مصر من الغيبوبة الي الغابة
د. مصطفي عبد العالمصر من الغيبوبة الي الغابة دون اي مواقف ايديولوجية من النظام الحاكم في مصر ودون اي تحيز انساني تجاه الرئيس مبارك يمكننا القول بدون اي رتوش ان مصر عاشت ربع قرن من الغيبوبة تحت حكم الرئيس مبارك واعوانه فمنذ مقتل الرئيس السادات وتولي مبارك للسلطة، والنظام في مصر يفرز مقولات وصيغ لا علاقة لها باي واقع ملموس فيما عدا تلك الفتـــرة القصيره من الزمن التي عاني خلالها المصريون من صدمة اغتــــيال السادات في مشهد رأته الدنيا كلها وما تلي هذا الاغتيال من دعوة الرئيس الجديد الي لم الشمل من اجل اعــــادة الاستقرار الي وطن مصدوم من سياسات رئيس راحل جعل خصوماته السياسيه خصومات شخصية ثــــأرية فدفع حياته ثمنا لهذا الوضع الثأري الذي يجد جــــذورا في الثقافة المصرية رغم كل مظاهر الدعة بل والخضوع، هذه الفترة الزمنية القصيره نسبيا والتي لم تتـــعد الثلاث سنوات من عمر نظام امتد لربع قرن سمحت للرئيس ونظامه ان يمرروا ترهات عن الرخاء والديمقراطية واستعادة مصر لدورها العربي دون اي تمحــيص او تحقيق لما يطرح ويقال. وما ان اخذت الحياة دورتها وخرج الناس من صدمة مقتل الرئيس السادات حتي بدأ النظام الذي جاء الي السلطة تحت رايات المصالحة والاستقــــرار الي تقــــوية ادواته القمعية ليس فقط في مواجهة من قتلوا السادات والذين لم يجدوا تأييدا من الناس لفعلتهم حتي وان تعاطفوا مع قتل الرئيس، بل ان تنشيط الآلة القمعية كان لمواجهة كل التيارات مع اضافة نوعية جعلته قمعا مختلفا عما مارسه النظام الناصري وكذلك نظام الرئيس السادات، هذه الاضافة النوعية كان سببها عدم وجود مشروع وطني لا علي الطريقة الناصرية ولا الساداتية بل ان المشروع كان مرتكزا علي اصلاح الصرف الصحي وعمل جسر يخفف من زحام المرور، مما اعطي النظام شكلا جعل الناس تراه بل ويتحدث هو عن نفسه كمجرد شركه للمقاولات وليس كسلطة ودولة ووطن بحجم مصر، هذه الاسباب ادت كما قلنا الي اضافة نوعية جعلت الخلافات السياسية بين النظام ومعارضيه تنزل الي مستوي نقد شركه تقوم باصلاح طريق وتختلس من ميزانية الاصلاح وليس خلافات حول قضايا الحق في الحرية في مواجهة الحقوق الاجتماعية كما كان الحال مع عبد الناصر او الخلاف حول كون مصر قائدة للمنطــــقة العربية ام وكــــيلا للغرب فيها كما كان الحال مع السادات، هذا التردي في مستويات الاختلاف والجدل السياسي ادي الي فرض مناخ خطير في مصر دفع بالناس الي ان تحصر جهـــدها في السعي وبجهد لاانساني من اجل توفير اساســــيات الحياة بينما السلطة تحدث الناس عن رئيس يجوب العالم من اجل البحث عن قروض لاطعــــام شعب يكــاد ان يتضور جوعا. هذا المناخ والقبول به ادي الي فرض غيبوبة عامة التفت حول مصر وبنيها فاصبح حواريو النظام لا يجدون حرجا في ان يتقيؤوا علي الناس مقولات من نوعية (ان اهتمام الرئيس بمحدودي الدخل ينبع من ان الرئيس نفسه من محدودي الدخل) هذا بينما الناس تتحدث فيما بينها وفي اطار الغيبوبة العامة عن عمولات وسرقات تصل الي عشرات الملايين من الدولارات يقترفها النظام وحواريوه، ولان للغيبوبة منطقها فقد تصور الجميع حكاما ومحكومين ان هذا مناخ مستقر ويمكن ان يدوم دون ان يتفكروا فيما يمكن ان يحدثه من تراكمات سوف تؤدي حتما الي تغيرات ذات ابعاد اخطر من الغيبوبة التي هي في ذاتها وضع شديد الخطورة، ومن هنا تم الانتقال من الغيبوبة الي الغابة عبر احساس النظام بضرورة تشديد القبضة الامنية لحماية الغيبوبة واســــتمرارها وردع كل من تنتابه حالة من الافاقة ولان مصر خرجت من اي دور اقليمي يستلزم تقوية الجيش اضافة الي خطورة دعم جيش يشكل دائما المؤسسة القادرة علي تغيير النظام قامت السلطة في مصر بـــترك العنان لجهاز الشرطة الذي يستطيع قمع من يفـــيق دون ان يتمكن من تشكيل اي تهديد للسلطة نفسها بما لها من (جيش) يحمي الرئيس وعائلته، وهكذا اصبح من الحتمي تغيير شعار ان الشرطة في خدمة الشعب فهي ليست مجرد شرطة بل جيش جديد بمهمات جديدة وكما حدث اثناء حكم عبد الناصر عندما تحول بعض رجال الجيش الذي كان المؤسسة الاقرب الي قلب الرئيس الي مجموعة من اللصوص والساديين اصبحت الشرطة هي المؤسسة البديلة لمؤسسة الجيش الناصرية، وظهر الضابط الذي يرغـــم مواطن يسعي للمرور عبر نقاط تفتيش الي ان يكون اسير حرب دائرة بين سكان مغلوبين علي امرهم ومماليك جدد يأمرون المواطن بخلع سرواله وتقبيل الاحذية ليتفادي الاغتصاب الجنسي. هذه الوقائع التي لا يمكن تصور حدوثها حتي في ظل حراب الاحتلال الاجنبي دعمتها الغيبوبة مما ادي الي قيام ضابط اخر ليس فقط بتهديد المواطن بالاغتصاب بل باغتصابه فعلا وتصوير واقعة الاغتصاب من اجل عرضها علي من يعرفون الضحية لكي لا يتمكن المواطن من الاختفاء داخل الغيبوبة وعدم الحديث عما حدث له وكأنه لم يحدث، هذاالضابط والنظام الداعم له راهنا علي ان الغيبوبة ليست كافية لتعميق انكسار الناس بل ان تعميق الانكسار يجب ان يؤدي الي اقرار منطق الغابة التي يعرف الارنب فيها انه ارنب في مواجهة الذئب الذي يتصرف كذئب، وبالرغم من منطقـــية هذا الرهان المنحط الا اننا ما زلنا بكل السذاجة الممكنــــة نراهن علي ان الناس حتي وان غابت عن الوعي واصابتها الغيبوبة فمن الصعب بل قد يكون من المستحيل ان تفــــقد كل القدرات الانسانية والتي منها التفكير في معني الحياة اذا ما اصبحت مليئة بكل هذا الذل والامتهان، هذا التفكير قد يؤدي الي تعميق منطق الغابة بظهور جماعات تغتال رجال الشرطة او تحرق مقارهم وهذا جد خطير اذ انه قد يحول الارنب الانساني الي قنبلة متحركة لا يستطيع اي ذئب الوقوف في وجهها، ولاننا لا نريد ان نصحو من غيبوبتنا علي هذا الكابوس فانه من الاجدي والاجـــــدر بمصر وبالمصريين ان تدفعهم قدراتهم الانسانية عبر التفكير والبحث عن استعادة الادمية الي اتخاذ مواقف جــــماعية تغير النظام من جذوره وتلقي به الي مزبلة التاريخ ونفيق جميعا من غيبوبة طالت فأدت بنا الي ان يصبح الوطن مجرد غابة.كاتب من مصر يقيم في لندن8