعراق وباكستان هي أن السعودية لا تسيطر بشكل كبير على الجهاديين الذين يشعرون أن الرياض بدأت تتعامل معهم كمنبوذين.
ففي الأشهر الأخيرة بدأت مواقع الإنترنت والتويتر بالهجوم على العائلة السعودية الحاكمة، ونشر واحد منها صورة للملك عبدالله وهو يقلد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش قلادة وتحتها ‘ميدالية لغزو الدول الإسلامية’.
وفي صورة أخرى تظهر شاحنات محملة بالمقاتلين وتحتها عنوان أنها متجهة نحو شمال السعودية.
خوف
ويرى الكاتب أن السعودية تظهر نوعا من العصبية، خاصة أنها دعمت ثورة مضادة في كل أنحاء المنطقة، ونجحت في عدد من المناطق، ففي البحرين أرسلت السعودية قواتها عام 2011، وفي مصر مولت السعودية الإنقلاب الذي أطاح بالرئيس المنتخب محمد مرسي عام 2013 وفي سوريا تأكدت السعودية من سيطرة الإسلاميين على الساحة القتالية.
وبهذه الطريقة يقول كوكبيرن إن السعوديين يقومون بخلق الكثير من الأعداء لهم، من الإخوان المسلمين في الخليج الذين يشعرون أنه يتم استهدافهم كإرهابيين على الرغم من كونهم جماعات إصلاحية وسلمية، ومن ثم الجهاديين في سوريا الذين يشعرون أن السعودية شجعتهم على مواجهة الأسد ومن ثم تركتهم لشأنهم، كما وجد الليبراليون السعوديون أنفسهم عرضة للمساءلة حتى لو كان الأمر متعلقا بتغريدة عادية، أو عرض كتب في معرض كتاب نظم في الرياض الشهر الماضي عندما تم تفكيك لدار عرض ليبرالية.
مصالح
ويشير الكاتب هنا إلى تضارب مصالح الولايات المتحدة مع قلقها على الديمقراطية وحقوق الإنسان فالمستثمرون الأمريكيون والبريطانيون وغيرهم من الأجانب يتصرفون بتملق للسعوديين ويعتقدون أنهم بهذه الطريقة يفعلون هذا من أجل مصالحهم القومية.
وفي حالة أوباما فهناك 87 مليار دولار عقود سلاح مع السعودية منها 29 مليار لشراء مقاتلات أف-15 و31 مليار لشراء مروحيات.
ولكن زيارة أوباما أدت بأعضاء في الكونغرس من اليمين المسيحي المحافظ والجمهوريين والليبراليين الديمقراطيين الى مطالبة الرئيس في رسالة بطرح مسألة حقوق الإنسان مع ‘السلطات السعودية التي قامت بالتحرش واستفزاز وسجن كل الداعين لحقوق الإنسان البارزين في البلاد’. وذكرت الرسالة محمد القحطاني وعبدالله الحامد اللذان حكم عليهما بالسجن لإنشاء منظمة لحقوق الإنسان.
وانتهت الرسالة بالقول ‘يجب على حكومة المملكة العربية السعودية أن تلغي الحظر على التجمعات العامة والقيود على وسائل التواصل الإجتماعي، ووقف التعذيب وإصلاح ما أطلق عليها قوانين مكافحة الإرهاب والتي تقوم بتجريم وبشكل عملي كل أشكال المعارضة السلمية’.
ويختم بالقول ‘لقد نجت السعودية من ثورات الربيع العربي ولم تواجه اضطرابات محلية، وواصلت طريقها كي تعيد الأنظمة الديكتاتورية القديمة إلى الحياة في الشرق الأوسط، ولكن البلد نفسه أصبح منقسما وغير مستقر أكثر من أي وقت مضى’.
وفي الوقت الذي تعيد فيه السعودية حساباتها سواء فيما يتعلق بالجماعات الجهادية أو البحث عن طرق لإنهاء نظام الأسد، تستمر داعش في ممارساتها في شرق سوريا.
إنتحار في الرقة
فقبل عام كانت مدينة الرقة السورية مركزا للنقاشات السياسية والحديث عن اقتصاد الثورة وزراعة الثوار التي قامت بتوعية السكان حول أساليب الحفاظ على البيئة، ولكن هؤلاء الثوار الليبراليون الذين اتخذوا المدينة مركزا لهم بعد سيطرة المقاتلين عليها وطرد قوات النظام في أول سيطرة للمعارضة على مدينة كبيرة في سوريا منذ اندلاع الإنتفاضة عام 2011 اختفوا منها ومعظمهم غادر المدينة إلى تركيا فيما فضل الباقون الإختفاء عن الأنظار فحكام الرقة الآن هم جنس مختلف وأحكامهم هي الأقسى. وهؤلاء ينتمون لداعش التي تسيطر على الرقة اليوم.
وحول ما يجري داخل الإمارة الاسلامية للرقة استطلع ريتشارد سبنسر مراسل صحيفة ‘صنداي تلغراف’ البريطانية بعض الآراء التي جمعها من اللاجئين والنساء والرجال ممن فروا من سجون داعش.
ونقلت الصحيفة عن امرأة قالت إنها ذهبت إلى مركز تجنيد خاص بالنساء اللاتي تدفقن إلى سوريا من أوروبا وغيرها لخدمة قضية الجهاد، حيث حضر بعضهن مع أطفالهن. وتقول هذه المرأة ‘لقد ذهبت إلى مقر قيادتهم الذي كان في كنيسة، وسألت عن شروط الإنضمام، وقالوا يجب أن يكون عمرك ما بين 18-25 عاما، والراتب سيكون 25.000 ليرة سورية’. ولكن ‘إن انضممت لهم فستكون أمامك فرصة للزواج من مجاهد أجنبي، ولكن يجب التأكد أولا من كونك مجاهدة حقيقية’.
وتضيف أنها التقت خارج مقر القيادة مع متطوعات أجنبيات، ثلاث نساء تونسيات وواحدة فرنسية قالت إنها مطلقة وحضرت مع ابنتها البالغة من العمر 12 عاما وأربعة أطفال صغار. وبعيدا عن الرقة ففرصة الزواج في سوريا قبل الشهادة حاضرة في مواقع الإنترنت التي يستخدمها المقاتلون الأجانب ومعظمهم يكتب ويتحدث بالإنكليزية.
ولكن في الرقة يقول ناشطون ونساء إن عدم توفر العدد الكافي من النساء المجندات في صفوف داعش يعني أن الأخيرة بدأت بتجنيد طالبات من المدارس والكليات. ومن بين اللاتي قاومن فكرة التجنيد فاطمة عبدالله وهي من عشيرة تعيش خارج المدينة والتي انضم شقيقها إلى داعش وأقنع والدها بتزويجها لتونسي.
ولكنها رفضت عندما أصرت عائلتها على تزويجها قتلت نفسها بتناول سم الفئران. ويقول الصحافي إن القصة أكد صحتها ناشطون في المدينة.
وكانت الجماعات المضادة للحركات الجهادية قد بدأت منذ بداية كانون الثاني /يناير حملة لإخراج مقاتلي داعش من شمال سوريا، واستطاع مقاتلون تابعون للجبهة الإسلامية وجبهة ثوار سوريا من دفع مقاتلي داعش للخروج من مناطق حلب وإدلب واضطرت داعش للإنسحاب إلى مناطق الشرق.
وتقول تقارير المقاتلين إن الضغط على داعش وإجبارها على ترك مناطق سيطرتها دفعها لقتل السجناء الذين كانت تحتفظ بهم في سجونها، فيما تم تحرير آخرين وفي بعض الحالات حمل المقاتلون سجناءهم معهم في شاحنات البيك أب.
وفي بلدة اعزاز، القريبة من الحدود مع تركيا انتقمت داعش من جماعات الجيش السوري الحر بقطع رؤوس أربعة من المعتقلين وعلقت رؤوسهم على عارضة خشبية في وسط دوار رئيسي، ويقول ناشط ‘نطلق عليه دوار قطع الرؤوس’، وتم نشر صور لمشهد الرؤوس هذه وإلى جانبها وقف مقاتل ألماني وهو يلوح منتصرا على مواقع الجهاديين.
ووصف أحمد بريمو كيف نجا من مصير مماثل عندما ضربت قذيفة السجن الذي كان معتقلا فيه’سمعت صوتا ينادي على إسمي للإعدام’ وبعدها سمعت صوت انفجار وجرح حرس السجن وقائد منهم حيث حملوه بعيدا، وبعد يومين تم تحرير السجن وهربت’.
وكانت أجهزة الأمن السورية قد اعتقلت بريمو في مدينته حلب وبقي في السجن مدة شهر. وعندما سئل عن المعاملة التي تلقاها من داعش وإن كان ضرب أو استخدمت الآلأت الكهربائية على جسده خاصة الأجزاء الحساسة أجاب أن المسألة ليست أسوأ من تجربته في سجن النظام ‘إنها مشابهة’.
وكانت داعش قد اختلفت مع جبهة النصرة وهو ما قاد زعيم القاعدة أيمن الظواهري لكي ينبذ التنظيم وزعيمه أبو بكر البغدادي، لكن قدرة داعش على زرع الخوف في قلوب المواطنين كانت وسيلتها المهمة لجلب المتطوعين الأجانب بحسب الصحيفة، ولا تزال الرقة خاضعة لسيطرتها.
ويتحدث التقرير عن الناشط أنور محمد الذي عمل صحافيا في بداية الإنتفاضة وكتب تقارير عن فعالياتها للعالم الخارجي، وكان محظوظا حيث اعتقله مقاتلو داعش ونقل إلى مقر قيادتهم في حلب والذي كان في مستشفى للأطفال وحقق معه واعتقل ونقل إلى بلدة أخرى واستطاع الهرب في إحدى الليالي عندما حشر نفسه بين قضبان الزنزانة وخرج من النافذة مستخدما البطانيات التي ربطها ببعضها ومن ثم هرب إلى بيته ومنه إلى تركيا. ويقول والده إن داعش زارته وأخبرته أن ابنه سيحاكم ويعدم بتهمة الخيانة.
أما محمد نور فقد كان يدير مركزا للخدمات الإعلامية ويتعاون مع الصحافيين الأجانب، وشعر بالبهجة عندما خرجت قوات النظام من بلدته اعزاز في عام 2012 خاصة أن والده كان من ضمن الذين اختفوا في سجون النظام قبل ولادته. وفي أيلول/سبتمبر حضر مقاتلو داعش للقبض عليه بعد هزيمتها لكتيبة عاصفة الشمال التي كان يدعمها، ومثل والده لا يعرف مكان نور حتى اليوم.
وتقول والدته إنها زارت بلدة الباب التي كانت تحت سيطرة داعش للبحث عنه ‘ذهبت إلى السجون مثلما فعلت عندما اختفى والده’ و’قال لي تعالي مرة أخرى’، وهي الآن في الـ 49 عاما ولم تتزوج منذ اختفاء زوجها ومحمد هو ابنها الوحيد. ولاحظ الصحافي أنه على الرغم من وحشية وقسوة داعش إلا أن الكثير من سكان الشمال لا يزالون يدعمونها فقد قال سامر عموري، وهو خال محمد نور إن الجماعات التي تدعم النظام تدعم داعش اليوم.
والتفسير الوحيد لهذه الشعبية هو أن داعش كانت قادرة على فرض نوع من النظام والقانون ولكن على حساب الحريات الشخصية ، وبهذه الطريقة منعت حصول الفوضى اللصوصية. وفي النهاية يرى الناشطون الذين عانوا من النظام وداعش أن الثورة السورية في نهاية عامها الثالث مثيرة للكآبة واليأس، خاصة أن الغرب لم يتدخل لدعم الثورة، فبريمو الذي عذبه النظام وداعش كان يعتقد أن الغرب سيتدخل كما تدخل في تونس وليبيا ولكنه لم يتوقع ان تصل الأمور إلى ما آلت إليه من السوء.