شعراء قصيدة النثر ومواصلة الهوس المجاني بالذات خارج النص

حجم الخط
0

شعراء قصيدة النثر ومواصلة الهوس المجاني بالذات خارج النص

ممدوح رزقشعراء قصيدة النثر ومواصلة الهوس المجاني بالذات خارج النصهناك ما يشبه الاتفاق البديهي والأزلي الذي قد يصل الي درجة اليقين أن ما (يتحدث) به الشاعر هو أمر مهم ومفيد للغاية حينما يقوم الآخرون بتناول واحتواء ما (يكتبه).. بمعني أن ما يصدر عن الشاعر خارج نطاق النص يمثل اضاءة ثمينة وعلامات ارشادية نافعة للوصول الي اكتشافات أكثر عمقا لعالمه الجمالي الحقيقي والانساني بالضرورة المتمثل في كتاباته الشعرية.علي النقيض كنت ولا زلت أري أن ما (يتحدث) به الشاعر هو أمر معطل ومخادع لما (يكتبه).. تحدث الشاعر هو ابطال مفعول (الشعر) وافقاده قيمته الجوهرية الاستثنائية.. أشبه باجراء عملية بتر لأجنحة النص وحرمانه من فضاءاته اللامنتهية لجعله يسير بخطوات عادية وثقيلة ومتكررة تشبه خطوات أي شيء آخر يخضع لقوانين العالم المعتادة.. حينئذ سيتم اختزال قيمته واقتصارها علي ما يتحدث به صاحبه (الشاعر) عنه فحسب.. سيتم حرمانه من انتصاره الحقيقي ومنحه بدلا منه انتصارا سطحيا وشاحبا يؤدي خيانة ما لجوهره الحميم أكثر مما يؤدي للتعرف علي قيمة اضافية لهذا الجوهر.. سيصبح النص شأنا متداولا يمكن مخاطبته بشكل مجاني كمظهر تقليدي من مظاهر الحياة العادية ويسهل استخدامه في أغراض أخري لا علاقة لها بالشعر حيث سيكون صالحا في تلك الحالة لأداء مهام شخصية تنتمي للشاعر بصفته انسانا طبيعيا لديه مكونّ نفسي معين ويمتلك بالتالي رغبات يريد تحقيقها ومتاعب يسعي للتخلص منها.طالعت في الفترة الأخيرة حوارات وشهادات للعديد من شعراء قصيدة النثر، وعلي الرغم من الاختلاف البديهي بين مشاريعهم الا أنه كان هناك تبنّ من جانبهم لخطاب شبه موحد ظهرت سماته بشكل واضح في تلك الحوارات والشهادات.. هذا الخطاب أخذ علي عاتقه تنفيذ مهمة محددة تختص بتمجيد الذات.. ذات الشاعر الذي يكتب شهادة ما عن تجربته أو يجيب علي أسئلة صحافية توجه اليه.. التأنق الدعائي السطحي المجاني والمباشر.. ترويج وتصدير حالة مثالية براقة تجاهد لاكتساب صفات التميز والتفرد والاختلاف المتعالي بشكل مضحك.. تثبيت ضآلة الآخرين مقارنة بذاته الاستثنائية الخطيرة والمرعبة والمثيرة للشفقة في نفس الوقت.. من السهل جدا بالطبع انتاج حالات كهذه طالما هناك قدرة ورغبة للتضحية بالشعر في سبيل (الأنا).. استغلال النص في تصفية حسابات مع الآخرين ومع الحياة والموت بشكل كلي.. ربما عدم اقتناع أو عدم اكتفاء بالتحقق الجمالي والانساني للشعر.. ربما معادلات شخصية تمنع من التوصل لفهم قيمة هذا التحقق في حد ذاته دون حاجة لاعتباره وسيلة حياتية لادارة الشأن اليومي.هناك شاعر يتحدث عن (الأدعياء والمتسكعين) ـ الذي هو ليس منهم طبعا ـ الذين أفسدوا النص الشعري وهو يتكلم طبعا بصفته أحد الذين أصلحوه أو علي الأقل حافظوا علي قيمته، وهناك شاعر آخر يشير كبطل أسطوري الي (رداءة أغلب ما يكتب تحت مسمي قصيدة النثر) وهو الذي بالطبع لن يضيع وقتا من حياته كي يؤكد لنفسه أن نصوصه لا تنتمي لتلك الرداءة التي يتحدث عنها لأن هذه مسألة منتهية ليست بحاجة للتفكير من الأساس.. أيضا يوجد شاعر آخر يتحدث بمنتهي (القرف) كأنه علي وشك الاغماء عن (المتشاعرين الذين يشوهون المنجز الحقيقي للنص الشعري الجديد) والذين أضروا بسمعة أمثاله من الشعراء الحقيقيين كما أن نفس الشاعر يتباهي في موضع آخر برسالة أرسلها اليه صديق له بعد صدور ديوانه الأخير يهنئه فيها علي (التحدي) الفظيع و(الانجاز) المذهل المتمثل في عدم استثماره لما نجح في انجازه في ديوانه السابق.. فعلا معجزة!!! هل كانت قصيدة النثر حقا ولو علي سبيل التوافق المرحلي أو الملاءمة التاريخية تثبيتا وضمانا لغياب الشاعر النبي؟! الشاعر العارف بالحكمة المقدسة والذي يستحوذ في أعماقه علي الحقيقة المطلقة ويسعي لاخضاع الأشياء لقراراته وحلوله وشروطه الخاصة التي يجب أن تكون قرارات وحلولا وشروط العالم نفسه باعتباره كشاعر مركزا للكون؟! المكلف قدريا بتشكيل سمات ومبادئ وخصائص تحديدية للكتابة والتلقي بصفته صاحب التعريف النهائي الجامع المانع المحسوم للشعر؟! هل شاعر قصيدة النثر حقا هو ذلك الشاعر المتسائل الذي لا يدعي المعرفة أو حيازته لخرائط الخلاص بل يختبر في كل لحظة جهله وعجزه وفشله في عقد صفقة رابحة مع الزمن ولا يمتلك سوي وعيه الصادق بالغياب والألم؟! الذي لا يعترف باليقين الجاهز ولا الجدوي المتوارثة ولا القواعد الارشادية بل يسعي لتكوين خبرات متغيرة وبديلة لا تعتمد سوي علي محاكمة المعطيات المباشرة والبسيطة للحواس العادية بنية تحويلها الي فضاء انساني تساؤلي يؤسس امتداده اللانهائي لجماليات تخاطب ارتباطها الوثيق بما هو كوني؟! هل شاعر قصيدة النثر حقا يؤمن تماما بأن الشعر ليس حكرا علي أحد أو رفاهية يختص بها العباد الصالحون وأن الشاعر لا يمثل سوي نفسه وتجربته ووعيه الخاص فحسب وعلي هذا فليس من فروض والزامات مشروعه الشعري أن يسعي لتقليص المساحة التي يشغلها وجود الآخر المختلف تمهيدا لالغائه بالكامل؟! الذي لا ينكر حق المخلوقات في الحياة المغايرة والموت المغاير والكتابة المغايرة لمجرد أنهم يحملون خبرة غريبة وضدية لخبرته واعترافا منه بامكانية خضوعه لسياقات الاقصاء والالغاء وعدم الاعتراف والطمس بشكل متبادل وتلقائي حينما يمارس تلك السياقات ضد الآخرين؟! الذي يؤمن تماما بأنه لا يحق لأحد أن يجعل من منطق (كيف تجرؤ أن تتألم بهذه الطريقة الخاطئة؟!!). حاكما لعلاقته بمن لا يتوافق معهم انسانيا وجماليا؟! الذي يستوعب حقا معني قبول الآخر ونسبية الذائقة والفرق بين الاختلاف والقتل؟! لا أظن أنه من المناسب بالفعل اختزال الهوس المجاني بالذات الذي ظل مرتبطا بذات الشاعر عبر مراحل سابقة لقصيدة النثر وارجاعه لمجرد تبني الشاعر لأيدولوجيات سياسية ودينية أو خضوعه للمثاليات الزائفة التي روجتها القومية الاستعمارية عبر التاريخ أو للتعلق بالرمز المخادع للمنقذ أو المخلّص البطل صاحب الحلم / المشروع الوطني الذي يحافظ علي درجة حرارة المؤامرة.. الهوس المجاني بالذات يرتبط بما هو انساني بشكل عام أكثر مما يرتبط بالشعر والكتابة والسياسة والدين.. نستطيع أن نتعامل معه علي أساس كونه غريزة متسلطة بطريقة ما.. تعبيراً عن احتياج وافتقاد حاد ورغبة قاسية في تعويض الدماء المهدرة ورتق الثقوب المتناثرة بشكل عشوائي.. ضرورة للاشباع وترويض الألم ومقاومة الخوف والهزائم والاحباطات المستمرة والمتكررة.. وسيلة ما للتعامل مع القدر.. القدر الذي جعل قصيدة النثر لا تنسجم مع صورة الشاعر الرسولي القديمة ولكنها لم تمنعه بالتأكيد من أن يواصل نفس الحياة بطريقة أو بأخري خارج النص حيث لا يمكن توفير مناخ جيد للتصالح وهذا ما يجعل الأشياء الثابتة والأزلية التي تعمل بداخلنا منذ التحقق البدائي للوجود تستمر في أداء مهمتها مع اختلاف الزمن وأشكال الحياة لتجعل من آلياتها قانونا طبيعيا وبديهيا.. لكن السيء في الأمر هنا هو ممارسة ذلك باستغلال الشعر اعتقادا في قدرته علي توفير الحماية المناسبة للذوات المنهكة بينما تقوم بتحويله من فعل تأمل وأرق واكتشاف للعالم الي وسيلة للعراك السطحي الساذج والاستجداء التافه للتقدير الشخصي والقيام بمحاولات مجانية لتشييد برج مراقبة وهمي يحمل صاحبه لأعلي نقطة كونية تكشف له وحده وبشكل استثنائي للغاية عن كافة الأسرار وتجعله يحيط بكل شيء علما!! اذا كان الهوس بالذات وجعله نموذجا للاحتذاء والاقتداء والسعي المتواصل لفرض هذا النموذج وتكليفه بتنفيذ الوصاية علي الآخرين كلها أمور عادية وممارسات طبيعية ترعاها طبيعة الحياة ذاتها الا أنه حينما يتم اقترانها بالشعر وبقصيدة النثر علي وجه التحديد فانها ستصبح أسبابا حقيقية للاستفهام والجدل خاصة حينما نفترض أن قصيدة النثر كفلسفة جمالية وانسانية بالطبع تقترح تخليص الكتابة من كونها استذكارا أو تحصيلا دراسيا أو سعيا للتفوق أو الحصول علي أعلي جودة ممكنة.. تقترح نفي كونها اختبارا لنيل مباركة ورضي الآخرين أو الحرمان منه وأنها ليست اقتداء بأحد أو محاولات لتتبع وصفات أو نماذج مغايرة باعتبارها التحقق المثالي للشعر.. أن قصيدة النثر هي الانتصار الحقيقي للعادي واليومي والبسيط حينما تولت رعاية تلك الحالة الفردوسية الانسانية الثملة التي استمدت قدسيتها الكونية والأبدية من التوحد والايمان بالأشياء الصغيرة.. الحالة التي قامت بتثبيت وتطوير فكرة أن الكتابة حق لأي شخص ولكل كائن وأنه ليس هناك أحد يمتلك حق رسم حدود أو وضع معايير أو ضوابط للكتابة التي يمارسها غيره بصفتها لم تخلق لأدوات القياس.. أن الشعر يتنفس في قلب كل ما كنا نؤمن ولأزمنة طويلة بأنه أبعد الأشياء عنه.أتصور أنه شبح الشاعر القديم الذي لا يزال يحتفظ حائرا بمساحة ضرورية لأصنامه أو ما تبقي منها داخل النص الشعري الجديد وخارجه.. وهنا أود التركيز علي أداء الشاعر خارج النص بشكل أقوي وأخص حيث تتقلص فرص تهديده والزامه بانتاج جماليات تستدعي خصوصيته الشعرية بشكل حقيقي الأمر الذي يؤهله لامتلاك حيز من الحياة العادية جدا يشبه ما يمكن أن يتاح لأي شخص عادي جدا يريد استعمال ما توفر لديه من مساحيق التجميل بقدر أكبر من الحرية.. الذي يحاول التوصل بارتباك لمعادلة متوازنة بين أشلاء وعيه الاحتكاري وبين الطبيعة الاستفهامية الخالية من المقدسات والمحرمات والمحاذير الفاسدة لرصد العالم والتي قامت المتغيرات والتحولات الشرسة للواقع بتربيتها علي أنقاض هذا الوعي.. العاجز غريزيا عن التخلي بشكل كامل عن فكرته الرائعة عن نفسه وعن يقينياته التي قامت برعايتها طبيعة كونية ممتدة بعمر الوجود نفسه والذي كان لا بد وحتما أن يتحقق كقوة أصيلة وعميقة عن طريق خضوع أبناء العالم للأفكار التنظيمية.. الممارسات الاندفاعية اللاواعية والغير عاقلة من التدجين والترويض داخل قوالب وقوانين.. اعتقال الحياة وتفتيتها واذابتها داخل سلطات متوارثة ومعدلة من التقاليد والأشكال..البحث عن الثابت المثالي الحقيقي والنهائي اتباعا لقواعد وأوامر قوة غيبية تعمل من خلالنا علي تنفيذ أمر ما.. هكذا ترتبط صورة الذات الرائعة باليقينيات التي تؤكد علي تفرد حلولها بالخلاص ثم الارتباط بشكل كلي بغريزة الوجود ذاته التي تؤكد طاعتها واخلاصها الأزلي والأبدي للقوة الكونية عن طريق تنفيذ الكائنات لتكليفات الخضوع لانساق النظام والسلطة المختلفة.علي قدر ما يبدو الهوس بالذات ضد الطبيعة الانسانية لقصيدة النثر فانه يبدو متسقا مع الطبيعة الانسانية بشكل عام بما أن هذا الهوس يؤكد علي الحضور التقليدي للمكوّن البشري للشعراء الغير قادرين ـ ربما بسبب المعاناة الوجودية المرتبطة بذلك الأمر ـ علي استيعاب أن مفردات مثل (الأدعياء) و(المتشاعرين) وما الي ذلك ما هي الا مخترعات استبدادية قام الديكتاتوريون والطغاة في الحياة والفن بتصنيعها ليتمكنوا من الاستحواذ لأنفسهم علي كل كمية الأكسجين المقررة للانسانية وليجعلوا منها مشانق لاعدام جميع المعارضين والخارجين عن قوانينهم والدليل علي ذلك أنه حتي هذه اللحظة يوجد بالطبع من المتمسكين بالشكل العمودي والتفعيلي يعتبرون بيقين جازم ومؤكد أن قصيدة النثر خروج عن ملة الشعر وكفر بآلهتها وأن شعراءها ما هم الا مجموعة من المسوخ و(الأدعياء) و(المتشاعرين) والفاسدين الذين يستحقون الجحيم جزاء لهم علي الخراب الذي نجسوا به طهارة الشعر / ديوان العرب!!!.. هل قام شعراء قصيدة النثر بالتفكير بشكل عميق في هذه الاشكالية والتوصل لحل أو نتيجة لها تضمن للـ (انسان) حقه من (الشعر) قبل طرد الآخرين من (الجنة)؟!! ناقد من مصر0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية