لندن ـ ‘القدس العربي’ أثار قرار رئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون يوم الثلاثاء فتح تحقيق في نشاطات جماعة الإخوان المسلمين في بريطانيا وعلاقتها بالتطرف الكثير من التكهنات، وأحدث القرار الذي غلفه كاميرون بغلاف التعرف على فلسفة الحركة وأفكارها انقساما بين المؤسسة الأمنية ووزارة الخارجية التي قال مسؤولون فيها إن القرار سيؤثر على ما تقوم به الوزارة من ناحية تأكيد جانب الإعتدال في الحركة وأن التحقيق الأمني سيؤدي إلى دفع حركة معروفة بالإعتدال ودعم الديمقراطية إلى التشدد.
نقل المعركة للخارج
ولا يخفى أن تبريرات الحكومة البريطانية من محاولة معرفة الحركة تخفي وراءها تعرض 10 داونينغ ستريت إلى ضغوط من حلفائها التجاريين الأقوياء في منطقة الخليج، خاصة السعودية والإمارات العربية التي تشن كل منهما حربا على الإخوان المسلمين وصنفت الجماعة في البلدين إرهابية.
ومن هنا يفهم أن دول الخليج نقلت الحرب على الإخوان من الإطار المحلي إلى الخارجي.
ونقلت صحيفة ‘فايننشال تايمز’ عن مسؤولين في الحكومة تعرضهم لضغوط سعودية للتحرك ضد جماعة الإخوان التي تعتبر إرهابية في هذه البلدان.
ونقلت عن مسؤول بارز قوله ‘نتعرض إلى ضغوط من السعوديين والأمريكيين للتحرك وعمل شيء ضد الإخوان المسلمين لأنهم يعتبرونها منظمة إرهابية وغاضبون علينا لعدد من الأسباب’.
منها تردد الحكومة البريطانية في دعم عمل عسكري للإطاحة بنظام بشار الأسد، والعلاقات الجيدة مع إيران التي تعتبر ببرنامجها النووي تهديدا لأمن السعودية.
وكان كاميرون قد طلب من السير جون حينكز، السفير البريطاني في السعودية اعداد تقريرحول الحركة وتقييم نشاطاتها في بريطانيا وتورطها في العنف بنهاية شهر تموز/يوليو المقبل.
وسيشارك في التقييم جون سويرز مدير جهاز الإستخبارات الخارجية ‘أم أي-6’ والذي عمل سفيرا في مصر في الفترة ما بين 2001-2003 وله علاقات قوية مع نظام حسني مبارك السابق. وسيركز سويرز على مزاعم تورط الإخوان المسلمين في تنظيم هجوم الحافلة في طابا- سيناء في شهر شباط/فبراير الماضي والذي قتل فيه أربعة أشخاص منهم سائحان من كوريا الشمالية. وشجبت جماعة الإخوان الحادث ونفت علاقتها فيه.
وعلقت صحيفة ‘فايينشال تايمز’ على تأكيدات كاميرون التي قال إن الغرض هو التعرف على الحركة وفلسفتها تكشف في صورة أخرى عن ضغوط تعرض لها رئيس الوزراء من دول حليفة وأن التحقيق محاولة لإرضائها.
الخارجية تنتقد
وأشارت الصحيفة للإنقسام داخل الحكومة ومخاوف وزارة الخارجية من أن يؤدي حظر الجماعة في بريطانيا إلى توتر في العلاقة مع المجتمعات المسلمة في بريطانيا والعالم العربي كون جماعة الإخوان المسلمين هي من كبرىات الحركات الإسلامية في العالم العربي وفازت في كل عملية انتخابية جرت في مصر بعد ثورة 25 يناير /كانون الثاني 2011. ولا يستبعد المراقبون إمكانية حظر الجماعة مع أنه احتمال بعيد.
وتحدثت الصحيفة في هذا السياق إلى إسلام عبد الرحمن المتحدث الرسمي السابق باسم حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسي للإخوان المسلمين للشؤون الخارجية الذي ربط بين التحقيق البريطاني والضغوط السعودية والإماراتية حيث قال إن ‘السعودية مارست ضغوطا على قطر واستدعت سفيرها منها، ومارست الضغوط نفسها على تركيا ولا يستبعد حدوث نفس الشيء مع لندن’.
وفي الوقت نفسه نفت الحكومة تعرضها للضغوط من حلفائها الخليجيين وقال مستشار للحكومة ‘يلتقي سفراؤنا في السعودية والإمارات باستمرار مع نظرائهم ويتحدثون معا عن مظاهر القلق من الإخوان المسلمين ، وجاء هذا التحقيق لأن رئيس الوزراء يريد التعرف أكثر على الحركة’.
وبالنسبة لعبد الرحمن وغيره فإجراء تحقيق في نشاطات الإخوان ليس مهما لأنهم يلتزمون بالقوانين، سواء عاشوا في لندن أو أي مكان آخر في العالم’.
وجاءت الضغوط على الحكومة بسبب هروب عدد من القيادات الإخوانية للندن بعد الإنقلاب الذي أطاح بنظام الرئيس المنتخب محمد مرسي، حيث حضروا لتنسيق حملة إعلامية ضد الإنقلاب.
وتركزت الأنظار على مكتب إعلامي أقامه ناشطون من الإخوان أو داعمون للحركة في منطقة ‘كريكل وود’ شمال لندن القريب من الشارع الرئيسي وهو مكتب كما أشارت صحيفة ‘الغارديان’ متواضع ويعمل فيه عدد من الأشخاص وجدوا أنفسهم في مركز الإهتمام الإعلامي البريطاني والدولي.
وفي هذا المركز يقوم العاملون بالإشراف على موقع إعلامي باللغة العربية. وأشارت الصحيفة إلى أن الإعلان عن تحقيق رسمي في نشاطات الإخوان المسلمين في بريطانيا يعني البحث عن أدلة تشير لعلاقة الحركة بالعنف.
ولكن الذي تحدث إليهم مراسل الصحيفة في المركز عبروا عن دهشتهم خاصة أن الحركة التي يقولون إنهم ملتزمون بها فكريا وليس تنظيميا فازت بمعظم الإنتخابات المصرية. ونقلت عن محمد غانم الذي يدير من المكتب مركز الخدمات الإعلامية العالمي ‘كلام فارغ’ أي الإتهامات الموجهة للحركة، مؤكدا أن الإخوان عبروا في كل مرة أنهم لا يدعمون العنف وأنهم اي الإخوان ‘هم جماعة لها فمهما للإسلام والبعيدة عن العنف، وهم ليسوا عنيفين أو متطرفين’، وأكد غانم أن الخمسة العاملين في المكتب مرتبطين فكريا بالحركة وليس جزءا منها.
وحذرت الباحثة مها عزام، من ‘تشاتام هاوس’ من أن الحكومة تبحث في الطريق الخطأ إن كانت ترى في الإخوان تهديدا أمنيا.
وأضافت عزام قائلة إن ‘السعودية والإمارات تقومان بالضغط على الحكومات الإقليمية وفي العالم ممن تعطي مساحة للإخوان العمل منها’.
وقالت إن السعودية تشعر بالتهديد من الإخوان نظرا لموقفها من الديمقراطية و ‘يريدون الضغط عليهم والتأكد من تحطيم الإسلام السياسي’.
ومن هنا يرى المعلقون البريطانيون أن الحكومة تخوض في حقل ألغام، فإذا كان الأخوان الفارون من مصر والجماعة التي يعمل أفرادها ويعيشون في بريطانيا لأجيال يشكلون تهديدا على أمن البلاد فلماذا اكتفى كاميرون بتقرير أو تحقيق ولماذا لم يأمر بعملية سرية تقوم بها أم أي ـ 6 ووكالة الأمن الداخلي ‘أم أي 5’ وفرع الأرهاب في اسكتلند يارد، وفرع التنصت ‘جي سي أتش كيو’، مما يعني القيام بالمهمة سرا وليس من خلال مؤتمرات الحكومة.
وكتب كيم سينغوبتا إن الحكومة البريطانية تقوم بتتبع خطوات القاهرة بالبحث عن مكتب يقع فوق مطعم كباب في كريكل وود.
وأشار الكاتب إلى أن التحقيق يقوم به نخبة من المسؤولين فبالإضافة لجنيكنز وسير سويرز هناك مستشار الأمن القومي لكاميرون وسير كيم داروش.
وأشار الكاتب إلى أن المعلومات حول التحقيق تتكشف لكن التركيز ظل على المكتب في حي كريكل وود، حيث يقوم منه الفارون من الإنقلاب بتنسيق حملة إعلامية ضد النظام.
دهشة المراقبين
وقال الكاتب إن المحللين الأمنيين عبروا عن دهشتهم من الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع الموضوع، مشيرين إلى انه لو تلقت الحكومة فعلا معلومات موثوقة حول قيام الإخوان بعمليات توجه من لندن لكان الأولى هو إرسال قوات للمكان والقيام باعتقالات وتحقيق سري.
ويعبر الكاتب عن ارتياحه من اختيار كاميرون لسير جينكنز وسير داروش اللذان يملكان القدرة والمعرفة لتقديم ملف عن الحركة ليس مثل الملف المزور حول قدرات العراق من أسلحة الدمار الشامل والذي أعدته حكومة توني بلير بناء على معلومات سرقتها من رسالة دكتوراة.
ويرى الكاتب أن طبيعة الإتهامات الموجهة للإخوان غير واضحة، مشيرا إلى ان حادث تفجير الحافلة في طابا أعلنت جماعة ‘أنصار بيت المقدس’ التي تعمل من سيناء مسؤوليتها عنه، ولم تقدم أدلة عن تورط الإخوان فيه.
وحذر الكاتب هنا كاميرون من أنه يخوض في مياه عميقة ويتورط في الإنقسامات الإقليمية بين قطر وتركيا من جهة والنظام الحاكم في القاهرة وحلفائه في الرياض وأبو ظبي من جهة أخرى.
وأشار الكاتب إلى حالة عدم الإرتياح داخل الخارجية البريطانية التي يحذر مسؤوليها من أن أي محاولة لتصنيف الإخوان جماعة إرهابية ستدفع أتباعها نحو طريق العنف.
ويرى الكاتب أن جهل كاميرون بالحركة وأفكارها يتناقض مع علاقة الدبلوماسيين ورجال الإستخبارات بها واتصالاتهم برجالها للحديث والتعرف.
لا داعي له
ولهذا السبب يرى المعلق سايمون تسيدال في صحيفة ‘الغارديان’ عبثية التحقيق وأن حكومة بلاده تتبع سياسة السعودية والامارات المتحدة وهما اللتان لم تعبرا عن رضا من صعود الإخوان المسلمين وحذر في الوقت نفسه الدولة من سياسة الملاحقة والتصيد. ويرى الكاتب أن القرار يعكس في درجة منه حالة الخوف والعصبية التي تعيشها الحكومات الغربية بسبب صعود الجهاديين والتطرف الإسلامي والذي وجد مركزه في فوضى الحرب السورية.
ويعتقد أكثر أن قرار كاميرون يعكس بدرجة أكبر حالة من الضغوط الخارجية التي مورست على ‘داونينغ ستريت’ من حلفاء بريطانيا المقربين في دول الخليج. وتحدث بالتحديد عن موقف السعودية والامارات المتحدة غير الراضي عن صعود الإخوان المسلمين في السلطة وانتخاب محمد مرسي، كرئيس لمصر عام 2012.
ويتهم الكاتب الحكومة الأمريكية بتقديم وعود وكلام فقط للمصريين حيث ظلت داعية لعودة الديمقراطية وفي الوقت نفسه لم تظهر معارضة لنظام العسكر في مصر. ويضيف تسيدال أن الحكومة الأمريكية التي دعمت نظام حسني مبارك السابق بمليارات الدولارات تبنت وبطريقة هادئة النظام العسكري الجديد في مصر بقيادة المشير عبد الفتاح السيسي. فقد كان السيسي الرجل الذي يمكن للإدارة التعامل معه وحتى لو قام بتعزيز سلطته من خلال القبضة الحديدية، ‘هنا على ما يبدو رجل يمكن لواشنطن التعامل معه’.
ويرى تسيدال أن السيسي تفوق من ناحية الدموية على مبارك، ويعدد ما قام به من حظر جماعة الإخوان وسجن مرسي وتوجيه اتهامات بالخيانة له ومحاكمته وملاحقة عناصر الإخوان بقسوة، وإسكات كل الأصوات المعارضة من الصحافيين والمعارضين للنظام.
تبني نظام السيسي
وباستثناء النقد العابر، دعمت الولايات المتحدة التي تعتبر إعادة الإستقرار في مصر أولوية، المشير السيسي منذ البداية.
ويعتقد مسؤلون في الإدارة الأمريكية أن تحقيق الإستقرار سيؤدي لعملية التحول السياسي والإنتخابات النزيهة والحكم الديمقراطي’ لكن أحدا في واشنطن أو القاهرة لا يؤمن بهذا الكلام لأن انتخابات ديمقراطية تعني فوز الإخوان مرة أخرى’.
وأشار تسيدال إلى افتتاحية ‘واشنطن بوست’ هذا الإسبوع التي انتقدت فيها كلام الرئيس أوباما الداعم للديمقراطية وفي الوقت نفسه دعمه السيسي الذي لن يحقق الإستقرار أو الديمقراطية .
ويواصل بالقول إن السيسي ومنذ انقلاب تموز/ يوليو يقود نظاما مسؤولا عن مقتل 2.500 شخص واعتقال أكثر من 16.000 وليس فقط مؤيدي مرسي ولكن المعارضين الليبراليين والعلمانيين من ناشطي ثورة يناير / كانون الثاني 2011.
ويذكر تسيدال بحكم الإعدام الذي أصدره قاض في المنيا الإسبوع الماضي على 529 سجينا بتهمة قتل ضابط شرطة. ويقول تسيدال إن واشنطن ستقوم بعد فوز السيسي في سباق للرئاسة يخوضه هو نفسه بطريقة الإنتخابات الرئاسية في عهد مبارك بتطبيع وضع النظام في مصر واستئناف تقديم المساعدات العسكرية لمصر. وفي السياق نفسه يشير الكاتب إلى أن عملية القمع الشرسة التي تمارسها الدولة ضد الإخوان تلقى دعما حماسيا من السعودية، التي تعتبر حليفا مؤثرا لبريطانيا والممول الرئيسي للنظام المصري بعد الولايات المتحدة.
ومثل الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج الأخرى، إسرائيل وروسيا صنفت الرياض الإخوان المسلمين جماعة إرهابية. ويمضي قائلا إن السعودية اشتكت لبريطانيا وقالت إن قادة الإخوان المسلمين الذين فروا من مصر بعد الإنقلاب اتخذوا من لندن قاعدة لهم.
وأيا كانت حقيقة هذه المزاعم التي ستكون محلا للتحقيق إلا أن جماعة الإخوان المسلمين تظل جماعة دينية خيرية مرت بتطورات خلال تاريخها لتصبح قوة سياسية ترفض رسميا العنف كوسيلة للوصول لأهداف سياسية. وهي كما يقول في النهاية جماعة لها امتدادات واسعة وتضم قطاعا من اصحاب الآراء والناشطين.
ويختم بالقول ‘إن كانت الدول الغربية بمن فيها بريطانيا صادقة في فتح أبواب الحوار مع العالم الإسلامي ومواصلته في عصر ما بعد هجمات أيلول/سبتمبر 2001 فملاحقة وصيد وحظر واحدة من أهم وأكثر الجماعات شعبية بناء على طلب من الأمريكيين، السعوديين وطغمة عسكرية غير شرعية في مصر عمل لا يمكن فهمه، فبريطانيا تفخر بتاريخ طويل من فتح أبوابها للاجئين السياسيين والمنفيين الهاربين من الإضطهاد، والمسلمون لا يختلفون عن هؤلاء أيا كانت جنسياتهم مصرية أو سورية’.