ديوان العرب يسجل كل كبيرة وصغيرة، حسنة كانت ام سيئة وعن طريق الشعر استطعنا التعرف على الكثير مما قام به اسلافنا، فأرخ الشعراء للمعارك التي دارت بين عرب الجاهلية واستنجاد هذا الطرف او ذاك بالفرس او الروم لمحاربة الطرف الاخر ولم يتوحد العرب إلا بعد مجيء الاسلام، حيث اصبحت لهم هيبة يهابهم الاعداء ويعتز بمساعدتهم الاصدقاء.
مع مجيء الاسلام وتثبيت اركان الدولة سنت القوانين التي تؤكد حرية الرأي والتعبير ونصرة المظلوم، لا يقتلون طفلا ولا امرأة ولا يقطعون شجرا او يذبحون ماشية إلا لحاجة، كلنا يعرف استغاثة المرأة العربية التي لحقها الضيم بالمعتصم فما كان من امير المؤمنين إلا ان ارسل جيشا ادب به الاعداء وكانت وقعة عمورية الشهيرة حيث ان المعتصم لم يأخذ بالآراء التي تمنت عليه ألا يقاتل في ‘تلك الاشهر’ لأنها لا تتوافق مع ينادي به المشعوذون بان الغلبة ستكون للأعداء.في الجانب الاخر يحكى ان احد امراء بعض دويلات العصر العباسي التي شقت عصا الطاعة عن بغداد قد جمع بين اختين وانه لم يأبه لتعاليم الاسلام بعدم الجمع بين الاختين، رغم وجود العديد من العلماء وكالعادة هناك من بارك للأمير فعلته وهناك من ارتأى السكوت وفضّله على الموت.
الذي جعلني اسرد ما سبق هو مدى الانحطاط الذي وصلنا اليه في عصرنا هذا، فالحكام العرب لم يعد يهمهم حال الرعية، بل نجدهم في كثير من الاحيان يستنجدون بالغريب على القريب كما كان يفعل اسلافنا، ترى هل ورثنا عنهم تلك الصفة رغم مرور اكثر من اربعة عشر قرنا؟ لماذا لم نأخذ بتعاليم الاسلام وان بالوحدة قوة، وفي مجال العلاقة بين الحاكم والمحكوم، قال احد الاعراب لعمر بن الخطاب والله لو وجدنا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا، فقال عمر، الحمد لله الذي جعل في امة محمد (ص) من يقوّم اعوجاج عمر بالسيف. اما عن علاقة حكامنا الحاليين بالرعية، فلعل حادثة ابن الديب الذي اراد بعض الاصلاحات لشعبه القطري، فما كان من حاكم قطر امير المؤمنين حمد إلا ان اصدر حكما بسجنه مدى الحياة، خففت بعد تدخل العديد من المنظمات الحقوقية الى السجن 20 سنة!
عديد القمم العربية، ترى من تعتقد انهم خيرة القوم يلتحفون العباءات المشهورة فنخالهم عروبيين حريصين على وطنهم وأمتهم، فإذا بهم بقرارات تؤدي الى المزيد من سفك دماء ‘بني جلدتهم’، حيث استجلاب المرتزقة من كافة انحاء العلم، ويجزلون لهم العطاء، وكأني بهم يتلذذون عندما يشاهدون المواطنين يعانون الفقر وابسط سبل العيش وقد انقطعت ببعضهم السبل نتيجة الحروب الدائرة لأكثر من ثلاث سنوات ببلدان ما يطلقون عليها زورا الربيع العربي.
وكما يقول المثل الشعوب على دين ملوكها، فلم تختلف الرعية عن الراعي، فنجد هؤلاء يمتهنون المرأة العربية السورية التي اجبرت على ترك موطنها بفعل الحروب التي اشعلها الحكام، فيتزوج رعايا البلدان التي استقبلت النازحين القاصرات بحجة السترة، سرعان ما يتخلون عنهن بحجة عدم قدرتهن على اعمال البيت وعدم الوفاء بالتزامهن الديني، ليقعن فريسة الوحوش المفترسة، ولتسود الفاحشة في البلد المضيف.
بعيد سقوط الانظمة الديكتاتورية الفاشية المستبدة، ظهرت في الشوارع وجوه لم تر من قبل، اعفوا لحاهم فتخالهم اتون لتوهم من قندهار’افغانستان’ لعدم وجود حلاقين هناك، او ان المعارك لم تترك لهم الوقت لتحفيف اللحى، وعندما تتمعن في وجوههم تجدهم ابناء الحي والشارع والزقاق الذي تنتمي اليه. فأي مصيبة حلت بأمتنا، هل يعقل ان التمدن وإتباع التعاليم الاسلامية هو بإعفاء اللحى الى هذه الدرجة بحيث صار منظر الانسان لا يطاق، اضافة الى نسائهم اللاتي يمشين خلفهم، وقد تجللن بالسواد وأحيانا يتعثرن بالطريق لعدم تمكنهم من رؤية الطريق بوضوح .
اعود الى عنوان المقالة، فالأجدر بالأعرابي ألا يلتحف العباءة، لأنه يدنسها، بعد ان كانت سمة الشجاعة والبطولة واحترام الغير والرفق بالضعيف، انها ابيات لشاعر المرأة التي تغنى بمفاتنها وصورها فأحسن تصويرها، نعــــتناه بالزنــــدقة وانه مستخف بالإسلام، بل أفتى البعض بعدم دفنه في مقابر المسلمين، لكن ما نراه اليوم من افعال وأعمال حكامنا والرعية التي يسيطرون عليها، لم يكن يدر بخلد شاعرنا، لقد تجاوزوه، أ لسنا في عصر الانحطاط.
لنقرأ بعض من ابيات نزار قباني:
لولا العباءات التي التفوا بها..ما كنت أحسب أنهم أعراب
يتقاتلون على بقايا تمرة..فخناجر مرفوعة وحراب
قبلاتهم عربية … من ذا رأى..فيما رأى قبلا لها أنياب ؟
يا تونس الخضراء كأسي علقم..أعلى الهزيمة تشرب الأنخاب
ويبقى الامل في : الخير في امتي الى قيام الساعة.
ميلاد عمر االمزوغي