حين تفشل القمة يصبح التغيير حتميا

حجم الخط
0

اذا كانت القمة العربية التي عقدت الاسبوع الماضي في الكويت تعبيرا عن اوضاع الامة وحكامها، فان من المستحيل رسم صورة متفائلة لمستقبلها بدون حدوث تغييرات جوهرية في هيكلها الاداري وايديولوجيتها السياسية. فقد كشفت تلك القمة حقائق كان بعضها متلبدا خلف مساحيق ‘العلاقات الاخوية’ و’التضامن العربي’ وغيرها من الشعارات التي طالما طرحها الحكام لاخفاء الحقيقة وايهام الجماهير باحلام وردية. امير الكويت كان حريصا على اظهار مصاديق لتلك الادعاءات عندما اقتاد كلا من امير قطر وولي العهد السعودي الى داخل القاعة، وكذلك عندما اصر على صورة جماعية للحاضرين. ولكن تلك المظاهر لم تخف حجم الخلافات التي ظهرت على مدى يومين في اروقة القمة وقاعة اجتماعاتها. أهو صراع ايديولوجي؟ ام سياسي؟ ام مصلحي؟ وهل يعكس اوضاع شعوب الامة؟ ام انه محصور بطبقة الحكام الذين ما برحوا يصارعون شعوبهم لمصادرة حرياتها وحقوقها السياسية. اقل من نصف الحكام الفعليين حضر القمة، بل ان حكام الخليج انفسهم لم يحضر منهم سوى امير قطر الذي يسعى لتعبيد الطريق لقمة مجلس التعاون المزمع عقدها في الدوحة في شهر كانون الاول/ديسمبر المقبل. ولقد طغت الخلافات على قمة الكويت الى الحد الذي حال دون صدور بيان ختامي كما جرت عليه العادة، واكتفى وزير خارجية الدولة المضيفة بقراءة ما احتواه ‘إعلان الكويت’ حول قضايا سوريا وفلسطين وغيرهما من بلدان الامة التي تعاني من كافة الامراض والاعراض. الاختلاف ليس بالضرورة امرا سلبيا، بل قد يكون مقدمة للتغيير واصلاح الاوضاع. ولكنه قد يكون كذلك مقدمة للمزيد من التصدع والاختلاف ليزيد المتمزق تمزقا والمقسم تقسيما. انها واحدة من ظواهر انحدار الامم وليس صعودها، خصوصا اذا احتدم الخلاف بين ‘امراء الطوائف’. امتنا تبحث عن قيادات مسؤولة قادرة على تحمل المسؤولية امام شعوبها التي تختارها ان صلحت وتخلعها ان فسدت. وإلغاء هذا الحق الشعبي يعني الاستبداد الذي يؤدي الى التخلف والهزيمة.
اجتمع ‘زعماء’ العرب في الكويت ليتداولوا شؤون امتهم. وكان واضحا غياب الاجندة المحورية المتفق عليها، فكل منهم جاء حاملا حزمة من الهموم والمشاكل التي يغيب عنها عادة الهم المشترك للامة. فلسطين كانت حاضرة شكلا، فقد جاء ذكرها في البيان الختامي الذي كرر ما قيل في القمم السابقة حول ضرورة حل المشكلة على اساس الدولتين ووقف المستوطنات وتحميل الكيان الاسرائيلي مسؤولية تراجع الحلول السلمية. انه موقف الحد الادنى اذ يستبعد التصعيد مع قوات الاحتلال ويركز على ما يسميه ‘الحل السياسي’ بدون طرح وسائل لضمان نتائج الحل او ما يشكل ضغوطا على الكيان الاسرائيلي الذي لم يعد يهتم بما يصدر عن القمة العربية او سواها. وفي اجواء التقارب مع الكيان الاسرائيلي من قبل بعض الدول العربية اصبحت تل أبيب أقل اكتراثا بما يقال في البيانات الختامية للقمم العربية او الاقليمية، لاقتناعها بغياب ارادة التحرير عن السجالات التي تقوم بين الحين والآخر بين الحكام العرب. اما القضية السورية فقد حظيت باهتمام اقل كثيرا من القمم السابقة. وهذا يعكس حالة الاختلاف التي عمت اجواء القمة، بين من يسعى لتوفير دعم عربي كامل للمجموعات المسلحة، والمطالبين بوضع حد للارهاب الذي تمارسه تلك المجموعات. وكان واضحا ضعف الموقف السعودي الذي ادرك خطر الوضع السوري على امن المنطقة. وهناك تحسس كبير للدور السعودي في سوريا المتمثل اساسا بدعم فصيل من المعارضة دون بقية الفصائل. السعوديون كانا يأملون توافقا عربيا حول سوريا لكي يضغطوا على الرئيس اوباما الذي زار الرياض بعد ذلك. ولكن الموقف الفضفاض الذي تمخض عن قمة الكويت العربية، لم يوفر المستوى الذي يمكن تقديمه للآخرين كموقف مشترك: وجاء في اعلان الكويت: ‘نؤكد على دعمنا الثابت للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بوصفه ممثلا شرعيا للشعب السوري’ وليس الممثل الوحيد. لقد كان موقف القمة يمثل الحد الادنى من التوافق حول الملف السوري، بين داعمي المسلحين، واصدقاء النظام. وحين أصرت دول خليجية على السماح لممثل الائتلاف السوري المعارض بالجلوس في مقعد سوريا صدرت تهديدات من وفود دول عربية اخرى بالانسحاب من القمة اذا حدث ذلك. وشعر ممثلو المعارضة السورية بالاحباط من الموقف العربي الذي صدر عن قمة الكويت، واعتبروه ‘تراجعا’ عن الاعوام السابقة. ولا شك ان الاوضاع الميدانية تركت آثارها على القمة ومواقف الدول، فلم يعد سقوط نظام بشار الاسد امرا متوقعا في المستقبل المنظور. ويشعر العديد من الزعماء، خصوصا من الشمال الافريقي، بقلق من دعم اي من الفصائل المسلحة خصوصا بعد ان اظهر بعض تلك الفصائل استعدادا لممارسة ابشع اشكال الارهاب.
الامر المؤكد ان قمة الكويت اكدت ما يدور في اذهان الكثيرين من الذين ساءهم ما آلت اليه اوضاع العالم العربي خصوصا الدول التي شهدت تحركات شعبية لتغيير الواقع السياسي المضطرب. فالمجتمعون ما يزال اغلبهم من المحسوبين على الاستبداد. القمة تزامنت مع اصدار النظام العسكري المصري احكاما غير مسبوقة باعدام اكثر من 500 من جماعة الاخوان المسلمين بتهمة المشاركة في قتل شرطي واحد. وقد نسفت هذه الاحكام اي اساس لاعتبار حكم العسكر شرعيا، بعد ان اثبت انه يمارس سادية سياسية غير مسبوقة، ورغبة في الانتقام لا تليق بنظام يعيش القرن الحالي. فكيف يحكم بقتل هذا العدد الكبير من المواطنين بعد محاكمة تكونت من جلستين لا تتجاوز احداهما ساعة واحدة؟ كيف يعدم اكثر من 500 انسان بهذه الطريقة السادية؟ عسكر مصر اثبتوا ليس ساديتهم فحسب، بل غباءهم السياسي. فاذا كانوا يهدفون لارسال رسالة عنيفة لمعارضيهم، فانهم فقدوا بذلك شرعية حكمهم لانهم تحدوا ضمير العالم بهذه الاحكام. وهناك اكثر من 680 آخرين ينتظرون احكاما مماثلة نهاية هذا الشهر بعد ان قدموا للمحاكمة الشهر الماضي، ومن ضمنهم المرشد العام للاخوان المسلمين. فالذين يحاكمون مناوئيهم بهذه الطريقة اصبحوا، في نظر المنظمات الحقوقية التي شجبت احكام الاعدام واستسخفتها، مستحقين للمحاكمة بسبب سوء التصرف في السلطة واستخدامها للتشفي والانتقام. هذا بالاضافة الى ان الحكم الحالي جاء بانقلاب عسكري ضد حكم منتخب. فاذا ارتكب الحكم المنتخب اخطاء فهناك دستور اقره الشعب يوفر طرقا لمواجهة هذه الاخطاء. اما الانقلاب العسكري الذي هندسته عقول قوى الثورة المضادة، التي استدرجت الجماهير للتظاهر ضد الحكم فقد اصبح ضعفه واضحا. فثمة فرق كبير بين خروج مســـيرات كـبيرة ضد الحكم، وتدبير انقلاب عسكــري ضده. فهذا الاسلوب ينسف اسس التفاهم والتـــوافق بين الافراد والمجموعات لتنظيم العلاقات واساليب حل الاختـــلافات. الامر المـــؤكد ان العسكريين وداعميهم كـــانوا يسعون لايصال رسالة لمعارضيهم، فما هي هذه الرسالة؟ وهل نجحوا في توصيلها؟
لقد كانت ثورات التغيير مفاجئة للانظمة العربية المستهدفة. فهي كالنار التي سرعان ما وجهت لها خراطيم الماء لاطفائها قبل ان تأتي على الاخضر واليابس من انظمة الاستبداد. لقد تم اطفاء لهب النار، ولكن بقي تحت الرماد جمر كثير تراكم عليه الحطب الذي سيشتعل مجددا في مستقبل غير بعيد. وكان حريا بقمة الكويت ان تتطرق للقضايا التي تقف وراء التوترات السياسية والاجتماعية في العالم العربي، والتي ادت للثورة قبل ثلاثة اعوام. غير ان قوى الثورة المضادة التي تقودها السعودية تمارس اليوم سياسات داخلية وخارجية تهدف ليس لمنع وصول رياح التغيير الى حدودها فحسب، بل لاخماد مشروع التغيير الثوري كاملا وإفراغ الاجواء من الهواء الذي يتيح للثورة الاشتعال مجددا. هل تستطيع تحقيق ذلك؟ يعتقد قادة هذه الانظمة ان المال النفطي الهائل يستطيع تغيير المناخات لكي لا تحتضن رياح الثورة ولهبها. وفي العادة تنتهج الانظمة اسلوبين لمواجهة غضب شعوبها: العصا والجزرة. ولكن عمدت قوى الثورة المضادة لبث الرعب في نفوس الشعوب بشكل غير مسبوق.
وجاءت أحكام الاعدام محاولة لبث اجواء الرعب التي قد تردع المعارضين من مواصلة تحدي العسكر. وكان على هؤلاء ان يدركوا ان ما ارتكبوه من مجازر عند مسجد رابعة العدوية وعند ساحة النهضة جاء بنتائج مضادة. فقد الهب الحماس وساهم تدريجيا في كشف هوية الذين انقلبوا على حكم الاخوان، وان بطشهم طال العديد من رواد ثورة 25 يناير من العلمانيين الذين عذبوا في سجون العسكر واعتقلوا وتعرضوا لاشكال التنكيل. السعودية من جانبها كانت الاكثر غضبا حين اندلعت الثورات واسقطت عددا من رموز الاستبداد. وبدلا من الانفتاح على الشعوب، توسعت دائرة البطش في مصر والسعودية والبحرين. فاصدار حكم الاعدام بحق مئات المصريين اجراء فاشل سلفا، في ضوء فشل مجزرتي رابعة العدوية والنهضة. وفي غياب سياسات متوازنة لم يعد امام الشعب المصري ما يعمق الامل لديه بامكان تطوير اوضاعه المعيشية. وبرغم المليارات التي تدفقت على العسكر، فان القاهرة تعاني من تداعي الخدمات والبطالة وارتفاع الاسعار بمعدلات غير مسبوقة.
السعودية من جانبها، لم تطرح اي مشروع اصلاح سياسي، بل اعلن ملكها تعيين اخيه مقرن بن عبد العزيز وليا للعهد بعد الامير سلمان، وفتح بذلك باب الجدل والنقاش مجددا حول مسار نهج الاستخلاف لدى نظام لا يسمح بانتخاب حكامه. فما موقع ذلك من مطالب الاصلاح التي يطرحها المواطنون؟ وهل هذا هو الجواب للربيع العربي الذي انطلق لاعادة السلطة الى الشعوب؟ ربما ارتأت السعودية ان اصدار احكام الاعدام بالجملة سيساهم في كسر عزيمة مريدي التغيير والمعارضين، وهذا امر غريب جدا. فالقمع لا يؤدي الا الى الاضطراب السياسي والتخطيط للتغيير. والعنف طريق الى المزيد منه، والاستبداد يضيق طرق الاصلاح والتماسك الوطني، ويؤدي الى احتقانات سياسية سرعان ما تنفجر كما حدث قبل ثلاثة اعوام. الواضح من القاهرة والرياض ان النظامين غير قادرين على اصلاح منظومتيهما السياسيتين، او تلبية تطلعات شعبيهما بما يؤدي الى الامن والاستقرار. والغريب ان السعودية لم تستوعب دروسا مهمة من تدخلها العسكري في البحرين وما تلاه من بطش وتنكيل. فقد اصدرت محاكم النظام احكاما باعدام عدد من المواطنين البحرانيين وسجن المئات منهم فترات تصل الى المؤبد. مع ذلك لم يتراجع الحراك الثوري، بل تصاعد ليصل الى واقعه اليوم مطالبا بوقف سباق السيارات الدولي، فورمولا 1 المزمع اقامته في البحرين هذا الاسبوع. بث الرعب في نفوس الثوار قد يبدو سياسة رادعة، ولكن التجربة اظهرت عكس ذلك، وان القمع يعمل كالزيت الذي لا يزيد النار الا اشتعالا. وقد اظهرت وقائع قمة الكويت استحالة التوصل الى توافق عربي ازاء التغيير السياسي في المنطقة، برغم الضغوط السعودية والمصرية لاعادة توجيه القمة بما يخدم ما يسمى ‘الاستقرار’ و’الامن’ من وجهة نظر هذه الانظمة. ان غياب ارادة الاصلاح يؤدي الى حلقة دوران مفرغة من العنف والعنف المضاد، وتبادل الاتهامات وربما المواقع في هيكل السلطة. وغياب الارادة السياسية يدفع الى المــزيد من الاضطهاد والاضطراب والتوتر، ويكشف سوءات الانظمة امام العالم ويؤكد عدم كفاءتها، ويشــجع على العمل الشعبي الحثيث للتخلص منها.
الامر المؤكد ان الوضع السياسي في الدول العربية اصبح، في مرحلة ما بعد الربيع العربي، يدور في حلقة مفرغة بانتظار الانعتاق منها والتحرر من اعبائها، فاذا حدث ذلك فلن توفر رياح التغيير ايا من حكام الاستبداد والجور.
‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية