دروز فلسطين المحتلة بين الواجبات والحقوق

استغل سياسيون صهاينة مناسبة صدور قانون من مجلس النواب الإسرائيلي (الكنيست) في نهاية شهر شباط/فبراير الماضي، اعتبر فيه المسيحيين العرب تحت الاحتلال ـ ما يزيد على مئة ألف نسمة ـ أقلية منفصلة عن المسلمين وعن بقية المكونات الوطنية الأخرى، وأنهم غير عرب! كما إنه شرّع التحاق أبنائهم بالجيش وبالخدمة المدنية العامة. وذكر أولئك السياسيون بقانون مشابه أصدره مجلس النواب عام 1956، اعتبر فيه دروز فلسطين المحتلة غير عرب، وألحق شبانهم عندما تصل أعمارهم إلى 18 عاما في الخدمة الفعلية بالجيش لمدة ثلاث سنوات. فهل عومل الدروز في فلسطين المحتلة تماما كما يعامل اليهود، خصوصا بعد انتهاء مدة خدمتهم في الجيش؟ وما هي القوانين والإجراءات الخاصة بأراضيهم وبيوتهم ومعاملات بناء تلك البيوت، والوظائف العامة التي يشغلونها؟
ذكر النائب الصهيوني يريف ليفين رئيس الائتلاف الحكومي بالكنيست، عن القانون الجديد أن ‘هذه خطوة تاريخية من شأنها أن تربط بين إسرائيل والمسيحيين، فهؤلاء ليسوا عربا، ويمكنهم التماهي مع الدولة، والحصول بالضبط على ما يحصل عليه الدروز’. فما الذي حصل عليه دروز فلسطين بعد مرور نحو 60 سنة على صدور القرار المتعلق بهم، وماذا تقول شخصيات مهمة في أوساطهم، خصوصا بعد لقائهم الأخير والشهير في شهر أيار/مايو من العام الماضي 2013 في بلدة ‘جوليس’ عاصمة المرجعية الدرزية مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو؟
بداية يمكن القول ان الدروز في فلسطين، هم من ضمن المكون العربي الذي استوطن فلسطين منذ مئات السنين، وقراهم وبلداتهم في الجليل شمال فلسطين أغلبها كانت وما زالت تجمع في نسيجها الاجتماعي بين الدروز والمسلمين الآخرين والمسيحيين وغيرهم، وأحيانا بأغلبية درزية واضحة. ينتمي الدروز إلى قبائل عربية معروفة تماما كغيرها من القبائل العربية الأخرى؛ لغة ولباسا وعادات وتقاليد وتاريخا. يقول السياسي اللبناني الدرزي المؤثر والفاعل وليد جنبلاط متسائلا ‘هل بات من الضروري التذكير بأن الدروز هم بالأساس عشائر عربية أتت مع الفتح العربي الإسلامي؟’، وأضاف بحسب ما جاء في صحيفة ‘السفير’ اللبنانية في 27/2/2014 أنه ‘لم يسبق للدروز في تاريخهم المعاصر أن قاربوا دورهم الوطني والعروبي والإسلامي من الموقع الأقلوي’.
هكذا ينظر غالبية الدروز إلى تاريخهم، وإلى انتمائهم وإلى دورهم. وما قاموا به في المنطقة، إلا أن مصادر صهيونية تنظر إلى الأمور من مواقع أخرى، ومن مصالح أخرى. فماذا جرى عندما جاء نتنياهو كي يعايد الدروز، كما في كل سنة في عيد النبي شعيب في 4/5/2013؟ وهذا العيد هو من أهم المناسبات الدينية لدى دروز فلسطين. لقد ذكر نتنياهو أن ما يجمع بين اليهود والدروز، يتمثل في ‘حلف الدم’ والمصير المشترك، وذلك إشارة إلى مئات الشبان الدروز الذين سقطوا ضحايا في حروب إسرائيل ضد العرب، إلا أن رئيس الدروز الروحي في فلسطين الشيخ موفق طريف علق قائلا ‘إن الشباب الدروز يؤدون الواجبات، وفي مقدمها الخدمة العسكرية، لكنهم يشعرون بتململ وإجحاف وعدم مساواة في الحقوق- مع اليهود ـ على الرغم من التضحيات الجمة التي تقدمها هذه الطائفة للدولة’. وأضاف: ‘يلفنا شعور بعدم التقدير من جانب الدولة ومؤسساتها. الطائفة الدرزية تعاني من ضائقة سكنية رهيبة، وأنتم تطالبون بحل هذه القضية المركزية ليتسنى لأبنائنا بناء مساكنهم كسائر بني البشر’، كما جاء في صحيفة ‘الحياة’ اللندنية في 5/5/2013.
توالت بعد ذلك التعليقات والكلمات والمواقف الواضحة والصريحة، وبحضور رئيس الوزراء ومرافقيه، وتم التطرق إلى أغلب المشاكل الحياتية والوجودية التي تعاني منها أغلبية من بين الدروز. إذ ذكر علي هزيمة رئيس منتدى ‘السلطات المحلية الدرزية’ في اللقاء ذاته، وفي المصدر السابق ذاته أيضا: ‘إن أوامر هدم البيوت هي المسألة الأخطر التي يواجهها الدروز اليوم، مشيرا إلى أنها طالت بيوت جنود قتلوا في حروب إسرائيل’. أضاف: ‘لا يعقل أن تحاكم هذه العائلات في المحاكم وتغرم بمبالغ كبيرة كل عام. ولا يعقل الاستمرار في هذا الإجحاف والظلم اللاحق بأبناء الطائفة. دائرة أراضي إسرائيل تتعامل معنا كأننا مواطنون من الدرجة الثانية’. وتابع أقول بوضوح قاطع، هذه الأراضي أراضينا وليست أراضي دولة، كما يعتبرها القانون. ومن حقنا أن نبني ونعيش عليها، والمطلوب اليوم إقرار خرائط توسيع البلدات الدرزية’. وذكر فهمي حلبي رئيس ‘اللجنة المعروفية للدفاع عن الأرض’ ‘أن تحركهم انطلق من الدفاع عن حقهم في أرضهم والمحافظة عليها، وكي يضمنوا مستقبل أبنائهم’ وأضاف: ‘إن المعركة اليوم توضح بكل جلاء أن أبناء الطائفة الدرزية هم جزء من الأقلية العربية في هذه البلاد، وما مر على أبناء الأقلية العربية من مصادرة أرض، يمر الآن على أبناء الطائفة المعروفية’. أما سكرتير ‘اللجنة المعروفية للدفاع عن الأرض’ حاتم حسون، فإنه أوضح ‘الطائفة الدرزية هي المجموعة الأكبر التي صودرت لها أرض في البلاد (83 في المئة من أرضها)’. أضاف: ‘إن عدم توزيع قسائم أرض في البلدات الدرزية لها انعكاسات سلبية جمة على الأزواج الشباب بشكل خاص، الذين ينتابهم شعور الإحباط، لعدم تمكنهم من إقامة بيوتهم والعيش بكرامة إنسانية’. أضاف ‘إننا نقول للمؤسسة لقد بلغ السيل الزبى، فإما الحل، وإما نحن في حِل من هذا الارتباط، إذ لا يمكن الاستمرار فيه مع من لا يعرف معنى التضحيات التي نقدمها، ولا يقدر قيمتها’.
أما خليل حلبي من بلدة دالية الكرمل، فقد ذكر أنه ‘بعد 65 سنة من تقديم الواجبات، يبدو للعيان أننا كطائفة تمت برمجتنا على الواجبات فقط، أما الحقوق فمعدومة. أضاف ‘يجب رفع الوعي بحقنا في المواطنة الكاملة كمواطنين متساوي الحقوق، ووضع حد للإجحاف’. فهل هذه هي المساواة والامتيازات والمكاسب التي يدعى إليها المسيحيون الفلسطينيون من قبل الزعماء الصهاينة؟ ما أكثر الأقوال والوعود، وما أقل أقل ما يمكن أن يطبق منها! طالما إن العنصرية والتمييز هما من مقومات الشخصية الصهيونية على الرغم من ادعاءات أخرى.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية