الإخوان المسلمون… بين مطرقة العسكر وشعارات العلمانية

حجم الخط
1

من النتائج المهمة لثورات الربيع العربي على المستوى السياسي والفكري أنها لم تستطع أن تكرس حالة من التنوع، على المستوى الأيديولوجي والثقافي، الذي يمكن أن يتطور إلى تشكيل أكثر من جسم سياســــي قادر على قيادة مرحلة انتقالية يتم خلالها بناء الدولة وتفعيل مؤسساتها، فالمشهد السياسي يعكس حالة الإفلاس وضعف الخيارات، وهذه ليست إدانة بالمطلق فهي نتاج طبيعي بعد عقود من مصادرة الحياة السياسية وتدجين الحراك الثقافي والمؤسساتي، ليصبح الشارع في بعض دول الربيـــــع العربي – إثر سقوط طغاتها- أمام احتمالين من نماذج الحكم لا ثالث لهما، الأول: ديني ممثل بحركة الإخوان المسلمين حصرا، الذين قدموا أنفسهم كجسم سياسي مستقل ومنظـــم بعيد عن الايديو لوجيا.
والثاني: حكم المؤسسة العسكرية التي تعتبر بطريقة أو بأخرى إعادة لإنتاج ديكتاتوريات سابقة وامتداد لثقافة فاسدة مثقلة بأمراض التسلط المزمنة لتدور في فلك معادلة أسوأ الأسوأ.
لذلك من الطبيعي أن ترى المجتمعات العربية ذات الثقافة الإسلامية في تيار الإخوان المخرج الوحيد لحالة العقم السياسي للأزمة، والضامن الزمني لإعادة إحياء العملية السياسية الحقيقية على المدى البعيد، باعتبار أن العسكر لو تمكنوا من الحكم قطعا لن يتنازلوا عنه، بما يملكون من أدوات تكرس تسلطهم، وبالتالي إيجاد بدائل مقبولة سياسية وثقافية بعيدا عن مواقف متطرفي العلمانية – والقصد المتطرفين فقط وضجيجهم اللغوي تجاه الدين بشكل عام، إذ لا يخفى على أحد مواقف غالبية الأحزاب القومية واليسارية، التي ناصبت العداء لثورات الشعوب ومطالبها وساندت جلاديها.
والنتيجة أن بعضا من أعتى أنظمة العالم في تركيبتها العسكرية خلال مسيرة حكمها، حاولت استئصال الأحزاب ذات النزعة الدينية من المشهد السياسي، إلا أن الوقائع أثبتت فشلها وإن تمكنت من احتوائها في مراحل معينة، فسبعون عاما من الحكم الشيوعي لدول الاتحاد السوفييتي والصين وغيرها، وتدريس المادتين الديالكتيكية والتاريخية لم تستطع تغييب الحالة الدينية لدى شعوبها… الجمهورية التركية التي جاهرت بعلمانيتها منذ عام 1928 وأزالت سطر ‘دين الدولة هو الإسلام’ من دستورها. وحكم جيشها الحامي للدستور بإعدام عدنان مندريس – رئيس الحكومة المنتخب بأغلبية ساحقة، عندما قرر إعادة الأذان وأدى فريضة الحج سرا بعد زيارة لمنطقة الخليج العربي- بتهمة السعي لإنشاء دولة دينية. رغبة رضا شاه بهلوي بإجراء تغييرات جوهرية في المجتمع الإيراني تحت ذريعة تحديثه والقضاء على مكانة رجال الدين. لقد رأت تلك الأنظمة أن وجود تنظيم قوي متماسك يحظى بقاعدة شعبية واسعة ويملك أيديولوجية تعد من أسوأ كوابيسها وأشد منافسيها، لا بد من استئصاله. والتاريخ مليء بأمثلة تصور حالة العداء المستمر بين العسكر والتيارات الدينية في تاريخنا المعاصر، وفي مقارنة بسيطة توضح مآلات ونتائج حكم العسكر في العديد من الدول التي كانت كارثية على كافة المستويات من، موت للحياة السياسية، إنشاء مداجن خاصة للتعليم وللمثقفين وهم حوامل التغيير الرئيسية، لتهجينهم بالطريقة التي تتلاءم وخطابهم الفاسد، إفقار وإذلال منظم للشعوب، القضاء على العقد الاجتماعي عملا بسياسة فرق تسد على أساس مذهبي أو عرقي أو إثني، وهذا غيض من فيض حكم العسكر.
لا بد من الاعتراف بأن حركة الإخوان المسلمين والتيارات المرادفة لها على المستوى الفكري أو السياسي في ظل ضيق الخيارات – هي الحل الأمثل لمواجهة حالة التصحر في البدائل، لإدارة مرحلة انتقالية وضرورة استبعاد أي خيار آخر يمكّن العسكر من الوصول لسدة الحكم، على الرغم من عدم قدرة الإخوان على تقديم حلول مثلى لإدارة تلك الفوضى، مما سيفرض عليهم إقامة شراكات مع أطراف سياسية خارج قيود الأيديولوجية، وإلا ستكون النتائج كارثية على البلد، وهم يدركون ذلك تماما، وبمتابعة سلوكيات الإخوان سياسياً بعد وصولهم للحكم في بعض دول الربيع العربي، نجد أنهم حاولوا التأسيس لتلك الشراكات، حيث اجتهدوا في مصر للوصول إلى خطاب شامل يوجدون من خلاله تقاطعات تجمعهم بشركاء الوطن، وانتقاد البعض له واتهامه بالعلماني، كذلك الود الكبير الذي أظهروه تجاه شركائهم من علمانيين وليبراليين وغيرهم، وضمهم إلى قوائمهم الانتخابية وتعيينهم كمستشارين للرئاسة ورؤساء للصحف القومية والوسائل الإعلامية التي تتحكم في الرأي العام، والذين رفضوا المشاركة، في حين أن الغالبية انقلبوا عليهم في ما بعد. فهل يعقل أن تلك السلوكيات أو المعطيات يمكن أن تؤسس لحكم الحزب الواحد (أخونة للدولة) خارج مفهوم الشراكة أو تكوين بيئة خصبة لإنتاج الإرهاب.
وفي تونس قدم رئيس حكومة النهضة الإسلامية علي العريض استقالته في سابقة غير معهودة في دولنا العربية، بهدف الخروج من أزمة سياسية استمرت عدة أشهر، بعد إقرار قانون لرفع نسب الضرائب المقررة على وسائل النقل.
وللتذكير فإن حركة النهضة رفضت الإسلام السياسي الراديكالي ليكون شكلا من أشكال الحكم في تونس، حين قال الغنوشي في مناظرة مع منافسه العلماني:’لماذا نحن أقرب إلى نموذج لا يزال بعيد عن تفكيرنا، مثل طالبان، في حين توجد نماذج إسلامية أخرى ناجحة ومتألقة قريبة منا كالنموذج التركي، أو الماليزي أو الأندونيسي، نماذج تجمع بين الإسلام والحداثة’.
لنتصالح مع ذاتنا، لا أحد قادرا على إقصاء الإخوان على اختلاف مسمياتهم الحزبية عن أية خارطة سياسية قادمة، فهم حاضرون ثقافيا واجتماعيا، فضلا عن الحضور السياسي الواسع، ومحاولات إقصائهم ستكون وخيمة، والجميع يدرك أن من أسّس للتطرف الديني أو اختلق مصطلح راديكالي، وزرع مصطلح الإسلاموفوبيا في عقولنا الساذجة ليس الإخوان أو الإسلام، على العكس يمكن القول إنهم أقدر الناس على مواجهة التطرف بكافة أشكاله – الديني في مقدمتها – كذلك لا يمكن إغفال حقهم في الدفاع عن مشروعهم السياسي والديني بأسلوب متحضر يعكس تاريخ هذا الحزب العريق، شئنا أم أبينا، بعيدا عن أهداف الدعاية السوداء التي أدارتها حكومات وأحزاب ومؤسسات دولية متخصصة، تفوح منها روائح التطرف الكريهة على مدى عقود، على اعتبار أن الدين السياسي مرفوض بسند غربي، من دون النظر إلى أن الأحزاب ذات الطابع الديني حاضرة بقوة على الساحة السياسية الأوروبية، ويأتي في مقدمتها حزب الشعب الأوروبي، على سبيل المثال لا الحصر، ذو التوجه الديمقراطي المسيحي، الذي يعد أكبر مجموعة برلمانية في البرلمان الأوروبي منذ عام 1999، ويشكل الأغلبية في المجلس الأوروبي منذ عام 2002، وهو أكبر حزب في الاتحاد الأوروبي وأغلب رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي ينتمون له. وهذا الاستشهاد ليس للمقارنة وإنما للتأكيد على أن الأحزاب الدينية المسلمة، يمكن أن تكون فاعلة سياسيا واجتماعيا والأمثلة باتت كثيرة لما حققته، وهذا بعيدا عن دائرة التخمين والتجارب، لدينا نماذج عديدة يمكن دراستها كتركيا وماليزيا وغيرها… ليجزم البعض أن حركة الإخوان المسلمين كحزب سياسي يمكن أن تؤسس لحالة ديمقراطية ومن يحاول إقصائهم لا يحق له الحديث عن التطرف أو مناقشته، فالإخوان المسلمون من أوائل ضحايا التطرف في عالمنا العربي.

‘ كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية