كالقلة الذين يعيشون تصالحا روحيا مع الذات، وانسجاما شموليا مع النفس، وحرصا موصليا علي التوازن، دون الاختلال نحو اليمين أو الشِمال، أمضي سالم ما انقضي من ســــنين عمره، ممسكا بيده علي جمرة الحقيقة التي أدركها مبكرا، في زمن العابثين والجاهلين والسائحين في غمرة الحياة، فاســــتعد لموته الذي لطالما هرب من بين يديه كثيرا، في ميادين الـــــوغي والنزال وشــــديد القتال، عندما نـــــذر نفســــه شهيدا، للدفاع عن حرمات الأرض وأسرار التاريخ وأسباب الوجود، من غير أن يتمكن منه اليأس أو القنوت أو الفتور ولو لمرةٍ واحدة، حتي بدا لكل من عرفه من الرجال الرجال، أنه مشروع شهادة وفداء بامتياز.
سالم.. المتسرب الي هذا العصر من حقبة الفرسان الأوائل، الذين عادة ما يعلنون انحيازهم الي قضاياهم المصيرية، دونما مواربة أو تردد، استكمل في فترةٍ قياسيةٍ كل متطلبات التحدي، فاتخذ مكانه في صفوف التقابل الأولي في كل صفحات المواجهة مع العدو، فغرس قدميه في ملح الأرض التي أنبتته شجرة مؤمنة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، فأزهر رجولة واقداما واصرارا علي المسير، ليجسد في أزمات عدة أيضا، صخرة الملتقي، التي يجتمع عندها أهل الفداء، ككتلةٍ لا تلين ولا تنكسر مثل كل الصخــــور الراسية بكبرياء، وان شارفت علي الانتهاء في لحظاتٍ غادرة، فانها تتشظي حجارة من سجيل، تعصف بمَن غدروا وما فلحوا، ومن هربوا وما صمدوا، ومن كذبوا كثيرا وما صدقوا، فرحمك الله أيها المحسوب علي الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم هدي، رحمك الله بقدر ما أوجع رحيلك القلوب.
قسما، انني كنت أراك أيها السيد شهيدا وراحلا لا محالة، حتي في ذروة التوغل في كل ما يشير الي تدفق الحياة، سيما وأنك تقاتل دون لثامٍ ومن غير التستر وراء حجاب، ما جعلني أدرك أن صاروخا ما أو قذيفة ما، أو رصاصة ما، ستمنعنا عن الاستئناس بك أخا وصديقا وغيورا، فيما كنت أعي تماما أن الاحتلال أو من ينوب عنه، سيتكفل بأداء هذه المهمة الحاقدة باسدال الستار، فكان كما توقعت، من غير أن تنفعني تعاليل النفس بأنك لا زلت معنا حيا، في لحظات التوجس الراجفة، فما نفعت لعل، وما فادت ليت في عملها بالتمني، وما بقي من الكلام سوي القول، رحمك الله أيها الاختصار الكبير لكل معاني الرجولة والفداء والغيرة والنخوة، وعوضنا عنك خيرا.
تامر المصريكاتب فلسطيني ـ قبرص الشمالية6